
ناتو إسلامي جديد… عندما يصبح أمن المنطقة مسؤولية دولها
كتب / سعيد فارس السعيد:
قد لا تكون اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان مجرد اتفاقية عسكرية عابرة، بل يمكن، إذا جرى تطويرها وتوسيعها، أن تشكل نواة لنظام أمني إقليمي جديد يعيد تعريف مفهوم الأمن في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.
فالمنطقة لم تعد تستطيع أن تبقى أسيرة معادلة أمنية تقوم على أن حماية دولها وأراضيها وثرواتها وممراتها ومصالحها لا تتحقق إلا من خلال القوى الكبرى القادمة من خارجها.
إن أمن المنطقة يجب أن يكون، قبل أي شيء، مسؤولية دول المنطقة.
ومن هنا يمكن أن تتحول اتفاقية مكة إلى نواة لما يمكن تسميته
«ناتو إسلامياً جديداً»،
ليس باعتباره حلفاً دينياً أو مذهبياً، ولا مشروعاً موجهاً ضد دولة بعينها، وإنما منظومة دفاع وأمن إقليمية تقوم على السيادة الوطنية، وعدم التدخل، والتوازن، والردع، وحماية السلام.
__من الحماية الأجنبية إلى الأمن الإقليمي المستقل.
لقد أثبتت العقود الماضية أن الاعتماد المفرط على القوى الخارجية في حماية المنطقة لم يؤدِّ إلى الاستقرار الدائم.
فالقواعد العسكرية الأجنبية لم تمنع الحروب، ولم تنه الصراعات، ولم تحل القضية الفلسطينية، ولم تمنع التوسع العسكري أو التدخلات الإقليمية.
لذلك فإن بناء قدرة دفاعية إقليمية مشتركة يمكن أن يفتح الباب أمام إعادة صياغة العلاقة مع الولايات المتحدة والقوى الأجنبية.
والمطلوب ليس طرد أحد بالقوة، وإنما الوصول تدريجياً إلى مرحلة تصبح فيها المنطقة قادرة على حماية نفسها، بحيث يتراجع الوجود العسكري الأجنبي بصورة طبيعية مع نمو القدرات الأمنية والعسكرية لدول المنطقة.
والرسالة هنا واضحة:
(نحن لا نريد حماية خارجية دائمة، لأننا نريد أن نكون قادرين على حماية أنفسنا).
___من اتفاق ثلاثي إلى منظومة إقليمية شاملة.
لكن نجاح اتفاقية مكة لن يقاس فقط بما ستفعله السعودية وتركيا وباكستان، وإنما بقدرتها على التحول إلى منظومة أمن إقليمي مفتوحة أمام دول المنطقة.
ومن هنا يجب أن توجه الدعوة إلى إيران والعراق وسورية، وإلى كل دولة مستعدة للانضمام إلى المشروع، وفق مبادئ واضحة وملزمة.
[بل إن دعوة إيران تحديداً ستكون الاختبار الحقيقي لصدقية المشروع].
فإذا كان الهدف هو بناء أمن إقليمي مستقل، فلا يجوز أن يتحول الحلف الجديد إلى أداة لمحاصرة إيران أو عزلها.
وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن يتحول إلى منصة تسمح لإيران أو لأي دولة أخرى بفرض نفوذ سياسي أو ديني أو عسكري على دول الجوار.
__المطلوب إنهاء عصر المحاور، لا إنشاء محور جديد.
ولهذا فإن جميع الدول المشاركة يجب أن تلتزم بمبادئ أساسية:
__احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، واحترام الحدود، ورفض تغييرها بالقوة، وعدم استخدام الجماعات المسلحة أدوات للسياسة الخارجية، ورفض التوسع والاحتلال، ومنع التدخلات الخارجية، والاحتكام إلى الحوار والقانون في حل النزاعات.
وعندها تتحول المعادلة من:
[السعودية وتركيا وباكستان في مواجهة إيران]،
إلى:
السعودية وتركيا وباكستان وإيران والعراق وسورية، ومعها بقية دول المنطقة، في منظومة واحدة لحماية أمن المنطقة.]
وهنا يكمن التحول الاستراتيجي الحقيقي.
___إيران شريك في الأمن لا مصدر للنّفوذ.
إن دعوة إيران إلى هذه المنظومة لا تعني مطالبتها بالتخلي عن أمنها أو مصالحها أو علاقاتها الدولية.
بل تعني دعوتها إلى اختيار طريق مختلف:
التنافس السياسي والاقتصادي السلمي بدلاً من صراع النفوذ، والعلاقات بين الدول بدلاً من النفوذ عبر الجماعات، والحوار المباشر بدلاً من الحروب بالوكالة.
وفي المقابل، ينبغي أن تحصل إيران على ضمانات بأن هذا النظام الأمني ليس مشروعاً لمحاصرتها أو تهديدها، وإنما مشروع لإنهاء كل أشكال الهيمنة والتدخل الخارجي في المنطقة، من أي جهة جاءت.
وهنا يصبح المبدأ واحداً على الجميع:
(“لا نفوذ أمريكياً مفروضاً، ولا نفوذاً إيرانياً مفروضاً، ولا توسعاً إسرائيلياً، ولا هيمنة إقليمية من أي دولة أخرى”.)
فكما ترفض دول المنطقة الوصاية الخارجية، عليها أيضاً أن ترفض أن تتحول دولها إلى ساحات نفوذ لأي قوة إقليمية.
__العراق وسورية…
قلب الأمن الإقليمي.
أما العراق وسورية، فإن مشاركتهما ستكون ذات أهمية استراتيجية استثنائية.
فالعراق يقع في قلب التوازن بين الخليج وإيران وتركيا، وسورية تقع في قلب المشرق العربي وعلى تماس مباشر مع ملفات لبنان وفلسطين وتركيا وإسرائيل.
وبالتالي فإن استقرار البلدين ليس شأناً داخلياً فقط، بل هو جزء أساسي من الأمن الإقليمي العام.
إن إدماج العراق وسورية في منظومة الأمن الجديدة يمكن أن يساعد على إخراجهما من دائرة الصراعات الدولية والإقليمية، وتحويلهما من ساحات لتصفية الحسابات إلى دول فاعلة في صناعة الاستقرار.
___منع التوسع الإسرائيلي وصناعة السلام.
إن أي نظام أمني جديد لن يكون قادراً على تحقيق الاستقرار الحقيقي إذا بقيت القضية الفلسطينية مفتوحة.
فالسلام لا يمكن أن يقوم على القوة وحدها، ولا على استمرار الاحتلال أو التوسع أو تهجير السكان، كما لا يمكن أن يستمر الصراع إلى ما لا نهاية.
ومن هنا يجب أن يكون للحلف الإقليمي دور في فرض منطق السلام والاحتكام إلى القانون والاتفاقات الدولية، ومنع أي توسع جغرافي بالقوة، أياً كان مصدره.
والهدف النهائي يجب أن يكون الوصول إلى تسوية تاريخية للقضية الفلسطينية، تضمن قيام دولة فلسطينية ذات سيادة، وتؤسس لنظام سياسي ديمقراطي برلماني يقوم على المواطنة والمساواة والحقوق المتساوية، مع ضمان الحقوق الوطنية والمدنية والأمنية لجميع السكان، عرباً ويهوداً، ضمن صيغة سياسية يتوافق عليها طرفا النزاع وتدعمها الأسرة الدولية.
فالسلام الحقيقي ليس سلام الأقوياء مع الضعفاء، وإنما سلام الشركاء المتساوين في الحقوق والواجبات.
___من الردع إلى السلام.
إذا أرادت الرياض وأنقرة وإسلام آباد تحويل اتفاقية مكة إلى مشروع تاريخي، فعليها الانتقال من اتفاق دفاعي إلى مؤسسة أمن إقليمية متكاملة.
ويمكن أن يبدأ ذلك من خلال:
__قيادة مشتركة للتنسيق والدفاع.
__تبادل المعلومات والخبرات الاستخبارية.
__تدريبات ومناورات مشتركة.
__تعاون في الدفاع الجوي والصاروخي.
__تصنيع عسكري مشترك.
__حماية الملاحة وممرات الطاقة.
_____مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
آليات مشتركة لإدارة الأزمات.
إنشاء مجلس سياسي وأمني دائم.
وضع آليات واضحة لمنع نشوب الحروب بين دول المنطقة.
ثم يمكن فتح الباب أمام دول أخرى للانضمام وفق شروط واضحة، بحيث تتحول المبادرة تدريجياً إلى منظومة أمن إقليمية واسعة.
مكة…
نقطة انطلاق لمشروع سلام.
ولأن الاتفاقية ولدت في مكة، فإن الرمز يحمل دلالة استثنائية.
فمكة ليست عاصمة سياسية ولا قاعدة عسكرية، وإنما رمز ديني وإنساني جامع لمئات الملايين من المسلمين.
ومن هنا يمكن أن تكون الرسالة:
من مكة يبدأ مشروع أمني هدفه حماية المنطقة، لا السيطرة عليها؛
وردع الحرب،
لا إشعالها؛
وصناعة السلام،
لا صناعة المحاور.
إن العالم الإسلامي يمتلك الموارد البشرية والاقتصادية والعسكرية والجغرافية التي تمكنه، إذا امتلك الإرادة السياسية، من بناء نظام أمني مستقل.
وليس المطلوب إقامة «ناتو إسلامي» ضد الغرب، ولا ضد إيران، ولا ضد إسرائيل، ولا ضد أي شعب أو دين.
المطلوب هو إقامة نظام إقليمي يمنع الهيمنة والتوسع والتدخل الخارجي، ويحمي سيادة الدول، ويفرض منطق التفاوض والسلام على الجميع.
____شرق أوسط جديد… بلا وصاية ولا حروب بالوكالة.
إن المشروع الحقيقي يجب أن يقوم على قاعدة واحدة:
لا دولة فوق القانون، ولا قوة فوق سيادة الدول، ولا نفوذ خارجي يفرض إرادته على شعوب المنطقة.
لا وصاية أمريكية.
ولا نفوذ إيراني مفروض.
ولا توسع إسرائيلي.
ولا هيمنة من أي قوة إقليمية أخرى.
وفي المقابل:
علاقات طبيعية، واحترام متبادل، وتعاون اقتصادي، وأمن مشترك، وحدود محترمة، وسلام عادل.
عندها فقط يصبح شعار:
_____«أمن المنطقة مسؤولية دول المنطقة»
ليس مجرد شعار سياسي، وإنما قاعدة جديدة للعلاقات الدولية في الشرق الأوسط.
ومن هنا يمكن أن تبدأ المرحلة الأصعب والأهم:
تحويل الردع إلى سلام، والسلام إلى استقرار، والاستقرار إلى تنمية، والتنمية إلى مستقبل جديد لشعوب المنطقة.
إنها فرصة تاريخية.
إما أن تبقى اتفاقية مكة اتفاقاً دفاعياً محدوداً ينتهي بانتهاء الظروف التي أنتجته،
وإما أن تتحول إلى نواة لنظام أمني إقليمي جديد يضم السعودية وتركيا وباكستان وإيران والعراق وسورية وسائر الدول الراغبة، ويعيد للمنطقة قرارها، ويضع حداً لعقود من الحروب والوصايات والمحاور.
فالقوة ليست في أن تتحالف دول المنطقة ضد بعضها.
القوة الحقيقية أن تتحالف دول المنطقة لحماية بعضها.
والهدف ليس أن تنتصر دولة على دولة، أو مذهب على مذهب، أو محور على محور.
الهدف أن تنتصر المنطقة على الحرب.
وأن يصبح أمنها قراراً إقليمياً، وسلامها مشروعاً إقليمياً، ومستقبل شعوبها مسؤولية أبنائها.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل


