بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل.

 

ثمّة ضحكاتٌ لو امتلكت القدرة على الكلام، لروت لنا حكاياتٍ طويلة عن قلوبٍ نزفت في صمت، وعن ليالٍ مرّت ثقيلةً كأنها لا تريد أن تنتهي. ضحكاتٌ لا تولد على أرصفة الفرح، بل تخرج من أعماقٍ عبرتها العواصف، وتحمل في ملامحها أثرَ ألف دمعة لم تسقط أمام أحد.

 

إنها تلك الضحكة التي تأتيك فجأةً بعد انطفاء طويل، فتشعر أن شيئًا في داخلك قد استعاد نبضه. لا تعرف من أين جاءت، ولا كيف استطاعت أن تعبر كل ذلك الحزن، لكنها تصل إلى شفتيك كرسالةٍ سرية من روحك تقول: ما زال فيك شيءٌ لم تهزمه الحياة.

 

نحن لا نعرف دائمًا ماذا يحدث خلف الوجوه. قد نرى شخصًا يضحك، فنحسب أن الدنيا احتضنته من جميع الجهات، بينما يحمل في داخله مدينةً كاملة من الذكريات والخيبات والأسئلة المؤجلة. قد يملأ المكان ضحكًا، ثم يعود إلى وحدته حاملاً صمته، كأن شيئًا لم يكن.

وهنا تكمن المفارقة الجميلة: أحيانًا لا نضحك لأننا سعداء، بل لأننا تعبنا من الحزن. نضحك لأن بعض الأوجاع أصبحت أكبر من الكلمات، ولأن شرحها في كل مرة يشبه إعادة فتح جرحٍ بدأ يتعلم كيف يلتئم. نقول: «أنا بخير»، ونبتسم، ولا يعرف أحد أن كلمة «بخير» قد تكون أحيانًا ستارةً رقيقة تخفي خلفها ألف حكاية.

خلف ابتسامة واحدة قد يختبئ وداعٌ لم نكن مستعدين له، وحلمٌ لم يكتمل، وشخصٌ غاب وترك مكانه فراغًا لا يشبهه أحد، وعتابٌ اخترنا الصمت عنه، وأمنيةٌ ظلّت معلقةً بين القلب والسماء. ومع ذلك، لا يتوقف القلب عن البحث عن نافذة. فحتى أكثر الأرواح تعبًا، حين يطول بها الليل، تبدأ في البحث عن خيطٍ صغير من الضوء. قد تجده في كلمة، في موقف عابر، في يدٍ تمتد دون سؤال، أو في ضحكةٍ تنفلت من القلب دون موعد.

عندها لا تكون الضحكة مجرد صوت، بل تكون عودة؛ عودة الإنسان إلى نفسه بعد أن ابتعد عنها طويلًا. تكون استراحةً قصيرة من ثقل الأيام، ومصالحةً مؤقتة مع الحياة، ومساحةً صغيرة تقول فيها الروح: «دعوني أفرح قليلًا، فقد تعبت من حمل كل هذا الحزن».

ولذلك، فإن أجمل الضحكات ليست بالضرورة تلك التي تأتي من أكثر القلوب راحة، بل تلك التي تأتي من القلوب التي عرفت التعب ولم تسمح له بأن يصبح وطنها. إنها ضحكة الإنسان الذي عرف الخذلان، لكنه لم يتعلم القسوة؛ وضحكة الإنسان الذي ذاق الغياب، لكنه لم يفقد قدرته على الفرح؛ وضحكة الإنسان الذي سقط أكثر من مرة، ثم قرر أن تكون كل سقطة درسًا لا نهاية.

هؤلاء لا يضحكون لأن الحياة كانت سهلة معهم، بل لأنهم فهموا شيئًا مهمًا: ليس كل ما يؤلمنا يستحق أن يأخذ بقية عمرنا. قد يبقى الجرح، لكن لا يجب أن يبقى مفتوحًا إلى الأبد. وقد تبقى الذكرى، لكن لا يجب أن تتحول إلى سجن. وقد يبقى الحنين، لكن ليس كل ما نشتاق إليه يجب أن نعود إليه.

نحن نتغير بعد الألم. تصبح أرواحنا أكثر هدوءًا، وأعيننا أكثر قدرةً على رؤية ما وراء الأشياء، وقلوبنا أكثر تقديرًا للتفاصيل التي كنا نمر بها دون انتباه. نكتشف أن السعادة ليست دائمًا في الأحداث الكبيرة، بل قد تختبئ في لحظة بسيطة: ضحكة مع شخص نحبه، صباح هادئ، كلمة جاءت في وقتها، أو شعور مفاجئ بأننا، رغم كل شيء، ما زلنا قادرين على الفرح.

وهنا تصبح الضحكة فعلَ مقاومة؛ لا مقاومةً للحياة، بل مقاومةً لفكرة أن الألم هو النهاية. كأن الإنسان يقول لوجعه: «أعرف أنك مررت بي، وأعرف أنك تركت أثرًا، لكنك لن تختار عني كيف أكمل الطريق».

ولعلنا نحتاج أن نتعلم ألا نحاكم الناس من ضحكاتهم. ليس كل من يضحك يعيش بلا ألم، كما أن كل من يصمت ليس بالضرورة حزينًا. لكل إنسان لغته الخاصة في التعامل مع ما يعبر قلبه. هناك من يبكي، وهناك من يصمت، وهناك من يكتب، وهناك من يضحك. لكن وراء كل هذه الطرق روحٌ تحاول أن تقول شيئًا واحدًا: أريد أن أستمر.

ولذلك، حين ترى إنسانًا يضحك بعد فترة طويلة من التعب، لا تسأله دائمًا عمّا يخفيه. ربما كان يحتاج فقط إلى تلك اللحظة دون تفسير. ربما كانت الضحكة استراحةً من معركة لا تعرف عنها شيئًا.

أحيانًا، أجمل ما يمكن أن تقدمه لإنسان متعب هو ألا تحاول إصلاحه. اجلس بقربه، اضحك معه، واترك له مساحةً ينسى فيها، ولو لدقائق، كل ما أثقل قلبه. فبعض القلوب لا تحتاج إلى محاضرة، بل إلى حضور، ولا تحتاج إلى ألف نصيحة، بل إلى إنسان يشعر بها دون أن يطالبها بالكلام.

وما أجمل أن يصل الإنسان إلى مرحلةٍ لا يعود فيها بحاجة إلى إثبات أنه تألم. لا يحتاج إلى أن يبقى حزينًا كي يثبت أن جرحه كان عميقًا، ولا أن يرفض الفرح كي يحافظ على وفائه لما فقد. يمكنه أن يتذكر ويبتسم، أن يحنّ ويمضي، أن يبكي ثم يجفف دموعه، وأن يحمل الماضي في ذاكرته، لا فوق كتفيه.

فالحياة ليست وعدًا بأننا لن نتألم، وإنما فرصةٌ لأن نتعلم كيف نخرج من الألم أكثر إنسانية. قد لا تعيدنا التجارب إلى ما كنا عليه، لكنها قد تجعلنا أفضل مما كنا؛ أكثر رحمة، وأكثر فهمًا، وأقل استعجالًا في الحكم على الآخرين، وأكثر قدرةً على تقدير تلك اللحظات الصغيرة التي تمنح القلب سببًا ليستمر.

وفي النهاية، تبقى هناك ضحكةٌ مختلفة عن كل الضحكات؛ ضحكةٌ خرجت من قلبٍ يعرف معنى الدموع، لكنها لم تسمح للدموع أن تكون كلمته الأخيرة. ضحكةٌ لم تنكر الألم، بل عبرته. لم تهرب من العاصفة، بل خرجت من قلبها وهي تحمل بعض الضوء.

ضحكةٌ تقول للحياة، دون صخب: لقد أخذتِ مني الكثير، لكنك لم تأخذي مني القدرة على أن أفرح.

وربما لهذا كانت أجمل الضحكات تلك التي لا نعرف قصتها؛ لأننا حين نعرف قصتها، ندرك أنها لم تكن ضحكةً عابرة، بل رحلةً كاملة من الانكسار إلى النجاة.

ضحكةٌ عبرت ألفَ دمعة… ثم اختارت أن تصل إلى الضوء.

وما أجمل أن يخرج الإنسان من وجعه لا أكثر قسوةً، بل أكثر رحمة، ولا أكثر انطفاءً، بل أكثر قدرةً على أن يكون نورًا لغيره.

ضحكتُ رغمَ الدمعِ حتى خِلتُني

أُهدي الحياةَ من الجراحِ ورودا.

شارك