العفو العام في لبنان… متى تصبح العدالة ضحيةً للتسويات؟

 

بقلم: أمين السكافي.

ليس أصعب على العدالة من أن تتحول إلى تسوية سياسية، وليس أخطر على الدولة من أن يشعر المواطن بأن الجريمة يمكن أن يكون لها موعد سياسي، وأن السجن يمكن أن يصبح قضية طائفة، وأن دم العسكري يمكن أن يدخل في بازار التوافقات.

من هنا يبدأ السؤال الحقيقي حول قانون العفو العام في لبنان: هل نحن أمام قانون لمعالجة خلل قضائي وإنساني حقيقي، أم أمام تسوية سياسية واسعة تُلبس بعض الملفات ثوب المظلومية، ثم تفتح الباب أمام إطلاق سراح أشخاص ارتكبوا جرائم لا يجوز أن تسقط بمرور الزمن؟

السؤال لم يعد افتراضياً. فقد أقرّ مجلس النواب قانون العفو العام في 12 آب 2026، بعد أشهر من التجاذبات والتعديلات، فيما كان الهدف المعلن تخفيف الاكتظاظ في السجون ومعالجة أوضاع موقوفين أمضى بعضهم سنوات من دون محاكمة.

وهنا لا بد من الاعتراف بالحقيقة الأولى: لبنان يحتاج فعلاً إلى معالجة أزمة السجون. فمن غير المقبول أن يبقى إنسان سنوات خلف القضبان من دون محاكمة، وأن يتحول التوقيف الاحتياطي إلى عقوبة بحد ذاته. لكن معالجة الظلم لا تكون بالضرورة بعفو عام، ولا يجوز أن يتحول عجز الدولة عن إدارة القضاء والسجون إلى سبب لإلغاء مسؤولية من ثبتت إدانته.

كيف بدأت الحكاية؟

قصة العفو العام ليست وليدة اليوم. فقد طُرح الملف مراراً خلال السنوات الماضية، ووصل إلى مجلس النواب عام 2020 وسط خلافات سياسية وطائفية حادة، لكنه لم يمر.

وكانت العقدة الأساسية آنذاك، كما هي اليوم، هي تحديد الجرائم التي يمكن أن يشملها العفو والجرائم التي ينبغي أن تبقى خارج أي تسوية، ولا سيما الجرائم المرتكبة بحق الجيش، والإرهاب، والقتل، والمخدرات، والتعامل مع العدو الإسرائيلي.

لكن الملف عاد بقوة في 2026، مدفوعاً بثلاثة عوامل رئيسية: أزمة السجون، كثرة الموقوفين الذين لم تصدر بحقهم أحكام، والضغط السياسي لمعالجة ملف الموقوفين الإسلاميين، ولا سيما المرتبطين بأحداث طرابلس وعبرا وملفات الإرهاب.

ومن هنا تحولت القضية تدريجياً من ملف حقوقي وقضائي إلى ملف سياسي وطائفي بامتياز.

من يريد العفو؟ ومن يعارضه؟

الصورة الطائفية أكثر تعقيداً من شعار «هذه الطائفة مع العفو وتلك ضده».

في البيئة السنية، كان الضغط الأكبر باتجاه العفو مرتبطاً بملف الموقوفين الإسلاميين، باعتبار أن عدداً منهم أمضى سنوات طويلة في السجون من دون محاكمة أو حُرم من محاكمة سريعة وعادلة. وقد تحرك عدد من النواب السنة للمطالبة برفع ما يعتبرونه «مظلومية» عن هؤلاء.

أما القوى الشيعية، وخصوصاً حركة أمل وحزب الله، فكانت جزءاً من المسار النيابي الذي عمل على صياغة القانون وإقراره، وإن لم يكن الموقف داخل البيئة الشيعية متطابقاً. فقد ظهرت اعتراضات على الصيغة النهائية وعلى بعض الاستثناءات والتعديلات، بما يؤكد أن الملف لم يكن مجرد قرار طائفي موحد.

وفي البيئة المسيحية أيضاً لم يكن هناك موقف واحد.

القوات اللبنانية أيدت مبدأ معالجة أوضاع الموقوفين وتأخير المحاكمات، بينما كان التيار الوطني الحر أكثر تشدداً في رفض العفو عن مرتكبي الجرائم بحق الجيش، مع تأييده معالجة أوضاع من سُجنوا ظلماً أو من دون ارتكاب جرائم جسيمة.

وهذا يعني أن القضية في جوهرها ليست «إسلاميين ضد الجيش»، ولا «شيعة ضد سنة»، ولا «مسيحيين ضد مسلمين».

إنها صراع بين منطق المظلومية ومنطق العدالة.

ومن هم الذين يفترض أن يشملهم العفو؟

هنا تكمن أخطر نقطة في النقاش.

العفو العام ليس قانوناً واحداً يفتح أبواب السجون أمام الجميع. فالصيغ التي نوقشت استثنت جرائم خطيرة، وفي مقدمتها الجرائم المرتبطة بأمن الدولة والخيانة والتعامل مع العدو والقتل العمد والإرهاب، كما دارت نقاشات واسعة حول الجرائم المتعلقة بالمخدرات.

وهذا أمر ضروري.

فلا يمكن، بأي منطق للدولة، أن يوضع شخص أوقف بسبب مخالفة بسيطة في السلة نفسها مع شخص قتل عسكرياً، أو شارك في اعتداء مسلح على الجيش، أو عمل لمصلحة العدو الإسرائيلي، أو مارس تجارة المخدرات المنظمة.

لكن المشكلة لا تكمن فقط في قائمة الاستثناءات.

المشكلة تكمن في المبدأ الذي يقوم عليه العفو.

فحين تعجز الدولة عن محاكمة شخص في الوقت المناسب، فإن الحل الطبيعي هو إصلاح القضاء وتسريع المحاكمات، لا أن يصبح عجز الدولة نفسه سبباً لإلغاء العقوبة أو تخفيضها.

لماذا أرفض العفو العام؟

أنا لا أرفض رفع الظلم عن بريء.

ولا أقبل أن يسجن إنسان سنوات من دون محاكمة.

ولا أقبل أن يتحول التوقيف الاحتياطي إلى عقوبة دائمة.

لكنني أرفض أن تستخدم الدولة فشلها القضائي ذريعة للعفو عن المدانين.

من قتل جندياً في الجيش ليس كمن طال توقيفه ظلماً. ومن اتجر بالمخدرات ليس كمن لم تثبت عليه تهمة. ومن ارتكب جريمة إرهابية ليس كمن حوكم على رأي سياسي. ومن ثبت تعامله مع العدو ليس كمن غادر البلاد تحت ظروف قاهرة.

العدالة تبدأ من هذه الفوارق، أما العفو العام فيهدد بإذابتها في قانون واحد.

وما قيمة دماء العسكريين إذا أمكن بعد سنوات أن يتحول قاتلهم إلى «مستفيد من تخفيف العقوبة»؟

وما الرسالة التي تصل إلى عائلة شهيد الجيش حين تسمع أن الدولة التي لم تحاكم القاتل في الوقت المناسب أصبحت مستعدة اليوم لتقصير مدة سجنه؟

الجريمة بالنسبة إلى الدولة قد تكون مادة في ملف، ورقماً في سجل، وفقرة في قانون.

أما بالنسبة إلى أم الشهيد، فهي ابنها.

وهذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع وسط المصطلحات القانونية والمساومات السياسية.

هل كل سجين يستحق الحرية؟

السؤال يبدو قاسياً، لكنه ضروري.

ليس كل من دخل السجن مجرماً، كما أن ليس كل من بقي في السجن مظلوماً.

هناك موقوفون مظلومون يجب أن يخرجوا فوراً.

وهناك من طال توقيفهم بصورة غير عادلة.

وهناك من ارتكبوا مخالفات بسيطة يمكن أن تكون لهم أحكام بديلة.

لكن هناك أيضاً قتلة، ومهربو مخدرات، ومعتدون على الجيش، وأشخاص ارتكبوا جرائم إرهابية أو أمنية.

هؤلاء لا يمكن وضعهم جميعاً تحت عنوان واحد اسمه «المظلومية».

فإذا كان المطلوب معالجة اكتظاظ السجون، فهناك عشرات الوسائل الأخرى: تسريع المحاكمات، اعتماد العقوبات البديلة في الجرائم البسيطة، تحديد سقف للتوقيف الاحتياطي، بناء سجون جديدة، تطوير القضاء، وتطبيق القوانين الموجودة.

أما أن نُبقي المريض ونقتل المرض، فهذا ليس إصلاحاً.

وإلى أين وصلت الحكاية؟

أقر مجلس النواب القانون بعد مخاض طويل وتعديلات عديدة.

لكن إقرار القانون لا يعني أن الجدل انتهى.

فالمرحلة المقبلة ستكون في تطبيق مواده وتحديد المستفيدين منه، وهنا ستظهر حقيقة القانون أكثر مما ظهرت في جلسات المجلس.

وقد يكون القانون أضيق بكثير من الصورة التي حاول البعض رسمها، وقد تكون الجرائم الكبرى مستثناة فعلاً.

لكن الخوف المشروع هو من أن تتحول السوابق إلى قاعدة.

فلبنان عرف في تاريخه قوانين عفو مرتبطة بالحروب والانقسامات والأزمات السياسية. وكلما عجز عن معالجة جرح قديم، وضع فوقه طبقة جديدة من العفو.

وهكذا أصبحنا أمام دولة تعالج نتائج فشلها بدلاً من معالجة أسبابه.

إذا كان في السجون مظلومون فأخرجوهم.

إذا كان فيها أبرياء فبرئوهم.

إذا كان فيها متهمون لم يحاكموا فحاكموهم.

وإذا كان فيها مجرمون مدانون، فليتحملوا مسؤولية أفعالهم.

هذه ليست قسوة.

هذه هي العدالة.

أما أن نعجز عن بناء قضاء سريع ونزيه، ثم نعالج عجزنا بإلغاء نتائج القضاء، فهذه ليست دولة قانون.

العدالة ليست انتقاماً

لا ينبغي أن يتحول رفض العفو العام إلى دعوة للانتقام من السجناء.

الدولة القوية ليست التي تملأ السجون، بل التي تجعل الناس يثقون بأن الجريمة لن تمر بلا عقاب، وأن البراءة لن تتحول إلى سنوات من الظلم خلف القضبان.

لهذا فإن المطلوب ليس دولة قاسية، بل دولة عادلة.

والعدالة لا تعني أن يبقى المظلوم في السجن، كما لا تعني أن يخرج المجرم منه بلا ثمن.

بين الاثنين تقع مسؤولية الدولة.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يلاحق كل نائب صوّت على هذا القانون:

هل نريد أن نُخرج الناس من السجون لأنهم يستحقون الحرية، أم لأن الدولة لم تعد قادرة على إدارة سجونها وقضائها؟

الفرق بين السؤالين هو الفرق بين دولة القانون ودولة التسويات.

وإذا كان العفو العام استثناءً إنسانياً لمعالجة ظلم واضح، يمكن فهمه.

أما إذا تحول إلى عادة سياسية موسمية، فسيصبح أخطر من السجن نفسه؛ لأنه لا يعاقب الجريمة فقط، بل يعلّم المجتمع أن القانون قابل للتفاوض.

وهذه، في رأيي، هي الخطيئة التي لا يجوز للبنان أن يرتكبها مرة أخرى.

فالعدالة لا ينبغي أن تكون الضحية الأسهل حين تجلس الطوائف والأحزاب حول طاولة التسوية .

وهكذا أصبحنا أمام دولة تعالج نتائج فشلها بدلاً من معالجة أسبابه.

إذا كان في السجون مظلومون فأخرجوهم.

إذا كان فيها أبرياء فبرئوهم.

إذا كان فيها متهمون لم يحاكموا فحاكموهم.

وإذا كان فيها مجرمون مدانون، فليتحملوا مسؤولية أفعالهم.

هذه ليست قسوة.

هذه هي العدالة.

أما أن نعجز عن بناء قضاء سريع ونزيه، ثم نعالج عجزنا بإلغاء نتائج القضاء، فهذه ليست دولة قانون.

العدالة ليست انتقاماً

لا ينبغي أن يتحول رفض العفو العام إلى دعوة للانتقام من السجناء.

الدولة القوية ليست التي تملأ السجون، بل التي تجعل الناس يثقون بأن الجريمة لن تمر بلا عقاب، وأن البراءة لن تتحول إلى سنوات من الظلم خلف القضبان.

لهذا فإن المطلوب ليس دولة قاسية، بل دولة عادلة.

والعدالة لا تعني أن يبقى المظلوم في السجن، كما لا تعني أن يخرج المجرم منه بلا ثمن.

بين الاثنين تقع مسؤولية الدولة.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يلاحق كل نائب صوّت على هذا القانون:

هل نريد أن نُخرج الناس من السجون لأنهم يستحقون الحرية، أم لأن الدولة لم تعد قادرة على إدارة سجونها وقضائها؟

الفرق بين السؤالين هو الفرق بين دولة القانون ودولة التسويات.

وإذا كان العفو العام استثناءً إنسانياً لمعالجة ظلم واضح، يمكن فهمه.

أما إذا تحول إلى عادة سياسية موسمية، فسيصبح أخطر من السجن نفسه؛ لأنه لا يعاقب الجريمة فقط، بل يعلّم المجتمع أن القانون قابل للتفاوض.

وهذه، في رأيي، هي الخطيئة التي لا يجوز للبنان أن يرتكبها مرة أخرى.

فالعدالة لا ينبغي أن تكون الضحية الأسهل حين تجلس الطوائف والأحزاب حول طاولة التسوية .

شارك