ترامب وانتخابات التجديد النصفي..

 

عندما تتحول حرب إيران إلى معركة على مستقبل الجمهوريين

كتب /
سعيد فارس السعيد

لم تعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن إيران والحرب وأسعار النفط وانتخابات التجديد النصفي مجرد مواقف متفرقة يمكن فصل بعضها عن بعض.
فالمشهد الأميركي يتجه نحو استحقاق بالغ الحساسية في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، حيث يواجه الجمهوريون اختباراً حقيقياً للحفاظ على أغلبيتهم في الكونغرس، فيما تبدو الحرب مع إيران، وتداعياتها الاقتصادية وارتفاع أسعار الطاقة، من أهم الملفات التي يمكن أن تحدد اتجاه الناخب الأميركي.
واللافت أن ترامب نفسه بدأ يتحدث بصورة مباشرة عن احتمال خسارة الجمهوريين وعن العزل إذا فقد الحزب السيطرة على الكونغرس.

وهنا تكمن أهمية كلامه.
ترامب يربط خسارة الانتخابات بالعزل
عندما يقول ترامب، في حديثه عن احتمال خسارة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي، إنه سيواجه إجراءات العزل، فهو لا يتحدث فقط عن معركة انتخابية للحزب الجمهوري، بل يكشف عن إدراكه أن خسارة الكونغرس قد تعني انتقال مركز القوة داخل واشنطن من البيت الأبيض إلى الكونغرس.

فإذا استعاد الديمقراطيون مجلس النواب، فإنهم سيمتلكون أدوات واسعة للتحقيق والرقابة واستدعاء المسؤولين وفتح الملفات المتعلقة بسياسات الإدارة.
وقد بدأت بالفعل تقارير أميركية تتحدث عن استعداد الديمقراطيين لإطلاق تحقيقات واسعة إذا استعادوا مجلس النواب، مع وجود نقاش داخل الحزب حول إمكانية فتح مسار جديد للعزل.
وهذا يعني أن انتخابات نوفمبر لن تكون بالنسبة إلى ترامب مجرد انتخابات لاختيار أعضاء الكونغرس.

إنها، إلى حد كبير، استفتاء سياسي على ولايته الثانية وعلى مشروعه السياسي كله.

إيران أصبحت جزءاً من الحساب الانتخابي
ترامب سبق أن أعلن أنه لا يهتم بالانتخابات النصفية وأنه مستعد للانتظار حتى تتراجع إيران، في محاولة لإظهار أنه لا يسمح للحسابات الانتخابية بالتأثير في قراراته.
لكن المشكلة أن السياسة لا تُقاس بما يقوله السياسيون فقط، وإنما بما تفعله نتائجها في حياة الناس.
ارتفاع أسعار النفط والوقود، والتضخم، وتكاليف النقل والطاقة، كلها تصل مباشرة إلى المواطن الأميركي.

ولهذا فإن الحرب التي بدأت كملف خارجي يمكن أن تتحول إلى ملف انتخابي داخلي.

فالمواطن الأميركي قد لا يهتم كثيراً بتفاصيل الخلاف النووي بين واشنطن وطهران، لكنه يهتم عندما ترتفع فاتورة الوقود والطعام والنقل.

وهنا تصبح عبارة ترامب عن أن أسعار النفط ستنخفض بمجرد انتهاء أزمة إيران ذات دلالة سياسية كبيرة.

فهو يعرف أن استمرار الأزمة يعني استمرار الضغط الاقتصادي، وأن الناخب قد يحاسب الحزب الحاكم على النتائج الاقتصادية أكثر مما يحاسبه على المبررات الجيوسياسية للحرب.

السؤال الأصعب:
كيف تنتهي الحرب؟

المشكلة التي تواجه ترامب ليست فقط في استمرار الحرب، وإنما في كيفية الخروج منها.

فإذا أعلن ترامب انتصاراً من دون تحقيق الأهداف التي أعلنها، يستطيع خصومه القول إن الحرب لم تحقق أهدافها.

وإذا استمرت الحرب، فإن تكلفة النفط والاقتصاد والجنود والإنفاق العسكري ستتضاعف.

وإذا ذهب إلى تسوية مع إيران، فقد يتهمه جزء من قاعدته بأنه تراجع أمام إيران بعد كل التهديدات التي أطلقها.

وهكذا يجد ترامب نفسه أمام معادلة صعبة:
الحرب مكلفة،
والسلام قد يُفسر كتراجع،
والاستمرار في الحرب قد يصبح أكثر كلفة انتخابياً.

وهذا هو المأزق الحقيقي.

من مقولة
«لا أهتم بالانتخابات» إلى الخوف من العزل
المفارقة السياسية اللافتة أن ترامب كان قد قلل من تأثير انتخابات التجديد النصفي على سياسته تجاه إيران، لكنه يتحدث الآن بصورة أكثر مباشرة عن احتمال خسارة الجمهوريين وما يمكن أن يترتب عليها من إجراءات عزل.

وهذا التحول في الخطاب يستحق التوقف عنده.
فالرئيس الذي يقول إنه لا يخشى الانتخابات، لا يحتاج عادة إلى تحذير ناخبيه من أن خسارة الجمهوريين ستؤدي إلى العزل.

لكن عندما تصبح الانتخابات مرتبطة في خطابه بالعزل والتحقيقات وفقدان السيطرة على الكونغرس، فإن ذلك يعني أن المعركة السياسية أصبحت أكثر خطورة مما تبدو عليه في الخطاب الانتخابي التقليدي.

أرقام لا يمكن تجاهلها.

المؤشر الأخطر على ترامب والجمهوريين هو تراجع شعبية الرئيس.
فاستطلاع Reuters/Ipsos المنشور في 17 أغسطس/آب أظهر وصول نسبة تأييد ترامب إلى 33% فقط، وهو أدنى مستوى في رئاسته الحالية.

كما أظهر الاستطلاع تراجع الثقة الجمهورية في ملفات اقتصادية مهمة، في وقت تقترب فيه انتخابات التجديد النصفي.
وتزداد أهمية هذه الأرقام لأن الجمهوريين يدخلون الانتخابات وهم يملكون أغلبية في مجلسي الكونغرس، لكن أغلبية مجلس النواب ضيقة للغاية، ما يجعل عدداً محدوداً من المقاعد قادراً على تغيير موازين القوة في واشنطن.

ولهذا فإن خسارة مجلس النواب ليست احتمالاً هامشياً بالنسبة إلى ترامب.

إنها قد تعني انتقال الولايات المتحدة إلى مرحلة جديدة من الصدام بين البيت الأبيض والكونغرس.

ماذا لو خسر الجمهوريون؟

إذا استعاد الديمقراطيون مجلس النواب، فلن يستطيع ترامب إدارة النصف الثاني من ولايته بالطريقة نفسها التي أدار بها السلطة عندما كان حزبه يسيطر على الكونغرس.

ستبدأ التحقيقات.
وستزداد جلسات الاستماع.
وسترتفع المطالبات بكشف الوثائق.
وقد تُفتح ملفات تتعلق بالحرب مع إيران، والإنفاق العسكري، والسياسة الخارجية، والقرارات التنفيذية، وغيرها من القضايا التي يمكن للكونغرس استخدامها للضغط على الإدارة.

ولهذا فإن حديث ترامب عن العزل ليس مجرد مبالغة انتخابية.

إنه يعكس مخاوف سياسية حقيقية من أن تتحول نتائج انتخابات نوفمبر إلى نقطة تحول في ولايته الثانية.

إيران قد تصبح عاملاً في سقوط الأغلبية الجمهورية
المفارقة الكبرى أن الملف الذي أراد ترامب استخدامه لإظهار قوة الولايات المتحدة قد يصبح أحد الملفات التي يستخدمها خصومه لمهاجمة إدارته.

فالحرب مع إيران لا تجري في فراغ.

إنها مرتبطة بالنفط، ومضيق هرمز،
وأسعار الوقود، والتضخم،
والإنفاق العسكري، والسياسة الخارجية، ومصداقية الإدارة.

وقد أشارت تحليلات حديثة إلى أن استمرار الحرب وأزمة الطاقة يمكن أن يحسنا فرص الديمقراطيين في استعادة السيطرة على الكونغرس.

كما أن ترامب يدخل انتخابات التجديد النصفي وهو يفتقر، حتى الآن، إلى إنجاز كبير واضح في السياسة الخارجية يمكنه تقديمه للناخب باعتباره انتصاراً نهائياً، فيما لا تزال ملفات إيران وغزة وأوكرانيا عالقة بدرجات مختلفة.

ليست معركة ترامب وحده

وهنا يجب الانتباه إلى نقطة أساسية:
حتى لو خسر ترامب بعض شعبيته، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل سيخسر ترامب؟
بل:
هل يستطيع الديمقراطيون تحويل تراجع ترامب إلى أغلبية في الكونغرس؟
فانتخابات التجديد النصفي لا تُحسم على أساس الشعبية الوطنية للرئيس وحدها، وإنما على أساس عشرات السباقات المحلية في مجلسي النواب والشيوخ.

والجمهوريون ما زالوا يملكون أدوات سياسية وانتخابية قوية، كما أن الانتخابات لم تُحسم مسبقاً.

لكن الاتجاه الحالي يحمل رسالة واضحة:
كلما طال أمد حرب إيران،
وكلما ارتفعت أسعار الطاقة،
وكلما شعر المواطن الأميركي بأن حياته اليومية أصبحت أكثر كلفة،

أصبحت مهمة الجمهوريين أصعب.
المعركة الحقيقية بدأت
من هنا يمكن فهم الكثير من تصريحات ترامب الأخيرة.
حديثه عن النفط.
حديثه عن إيران.
حديثه عن عدم معرفته بمن يتفاوض.
حديثه عن انتخابات 2028.
وخصوصاً حديثه عن احتمال العزل إذا خسر الجمهوريون انتخابات التجديد النصفي.

كل ذلك يشير إلى أن الساعة الانتخابية بدأت تعمل داخل البيت الأبيض.
وقد تكون الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان ترامب سيتمكن من تحويل حرب إيران إلى «انتصار سياسي»، أم أن الحرب ستتحول إلى عبء انتخابي يفتح الباب أمام الديمقراطيين لاستعادة الكونغرس.

والأخطر بالنسبة إلى ترامب أن المعركة لا تتعلق فقط بمن يربح مقاعد مجلس النواب والشيوخ.
إنها تتعلق بالسؤال الأكبر:
هل يستطيع دونالد ترامب أن يحافظ على سيطرته السياسية على واشنطن بعد انتخابات نوفمبر، أم أن انتخابات التجديد النصفي ستكون بداية المرحلة التي يفقد فيها الرئيس الأميركي الثاني سلطته السياسية على الكونغرس، وتبدأ معها معركة العزل والتحقيقات والصدام المفتوح؟
في السياسة الأميركية، قد تبدأ الحرب بقرار من الرئيس، لكن فاتورتها الانتخابية يدفعها الحزب الحاكم أمام الناخبين.
وهنا تحديداً تكمن خطورة حرب إيران على ترامب والجمهوريين.

سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل

شارك