المرجعية الدينية الإسلامية الشيعية العليا وأهميتها في حياة الناس وأحوالهم

 

 

سعيد فارس السعيد

 

المرجعية الدينية الإسلامية الشيعية العليا ليست مجرد مرجعية في الأحكام الشرعية والمسائل الفقهية، ولا ينبغي اختزال دورها في إصدار الفتاوى أو بيان المواقف الدينية.

 

فالمرجعية، في جوهر رسالتها، مرجعية للإنسان قبل أن تكون مرجعية للمسألة،

 

ومرجعية للقيم قبل أن تكون مرجعية للأحكام، ومرجعية للإصلاح والتكافل وحفظ المجتمع وصيانة كرامة الإنسان.

 

ومن أبرز النماذج التي تجسّد هذا المعنى في تاريخ المرجعية النجفية المعاصرة،

 

مرجعية سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني،

 

ومرجعية سماحة آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم (قدس سره)،

 

بما تمثلانه من مكانة علمية ومرجعية دينية، وما ارتبط بهما من اهتمام بالعلم والحوزة والمجتمع والإنسان.

 

السيستاني…

المرجعية التي اتسع حضورها للإنسان والمجتمع

 

أظهرت تجربة السيد السيستاني أن المرجعية الدينية تستطيع أن تكون بالغة التأثير في المجتمع من دون أن تتحول إلى حزب سياسي، أو مؤسسة حزبية، أو طرف في الصراعات السياسية اليومية.

 

فالمرجعية تستطيع أن تكون صاحبة موقف واضح في القضايا الكبرى، وأن تدافع عن مصالح الناس وكرامتهم، وأن تدعو إلى حفظ الدولة والقانون والوحدة الوطنية، من دون أن تتحول إلى طرف سياسي مباشر.

 

كما أن حضورها الاجتماعي والإنساني يؤكد أن مفهوم المرجعية لا يتوقف عند الفتوى، وإنما يمكن أن يتحول إلى عمل مؤسساتي يخدم الإنسان، ويحفظ كرامته، ويعزز التعليم والثقافة والتكافل الاجتماعي.

 

وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة في المرجعية:

أن يشعر الإنسان المحتاج بأن الدين ليس بعيدًا عنه، وأن المرجعية ليست بعيدة عن ألمه ومعاناته.

 

الحكيم…

مدرسة في العلم والمرجعية

 

أما السيد محمد سعيد الحكيم (قدس سره)، فقد كان أحد أعلام المرجعية النجفية البارزين، وفقيهًا وعالمًا ترك إرثًا علميًا وفكريًا واسعًا، إلى جانب حضوره في قضايا المجتمع وأتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام.

 

والحديث عن السيد الحكيم ليس حديثًا عن عالم كبير فحسب، بل عن مدرسة علمية ومرجعية وفكر ومنهج في الحوزة والفقه والتربية الدينية.

ومن هنا فإن استحضار تجربة السيد الحكيم إلى جانب تجربة السيد السيستاني يضيء على حقيقة مهمة، وهي أن المرجعية النجفية تستمد قوتها الأساسية من العلم والتقوى والاستقلال والصبر وخدمة الناس، وليس من السلطة السياسية أو النفوذ الحزبي.

 

المرجعية ليست حزبًا سياسيًا

وهذه نقطة أساسية ينبغي التأكيد عليها.

فالمرجعية الدينية عندما تدخل في تفاصيل الصراع الحزبي والسياسي اليومي، فإنها قد تخسر جزءًا من قدرتها على أن تكون مرجعًا جامعًا.

 

أما عندما تحافظ على استقلالها، فإن بإمكانها أن تنصح الجميع، وأن تنتقد الخطأ أيًا كان مصدره،

 

وأن تدافع عن المظلوم أيًا كان انتماؤه.

 

ولهذا فإن قوة المرجعية لا تكمن في امتلاكها حزبًا أو كتلة سياسية، وإنما في امتلاكها ثقة الناس ومكانتها الدينية والأخلاقية.

 

المرجعية والدولة.

 

المرجعية الدينية الواعية لا تحل محل الدولة، ولا ينبغي أن تكون بديلًا عن مؤسساتها.

 

لكنها تستطيع أن تكون قوة أخلاقية واجتماعية تساعد على حماية الدولة والمجتمع، وتدعو إلى سيادة القانون، ومحاربة الفساد، وصيانة الحقوق، وحفظ كرامة المواطنين، وتعزيز السلم الأهلي.

 

فالمرجعية تستطيع أن تقول للحاكم:

أحسن.

 

وتستطيع أن تقول للمسؤول:

أخطأت.

 

وتستطيع أن تقول للمجتمع: لا تظلموا.

 

وتستطيع أن تقول للفقراء: لستم وحدكم.

 

 

وهذه مساحة عظيمة من التأثير لا تحتاج إلى سلطة سياسية مباشرة.

 

المرجعية والوحدة الوطنية

وفي عالم تزداد فيه الصراعات المذهبية والطائفية، تصبح مسؤولية المرجعية أكبر.

 

فالمرجعية الدينية الشيعية، بما تستند إليه من مدرسة أهل البيت عليهم السلام، تستطيع أن تؤكد أن الإسلام دين رحمة وعدل، وأن الاختلاف بين المسلمين لا يجوز أن يتحول إلى اقتتال، وأن الاختلاف الديني والمذهبي لا يبرر الاعتداء على الإنسان أو إهانة كرامته.

 

كما تستطيع أن تؤكد أن أبناء الوطن الواحد، بمختلف طوائفهم ومذاهبهم، شركاء في الوطن والمصير والمصلحة العامة.

 

وهنا تصبح المرجعية جسرًا بين المكونات، لا جدارًا يفصل بينها.

 

المرجعية وخدمة الفقراء والمحتاجين.

 

إن أكبر اختبار للمرجعية هو الإنسان البسيط.

فالفقير لا يحتاج فقط إلى خطاب ديني، وإنما يحتاج إلى من يساعده على تأمين لقمة العيش.

 

والمريض يحتاج إلى العلاج.

واليتيم يحتاج إلى الرعاية.

والطالب يحتاج إلى التعليم.

والشاب يحتاج إلى فرصة عمل.

والأسرة تحتاج إلى الأمان والاستقرار.

 

___ومن هنا ينبغي أن تتوسع المؤسسات المرتبطة بالمرجعيات الدينية في العمل الاجتماعي، وأن تنتقل من مفهوم المساعدة الطارئة إلى بناء منظومات مستدامة للرعاية والتنمية وتمكين الإنسان.

فالمطلوب ليس فقط أن نعطي المحتاج ما يسد حاجته اليوم، وإنما أن نساعده على امتلاك القدرة التي تجعله أقل احتياجًا غدًا.

 

___المرجعية والشباب.

 

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ديني هو أن يبتعد الشباب عنه.

ولهذا فإن المرجعية مطالبة بأن تكون قريبة من الأجيال الجديدة، وأن تخاطبهم بلغة العلم والعقل والحوار، وأن تستمع إلى أسئلتهم، وأن تقدم لهم المعرفة الدينية القادرة على مواجهة التطرف والتكفير والجهل وخطابات الكراهية.

 

فالجيل الجديد لا يكفيه أن نقول له: هذا حلال وهذا حرام.

بل يجب أن نشرح له لماذا، وكيف، وما الحكمة، وما أثر الدين في بناء الإنسان والمجتمع.

 

ومن هنا تأتي أهمية إنشاء المراكز الثقافية والفكرية والشبابية، وتشجيع البحث العلمي، ودعم الكتاب والمفكرين، وفتح مساحات الحوار أمام الشباب.

 

__من المرجعية التقليدية إلى المرجعية المؤسسية.

 

إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تطوير مفهوم العمل المرجعي.

نحن بحاجة إلى مرجعية قوية في علمها، ولكن أيضًا إلى مؤسسات قوية في إدارتها وكفاءتها وشفافيتها وقدرتها على الوصول إلى الناس.

 

نحتاج إلى مؤسسات للرعاية الاجتماعية، ورعاية الأيتام، والمرضى والفقراء، والتعليم والمنح الدراسية، والشباب، والثقافة والبحث العلمي، والإرشاد الأسري، ومواجهة التطرف والتكفير، والحوار الإسلامي ـ الإسلامي، والحوار الإسلامي ـ المسيحي، وتعزيز الوحدة الوطنية والسلم الأهلي.

 

وهنا يمكن أن تتحول المرجعية من مجرد مرجعية دينية يتلقى الناس عنها الأحكام إلى مظلة حضارية وإنسانية وأخلاقية متكاملة.

 

_تكريس وتعميق نهج أهل البيت عليهم السلام.

 

إن تطوير دور المرجعية الدينية في خدمة الإنسان، ورعاية الفقراء والمحتاجين، وحماية كرامة الناس، ونشر العلم، ومواجهة الفتنة والتكفير والكراهية، وتعزيز الأخوة والوحدة بين أبناء المجتمع والوطن، ليس خروجًا عن جوهر المرجعية، ولا إضافة هامشية إلى وظيفتها.

بل هو في حقيقته تكريس وتعميق لنهج وفكر وسلوك أهل بيت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

 

فأهل البيت عليهم السلام لم يكونوا مدرسة في الفقه والعبادة فقط، بل كانوا مدرسة في الرحمة والعدل والتواضع والإيثار والتكافل ونصرة المظلوم وحفظ كرامة الإنسان.

 

ومن هنا فإن المرجعية التي تجعل الإنسان محورًا في عملها، وتفتح أبوابها للمحتاج، وترعى اليتيم، وتساعد المريض، وتحمي الأسرة، وتدعم العلم والثقافة، وتواجه الجهل والتطرف والتكفير، وتسعى إلى إصلاح ذات البين وحفظ السلم الأهلي؛ إنما تعمل على إحياء القيم التي جسدها أهل البيت عليهم السلام في حياتهم وسلوكهم.

 

وهذا هو المعنى الأعمق لاستمرار المرجعية:

أن تبقى مدرسة أهل البيت حاضرة في حياة الناس، لا في الكتب وحدها؛ وأن تتحول تعاليمهم إلى سلوك وممارسة ومؤسسات وخدمة للإنسان.

 

فالمرجعية حين تخدم الإنسان، فإنها تكرّس نهج أهل البيت.

وحين تنصر المظلوم، فإنها تكرّس نهج أهل البيت.

وحين تجمع ولا تفرّق، وتصلح ولا تفسد، وترحم ولا تقسو، وتعلّم ولا تجهّل، فإنها تكرّس نهج أهل البيت.

 

وبذلك تصبح المرجعية امتدادًا حيًا للمدرسة التي أرادها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأهل بيته: مدرسة العلم والرحمة والعدل والإصلاح وخدمة الإنسان.

 

___السيستاني والحكيم… إرث المرجعية ومسؤولية المستقبل.

 

إن الحديث عن السيد السيستاني والسيد محمد سعيد الحكيم (قدس سره) يجب ألا يكون مجرد حديث عن تاريخ أو أسماء كبيرة في الحوزة العلمية، وإنما عن دروس وتجارب ينبغي الاستفادة منها في تطوير العمل المرجعي والمؤسسات الدينية.

 

فالمرجعية التي حافظت على مكانتها لم تفعل ذلك بالسلطة أو بالقوة، وإنما بالعلم والتقوى والاستقلال والصبر وخدمة الناس.

وهذه هي القوة الحقيقية للمرجعية:

قوة العلم، وقوة الأخلاق، وقوة الموقف، وقوة الثقة، وقوة الإنسان الذي يرى في المرجعية ملاذًا دينيًا وأخلاقيًا وإنسانيًا.

 

خلاصة القول :

 

إن المرجعية الدينية الإسلامية الشيعية العليا أمام مسؤولية تاريخية كبيرة.

فالعالم يتغير، والمجتمعات تتغير، وأدوات التأثير تتغير، وأسئلة الشباب تتغير، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تتعقد.

ولذلك فإن المطلوب ليس التخلي عن أصالة المرجعية، بل تجديد أدواتها ووسائلها ومؤسساتها بما يحافظ على جوهرها ويجعلها أكثر قدرة على خدمة الإنسان.

 

لقد قدمت مدرسة النجف، ومن خلالها المرجعيتان البارزتان السيد السيستاني والسيد محمد سعيد الحكيم (قدس سره)، نموذجًا يؤكد أن المرجعية تستطيع أن تكون قوية من دون أن تتحول إلى حزب، ومؤثرة من دون أن تكون سلطة سياسية، وحاضرة في المجتمع من دون أن تفقد استقلالها.

 

وهذه هي المرجعية التي يحتاج إليها الناس:

مرجعية تحفظ الدين، وتصون الإنسان، وتحمي المجتمع، وتدافع عن المظلوم، وترعى المحتاج، وتواجه الفتنة، وتحترم الدولة، وتعزز الوحدة الوطنية، وتجمع ولا تفرّق.

 

فالمرجعية ليست فقط أن تقول للناس ماذا يفعلون؛

بل أن تكون حاضرة معهم عندما يحتاجون إلى من يساعدهم على أن يعيشوا بكرامة.

 

وهنا تحديدًا تكمن عظمة المرجعية:

أن يكون الدين في خدمة الإنسان، وأن تكون المرجعية حارسة للقيم، وأن يتحول العلم الديني إلى رحمة، والفتوى إلى مسؤولية، والمكانة الدينية إلى خدمة، والحضور المرجعي إلى أمان للناس والمجتمع.

 

وبذلك لا تكون المرجعية مجرد عنوان ديني في حياة الناس، وإنما تصبح قوة أخلاقية وإنسانية وإصلاحية تُسهم في بناء الإنسان والمجتمع والوطن، وتُكرّس وتعُمّق نهج وفكر وسلوك أهل بيت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

 

سعيد فارس السعيد

كاتب وباحث استراتيجي مستقل

شارك