
روما، جنازة المفاوضات ومهرجان الدم
حين عاد الوفد اللبناني من روما لم يعد بحقيبة إنجازات، بل عاد ببيان صمت أثقل من الرصاص. أنتهت جولة التفاوض كما بدأت، تهرب واضح من العدو الإسرائيلي من أي التزام، وبغطاء أمريكي مكشوف يبرر ويمرر، وبفشل لبناني ذريع في فرض بند واحد لصالح المواطنين على الأرض.
الشيء الوحيد الذي( تقدم) خلال أيام المفاوضات لم يكن على طاولة روما، بل على أرض الجنوب، مزيد من القتل مزيد من التفجير،مزيد من حرق الأراضي الزراعي، تجريف المنازل فوق رؤوس أصحابها
وفي المقابل؟ صمت رسمي معيب ومريب. سلطة تصر على العودة إلى طاولة لا تملك فيها أوراقاً، وتُرحل لشهر إضافي. شهر سيكون جائزة ترضية جديدة تُقدم لإسرائيل على طبق من دم، لتكمل فيه ما بدأته من تدمير بلا كلفة ولا محاسبة.
السؤال الذي لم تجب عنه السلطة، ما الذي تغير حتى نعود؟
لا ضمانات، لا وقف إعتداءات، لا أنسحاب، لا تعويضات. فقط وعود أمريكية مطاطة، وواقع ميداني يقول إن لغة التدمير وحدها هي المسموعة.
الأخطر أن هذا الإصرار على (إرضاء) الطرف الآخر لا يتوقف عند حدود المفاوضات. يمتد إلى الداخل، إلى مفاصل الأقتصاد والمدينة.
ففي الوقت الذي تُسفك فيه الدماء، مددت حكومة نواف سلام لشركة سوليدير ثماني سنوات إضافية. الشركة التي يملك أنطوان صحناوي ثلث أسهمها.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً وملحاً. ما هي الضمانة أن لا يكون هذا التمديد هو المدخل الناعم لإعادة هندسة وسط بيروت وفق أجندات خارجية؟
الرجل نفسه الذي أقام مأدبة غداء لقاتل العصر بنيامين نتنياهو، كيف يمكن الوثوق بأن بوصلته الأقتصادية لن تتحول إلى بوابة أستثمار وتسلل للعدو الإسرائيلي من خلال رجال أعمال يهود ؟
السلطة اليوم تختار أن تفاوض وهي تنزف، وأن تمنح وهي تُضرب، وأن تمدد لشركات فيما تُهدم بيوت.
هذه ليست سياسة واقعية. هذه مكافأة للعدو، وإذلال للداخل.
ما جرى في روما لم يكن فشل مفاوضات. كان إعلاناً أن الدم اللبناني صار أرخص من كرسي على طاولة، ومنصب في سلطة. وأن صمت السلطة صار الشريك الثالث في كل صاروخ يسقط.
إذا كانت الدولة قد تخلت عن قوتها في الحرب، فعلى الأقل لا تتخلى عن ذاكرة الناس وعن حقهم في أن يعرفوا مَن يبيع، ومتى، وبأي ثمن.
نضال عيسى


