هل حررتنا الحداثة أم استعبدتنا؟…وهم التطور

 

 

الحلقة الثانية

 

كتب رياض الفرطوسي

 

يستند العصر الحديث إلى عقيدة غير معلنة يمكن تسميتها “لاهوت التقدم”؛ وهي الإيمان الساذج بأن التاريخ يسير في خط مستقيم ونزيه نحو الأفضل، وأن كل ابتكار تقني هو بالضرورة خطوة للأمام في مسيرة الإنسانية. لكن القراءة النقدية لمسار الحضارة الغربية تكشف عن مفارقة مؤلمة: لقد تطورت الآلة على حساب ضياع الإنسان.

 

قام مشروع الحداثة على فصل المعرفة والعلم والاقتصاد عن المرجعية الأخلاقية. وبدلاً من أن تؤدي التكنولوجيا إلى تحرير الإنسان من مشقة العمل، تم تسخيرها لزيادة معدلات الإنتاج والسيطرة. يحلل المفكر بيونغ-شول هان هذه الأزمة في طرحه حول “مجتمع الإرهاق”، حيث لم يعد الإنسان يُقمع بواسطة سلطة خارجية مستبدة، بل أصبح يمارس الاستبداد على نفسه تحت شعار “الكفاءة والإنجاز”، لينتهي به المطاف إلى الاحتراق النفسي والإنهاك التام.

 

إن هذا “التقدم” المادي يضعنا أمام مقارنة بين ثلاثة نماذج فكرية للتاريخ:

 

النموذج الغربي الخطّي: يرى التاريخ ميداناً للسيطرة على الطبيعة وإخضاعها، مما أدى إلى تجريف البيئة وتشييع الإنسان.

 

النموذج الشرقي الدائري: ينظر للإنسان كجزء متناغم مع الكون، ويسعى للتوازن لا للهيمنة.

 

النموذج الأخلاقي التراثي: يرى أن التطور الحقيقي لا يقاس بسعة المعالج أو سرعة المحرك، بل بمستوى التزكية الأخلاقية والسمو الروحي للإنسان.

 

التكنولوجيا ليست خالية من القيم؛ إنها تعيد تشكيل وعينا وإدراكنا. والوعي المطلوب اليوم هو إخضاع التقنية للقيم الأخلاقية، بدلاً من ترك القيم تتشكل وفقاً لمتطلبات التقنية والسوق.

 

في الحلقة القادمة: سنفتح نافذة تاريخية مغايرة تماماً، لنكتشف كيف استطاعت المجتمعات قديماً تنظيم حياتها وصناعة قوانينها بعيداً عن هيمنة الدولة والشركات الرأسمالية.

شارك