
الجزء الثاني: السياسة والسلطة والولاءات… من العثمانيين إلى الثورة العربية والدولة الحديثة
إذا كان الجزء الأول يجيب عن سؤال: من هم الحويطات وأين عاشوا؟ فإن الجزء الثاني يجيب عن السؤال الأكثر إثارة: كيف تحولوا من قوة قبلية في الصحراء إلى لاعب سياسي وعسكري، وكيف تغيرت ولاءاتهم مع تغير الدول والحدود؟
القبيلة والسلطة العثمانية
كانت علاقة الحويطات بالدولة العثمانية علاقة معقدة، مثل علاقة معظم القبائل البدوية بالدولة المركزية.
فالدولة تريد تأمين الطرق وجباية الضرائب وفرض النظام، بينما تريد القبيلة الحفاظ على استقلالها ومراعيها ومصالحها.
لذلك لم يكن الولاء القبلي بالضرورة ولاءً دائماً لدولة واحدة.
وفي مرحلة من مراحل القرن التاسع عشر بدأ النفوذ العثماني يتوسع بصورة أكبر في جنوب شرقي الأردن، الأمر الذي أدى إلى احتكاكات متزايدة بين الإدارة العثمانية وبعض زعماء الحويطات.
وتشير الدراسات إلى أن أواخر القرن التاسع عشر شهدت تغيراً كبيراً في بنية الحويطات، إذ تعزز نفوذ مشيختين رئيسيتين هما ابن جازي وأبو تايه.
ومن المهم هنا فهم أن كلمة “مشيخة” لا تعني بالضرورة سلطة مركزية مطلقة على كل أفراد القبيلة؛ فالقبيلة كانت موزعة على بطون، ولكل بطن زعامته وعلاقاته وتحالفاته.
أبو تايه… حين دخلت القبيلة التاريخ الدولي
إذا كان هناك اسم واحد ارتبط بالحويطات في الذاكرة العربية الحديثة، فهو عودة أبو تايه.
كان عودة أحد أبرز زعماء فرع أبو تايه، وبرز في مطلع القرن العشرين قائداً ذا نفوذ واسع في جنوب الأردن وشمال الحجاز.
وتشير المصادر إلى أن نفوذ قبيلته كان قوياً إلى درجة أن المرور في مناطق سيطرتها كان يحتاج إلى موافقة زعيمها.
لكن أهمية عودة لم تكن في الفروسية وحدها.
لقد جاء الرجل في مرحلة كانت الإمبراطورية العثمانية تضعف، والقوى الأوروبية تتنافس على المنطقة، والشريف حسين بن علي يستعد للثورة العربية.
وهنا انتقلت الحويطات من كونها قوة محلية إلى لاعب له علاقة مباشرة بمشروع سياسي إقليمي.
الحويطات والثورة العربية الكبرى
عام 1916 اندلعت الثورة العربية الكبرى ضد الدولة العثمانية بقيادة الشريف حسين بن علي.
وفي هذه اللحظة انحاز فرع أبو تايه بقيادة عودة أبو تايه إلى الثورة، وأصبح جزءاً مهماً من القوات العربية التي قادها الأمير فيصل بن الحسين.
وكانت العقبة أهم محطة في هذا الدور.
فسيطرة القوات العربية على العقبة عام 1917 غيرت طبيعة الحرب في جنوب بلاد الشام، وفتحت الطريق أمام القوات العربية للتحرك شمالاً.
وتؤكد المصادر أن عودة أبو تايه شارك في العمليات التي أدت إلى السيطرة على العقبة، ثم واصل مع قوات الثورة تحركاته في جنوب الأردن وسوريا.
ومن هنا دخل اسم الحويطات التاريخ العسكري العربي الحديث.
لكن هل كان كل الحويطات مع الثورة؟
هنا تظهر واحدة من أهم الحقائق التي ينبغي ألا تضيع في السرد التقليدي.
لا.
لم يكن جميع الحويطات على موقف سياسي واحد.
فالمصادر التاريخية تشير إلى أن فرع ابن جازي بقي في مرحلة من الثورة على علاقة بالدولة العثمانية، بينما انحاز أبو تايه إلى الهاشميين. وتشير سجلات بريطانية إلى أن ابن جازي كان يُعد من القبائل المرتبطة بشرقي الأردن، كما تؤكد مصادر أخرى استمرار ولاء فرع ابن جازي للعثمانيين في مرحلة الثورة.
وهذه الحقيقة بالذات مهمة جداً لفهم السياسة القبلية.
فالقبيلة لم تكن حزباً سياسياً حديثاً.
لم يكن مطلوباً من جميع أفرادها أن يصوتوا في اتجاه واحد أو أن يلتزموا بقرار مركزي واحد.
كان لكل شيخ حساباته، ولكل فرع علاقاته، ولكل منطقة مصالحها.
لماذا انحاز أبو تايه إلى الثورة؟
لم يكن الأمر مجرد عاطفة قومية.
كان هناك تقاطع بين مصالح الطرفين.
الشريف حسين كان يريد إسقاط الحكم العثماني وإقامة حكم عربي، بينما كان أبو تايه يريد الحفاظ على نفوذ قبيلته ومجالها وحريتها في الحركة.
كما أن سياسة الدولة العثمانية المركزية في سنواتها الأخيرة أدت إلى توتر مع بعض زعماء البدو.
وتشير المصادر إلى أن علاقة عودة بالإدارة العثمانية ازدادت سوءاً في السنوات السابقة للثورة، خصوصاً بعد صعود جمعية الاتحاد والترقي وتشدد السلطة المركزية.
وهكذا التقت السياسة القومية بالمصلحة القبلية.
وهذه نقطة أساسية لفهم تاريخ المنطقة.
بعد الثورة: ماذا حدث للولاء؟
انتهت الدولة العثمانية، لكن العالم العربي لم يدخل مباشرة في مرحلة الوحدة العربية التي حلم بها الشريف حسين.
بل دخلت المنطقة في مرحلة الانتدابات البريطانية والفرنسية، ثم نشأت الدول الحديثة بحدودها الجديدة.
وهنا بدأت وظيفة القبيلة تتغير.
فبدلاً من أن تكون القبيلة صاحبة السيادة الفعلية على مجال صحراوي مفتوح، أصبحت جزءاً من دولة ذات حدود وإدارة وجيش وقانون.
وفي الأردن، اندمج أبناء الحويطات بصورة تدريجية في الدولة الجديدة، وأصبح لهم حضور في الجيش العربي ومؤسسات الدولة.
ومن أبرز الأمثلة لاحقاً شخصيات عسكرية من أبناء الحويطات، ومن بينها مشهور حديثة الجازي الذي أصبح قائداً للقوات المسلحة الأردنية ورئيساً لهيئة الأركان في السبعينيات.
إلى من ينتمي الحويطات اليوم؟
السؤال هنا يحتاج إلى الفصل بين الانتماء القبلي والانتماء السياسي.
الحويطي في الأردن مواطن أردني، والحويطي في السعودية مواطن سعودي، والحويطي في مصر مواطن مصري، وهكذا.
أما القبيلة، فقد بقيت إطاراً اجتماعياً وعائلياً يتجاوز الحدود.
ولهذا لا يمكن القول إن الحويطات اليوم “موالون” لدولة واحدة بوصفهم قبيلة عابرة للحدود.
فالولاء السياسي الحديث أصبح مرتبطاً بالدولة والمواطنة، بينما بقي الانتماء القبلي إطاراً للنسب والذاكرة والعلاقات الاجتماعية.
الحويطات والدولة الحديثة
التحول من البداوة إلى الاستقرار كان من أهم التحولات في تاريخ الحويطات.
فمع قيام الدول الحديثة، بدأت عمليات توطين البدو وإنشاء القرى والمدن، وتحولت أجزاء كبيرة من القبيلة من حياة الترحال إلى الزراعة والاستقرار والعمل في الجيش والدولة والتجارة.
وتشير الدراسات إلى أن مشاريع توطين البدو في بادية معان بين عامي 1925 و1975 كانت جزءاً من هذه العملية الأوسع التي غيرت بنية المجتمع البدوي في الأردن.
وهكذا انتقلت القبيلة من عالم كانت فيه المراعي والآبار والغزو والتحالفات عناصر أساسية في القوة، إلى عالم أصبحت فيه المدرسة والجيش والوظيفة والدولة والمدينة عناصر جديدة في تشكيل المكانة الاجتماعية.
الحويطات والسياسة اليوم
لا يمكن التعامل مع الحويطات اليوم باعتبارهم قوة سياسية واحدة.
فالقبيلة موزعة بين دول، وأجيالها الجديدة تعيش في المدن وتعمل في قطاعات مختلفة، وأصبح الانتماء الوطني والدولة الحديثة أقوى بكثير من الشكل السياسي القديم للقبيلة.
لكن ذلك لا يعني اختفاء الهوية القبلية.
فالاسم والنسب والعائلة والذاكرة التاريخية ما زالت حاضرة، كما أن تاريخ شخصيات مثل عودة أبو تايه وابن جازي أصبح جزءاً من الذاكرة السياسية والعسكرية للمنطقة.
الخلاصة
تاريخ الحويطات هو في جوهره قصة انتقال من الجغرافيا إلى الدولة.
فقد نشأت قوتهم في منطقة مفتوحة بين الحجاز والشام وسيناء، وامتلكوا مجالاً واسعاً حول العقبة وجنوب الأردن وشمال غرب الجزيرة العربية، ثم أصبحت فروع منهم موجودة في مصر وفلسطين والسعودية والأردن.
أما نسبهم، فالرواية القبلية الأشهر تجعلهم من الأشراف الحسينيين، في حين تقدم المصادر التاريخية روايات أخرى عن صلاتهم ببني عقبة وتكوينهم التاريخي؛ ولذلك فإن الباحث الجاد ينبغي أن يعرض الروايات بدلاً من تحويل إحداها إلى حقيقة قطعية من دون توثيق.
وفي السياسة، لم يكن للحويطات ولاء واحد ثابت.
فبعضهم ارتبط بالعثمانيين، بينما انحاز أبو تايه إلى الثورة العربية الكبرى، ثم انتقل أبناء القبيلة بعد قيام الدول الحديثة إلى إطار الدولة الوطنية.
ولعل أهم درس في تاريخ الحويطات أن القبيلة لا تعيش خارج السياسة؛ فهي تتأثر دائماً بموازين القوى والجغرافيا والاقتصاد والدولة.
لقد كان الحويطي قديماً يحتاج إلى الماء والمرعى والطريق، ثم أصبح يحتاج إلى الدولة والجيش والمدينة.
لكن شيئاً واحداً بقي ثابتاً: الذاكرة.
ذاكرة قبيلة عبرت الصحراء بين الحجاز والشام، ووقفت على طرق القوافل، ودخلت في صراع مع الدولة العثمانية، وشاركت في الثورة العربية الكبرى، ثم أصبحت جزءاً من الدول التي ولدت من رحم تلك المرحلة.
وهذه هي قصة الحويطات: ليست قصة قبيلة فقط، بل قصة منطقة بأكملها تغيّرت حدودها ودولها، بينما بقيت القبيلة شاهدة على زمن كانت فيه الصحراء نفسها وطناً مفتوحاً.



