
جدلية الاستقرار السياسي والنمو الاقتصاد
مركز الحداثة الديمقراطية في الشرق الاوسط
د. رائد المصري
ترتبط العلاقة بين الديمقراطية واستقرار الحكم بعملية التنمية الاقتصادية في علاقة جدلية مثيرة للاهتمام والبحث لدى الكثير من المنظرين في السياسة والاقتصاد؛ فازدهار الدولة اقتصاديًا يساعد على استقرار النظام السياسي القائم فيها، في حين تؤثر الأزمات الاقتصادية سلبًا في درجة قبول الشعوب لأنظمة الحكم السائدة في دولها. وعليه، هناك من يرى أن الاستقرار السياسي يُعد عاملًا مساعدًا في تحقيق الانتعاش الاقتصادي وجذب الاستثمارات الخارجية. في المقابل، عندما تعصف المشكلات السياسية بدولة ما، قد يكون ذلك صورة عن ضعف الأداء الاقتصادي لهذه الدولة، ودليلًا على عدم فعالية مؤسسات نظامها الرسمي. وهنا لا بد من التركيز بصورة متزايدة على ضرورة وأهمية وجود مؤسسات قوية للديمقراطية والتنمية، حيث تتفاعل المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الرسمية وغير الرسمية، مع بعضها لتشكيل الثروة والسلطة وتوزيعهما في المجتمع. كما أن التنمية الضامنة لعملية تطور المجتمعات الإنسانية تتضمن جوانب متعددة ومتداخلة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية، تتفاعل فيما بينها، بغض النظر عن المحور الذي يدور في سياقه هذا التفاعل.
وإلى جانب المقاربات التي تربط الاستقرار بقوة الدولة، أو تربط التنمية بكفاءة المؤسسات الرسمية، يبرز تيار فكري ينظر إلى المسألة من زاوية مختلفة، فيرى أن الاستقرار السياسي لا ينبغي أن يُقاس فقط بقدرة الدولة على المحافظة على النظام القائم، وإنما بقدرة المجتمع على إدارة تناقضاته واختلافاته بصورة سلمية وديمقراطية. فقد تكون الدولة مستقرة من الناحية الأمنية والسياسية، بينما يعيش المجتمع نفسه حالة من التهميش والتفاوت والاغتراب السياسي. ومن هنا، يصبح الاستقرار المستدام مرتبطًا بقوة المجتمع وتنظيمه ومشاركته في صناعة القرار، وليس فقط بقوة مؤسسات الدولة. كما ينظر هذا التيار إلى التنمية باعتبارها عملية تتجاوز النمو الاقتصادي إلى تحرير الطاقات الاجتماعية، وتوسيع المشاركة، وتحقيق العدالة، وحماية البيئة، وبناء قدرة المجتمع على إدارة موارده وشؤونه بصورة أكثر استقلالًا.
لذلك، بقيت العلاقة المعقدة بين الديمقراطية والتنمية مجالًا للبحث الأكاديمي وعلى مستوى المنظمات الدولية المتخصصة، خصوصًا عند تناولها في إطار البلدان النامية، كون مسار بناء الديمقراطية وعوامله وتحولاته وفق النموذج الغربي أو الأوروبي لا يزال موضع بحث. أما في البلدان النامية التي لا تزال تجربتها في التحول الديمقراطي حديثة، فإن معطياتها التجريبية والنظرية لا تزال أيضًا في طور البحث والاستنتاج. بل إن هناك بلدانًا نامية أخرى لم تشهد بعد هذا التحول وتعيش في ظل نظم مستبدة، وهذه البلدان لا تزال بدورها موضع بحث ودراسة في سياق العلاقة بين التحول الديمقراطي والاستبداد والتنمية.
إن نقطة البدء عند الحديث عن التنمية بجانبيها السياسي والاقتصادي تتمثل في وجود تيار يجعل المتغير الاقتصادي المستقل هو الأكثر أهمية، في حين يكون المتغير السياسي التابع هو الأقل أهمية؛ لأنه بعد إنجاز خطوات التنمية الاقتصادية، المتمثلة في وجود طبقة برجوازية، وتحول في البنية الطبقية، وتكريس مستوى تعليمي لائق، مع مداخيل مرتفعة وتوسع عمراني، ستتحقق الديمقراطية، على اعتبار أن مثل تلك الخطوات أو الشروط تتضمن توفير البيئة الملائمة للديمقراطية.
في حين أن هناك تيارًا آخر له نظرة مختلفة تقوم على أن المتغير السياسي المستقل هو الأكثر أهمية، ويستوعب المتغير الاقتصادي التابع؛ أي أن الديمقراطية هي النظام الملائم لتحقيق التنمية الاقتصادية، نظرًا لما تتمتع به من خصائص المساءلة والشفافية وسهولة تدفق المعلومات. وفي هذا السياق، تمثل التنمية الاقتصادية والتحول الديمقراطي أهمية كبرى في أجندة السياسة الخارجية للحكومات الغربية والمؤسسات الدولية. لكن، وعلى المستوى النظري، عندما يتعلق الأمر بالعلاقة بين الديمقراطية والتنمية، فإن وجود العملية الديمقراطية وترسيخها لا يعني ضمنًا أن التنمية الاقتصادية أمر واقع؛ حيث إن جمهورية الصين الشعبية حققت تنميتها الاقتصادية عبر قادة الحزب الشيوعي الصيني، لكسر احتكار العالم الديمقراطي للتقدم الاقتصادي. فلقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية الأسرع في النمو الاقتصادي عبر ارتفاع مستويات المعيشة فيها كل ثلاثين عامًا تقريبًا، في حين تضاعفت مستويات المعيشة في الصين كل عقد من الزمان تقريبًا خلال الأعوام الأربعين الماضية. ومع ذلك، يميل أغلب الاقتصاديين إلى تفضيل انتشار الديمقراطية، كونها قيمة في حد ذاتها ومرتبطة بمفهوم الحرية، ولكن هذا أكثر قبولًا على المستوى النظري منه على المستوى العملي.
إن معيار المفاضلة بين الأنظمة السياسية لا ينبغي أن يكون فقط قدرتها على تحقيق النمو الاقتصادي، بل طبيعة العلاقة التي تنشأ بين النمو والمجتمع. فقد يحقق النظام السياسي نموًا سريعًا من خلال المركزية وتعبئة الموارد، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المجتمع أصبح أكثر حرية أو قدرة على إدارة موارده. ومن هنا يتم التمييز بين النمو الاقتصادي بوصفه زيادة كمية في الإنتاج والثروة، وبين التنمية المجتمعية التي تُقاس أيضًا بمدى اتساع الحرية والمشاركة والعدالة والاستقلال الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع.
لقد أُثيرت بعض الأسئلة حول من يسبق أولًا: الديمقراطية أم التنمية؟ وهل الديمقراطية شرط مسبق للنمو الاقتصادي والتطور الاجتماعي؟ وهل يجب أن تكون المجتمعات مؤهلة للديمقراطية، أم تصبح كذلك من خلال تطبيق الديمقراطية؟ وهل تكون التنمية الاقتصادية مستدامة من دون التطور السياسي؟
هنا تظهر هذه العلاقة الطردية في الاقتصاد الريعي، بين الاعتماد القوي للدولة في إيراداتها على النفط، مثلًا، وضعف القاعدة الاقتصادية التي تجمع الأفراد للمطالبة بحقوقهم السياسية. وبما أنهم لا يساهمون في الدخل، فإنهم يصبحون، على المستوى الاقتصادي والسياسي، رعايا يسعون وراء منافع فردية، في أثناء قيام الدولة بإعادة توزيع الريوع النفطية في شكل إنفاق حكومي، هدفه الأساسي الحفاظ على الأوضاع الراهنة وتوازن القوى السائدة وتأبيدها. وهذه تُعد من العوامل المهمة في إعاقة التحول إلى نظام ديمقراطي حقيقي، كما في حالة العراق. علمًا أن النضال من أجل الديمقراطية لا يتعلق فقط بإقامة نظام سياسي، بل يكون الأمر الحاسم هو قيام ديمقراطية دائمة. فلا بد من التذكير بأن وجود اقتصاد متنوع كأساس يساعد على إقامة ديمقراطية حقيقية، لا يعني أن دول الإنتاج ذات الاقتصادات غير الريعية هي دول تشهد ازدهارًا ديمقراطيًا، ولكنها تكون الأقدر على التحول نحو الديمقراطية من البلدان النفطية.
إن السؤال حول أسبقية الديمقراطية على التنمية أو العكس، ينبغي أن يتحول إلى البحث في العلاقة التفاعلية التي تجعل كلًّا منهما شرطًا لتعزيز الآخر. فالديمقراطية لا تحتاج إلى انتظار اكتمال التنمية، وإنما تبدأ حين يمارس المجتمع حقه في المشاركة والتنظيم والمساهمة في صناعة القرار وإدارة شؤونه. وفي المقابل، لا يمكن لتنمية مستدامة أن تتحقق إذا بقي المجتمع بعيدًا عن تحديد أولوياتها أو محرومًا من المشاركة في إدارة موارده وثرواته.
هل الديمقراطية تقود إلى التنمية الاقتصادية أم التنمية الاقتصادية تقود إلى الديمقراطية؟
هناك فرضية تقوم على أن الديمقراطية هي الغاية النهائية للتنمية الاقتصادية، وهي تنجح مع توافر عدد من الشروط المتعلقة بوجود مستويات مرتفعة من التنمية الاقتصادية، كتحولات في البنية الطبقية، وظهور طبقة برجوازية، ومعها التوسع العمراني والتعليم وانتشار الثقافة العامة. وبصفة عامة، تُعرف عملية التحديث على أنها مجموعة متلازمة من التغيرات الاجتماعية المرتبطة بالتصنيع، والتي تتعلق بجميع جوانب الحياة، وتعمل في المدى البعيد على التأثير في صنع المؤسسات السياسية الديمقراطية.(1) فالتأثير الإيجابي للتنمية الاقتصادية في مجال التحول الديمقراطي، من وجهة نظر اجتماعية سلوكية، يؤكد أنه عندما تصبح الدولة أكثر ثراءً وتصنيعًا وتمدنًا وتحضرًا، وأفضل تعليميًا، فإن القيم العامة في المجتمع تصبح أكثر ملاءمة للديمقراطية. وعندما يحصل الناس على دخل أعلى، يصبحون أكثر وعيًا وثقة من الناحية السياسية، وأكثر ميلًا للمشاركة في السياسة والتفكير بأنفسهم. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى أن التعددية، كأحد أشكال الديمقراطية، هي هدف نهائي لأي عملية تنموية، وهنا يمكن توضيح العلاقة بين التنمية الاقتصادية والديمقراطية كما يلي:
ظهرت هذه المقاربة في الثمانينيات من القرن الماضي، مع أتون الحرب الباردة، التي انتهت بسقوط الاتحاد السوفيتي عام 1990، وحديث فرانسيس فوكوياما عن نهاية التاريخ وانتصار القيم الليبرالية بحسب وصفه. فهذه المقاربة ترى أن الديمقراطية هي النظام السياسي الأمثل لتحقيق التنمية الاقتصادية، وبالتالي، هي ترفض بشكل كلي افتراضات الرؤية التحديثية، من خلال تأكيدها أن الديمقراطية هي الشرط الأول والحاسم في تحقيق التنمية الاقتصادية وليس العكس. وفي هذا السياق، فإن نوعية النظام السياسي لها دور حاسم في التأثير على مستوى الأداء الاقتصادي للدولة، وليس فقط العامل المؤسسي. فالديمقراطية، بحسب رأي البعض، بما تمتلكه من خصائص كالمساءلة والشفافية وحرية تدفق المعلومات وغيرها، تجعلها نظامًا ملائمًا لتحقيق التنمية الاقتصادية، وأن النظم الديمقراطية تكون أفضل بكثير من النظم الديكتاتورية في الرعاية الصحية. فوفقًا لهؤلاء، فإن وفيات الأطفال في الأنظمة الديمقراطية تكون أقل بكثير من النظم الديكتاتورية. بالإضافة إلى ذلك، يرى البعض أن المساءلة والشفافية والمشاركة في صنع القرار السياسي تمثل متغيرات مهمة في تطوير السوق، والمساهمة في تشكيل وبناء بيئة استثمارية جيدة.
وهنا، لا يمكن اختزال التنمية في ارتفاع معدلات النمو أو الانتقال من الفقر إلى الثراء، ولا في التحول من الزراعة إلى الصناعة؛ لأن جوهر التنمية يرتبط بقدرة الإنسان والمجتمع على امتلاك أدوات إنتاجه وتنظيم حياته وصناعة قراراته. فالتنمية الحقيقية هي التي توسع مساحة الحرية والمشاركة، وتمنح المجتمع قدرة أكبر على المبادرة والإنتاج وإدارة موارده، وتحد من علاقات التبعية والاحتكار. كما أن العدالة في توزيع الثروة والفرص لا ينبغي أن تكون نتيجة لاحقة للتنمية، بل جزءًا من مفهومها وشرطًا لاستدامتها.
نقد أفكار هنتنغتون
إن أفكار المدرسة التحديثية، التي ترى أنه كلما كانت هناك معدلات تنمية اقتصادية مرتفعة، زادت معها فرصة أن تصبح الدولة ديمقراطية، أثارت الكثير من الجدل. فعلى مدار أكثر من خمسة عقود من النقاش الطويل حول الظروف الأكثر ملاءمة للتحول الديمقراطي، تم تطبيق العديد من الدراسات، باسم نظرية التحديث، على عدد كبير من الحالات وبأساليب متنوعة، في محاولات لاختبار صحتها من قبل عدد كبير من الباحثين. وفي هذا السياق، برزت الأنظمة السلطوية التي استطاعت إثبات وتحدي الاتجاه العام للمدرسة التحديثية، فالتنمية الاقتصادية لا تقود بالضرورة إلى ما تسمى بالديمقراطية، وذلك بسبب وجود بعض النظم السلطوية التي قامت بتحقيق مستويات هائلة وسريعة من التنمية الاقتصادية، دون أن تصبح ديمقراطية، كحالة جمهورية الصين الشعبية، من خلال استثمار فوائد التنمية الاقتصادية لصالح بقائها في الحكم. كما أن استنهاض التنمية في الدول الفقيرة يتطلب وجود الحكومات الاستبدادية، فهي أقدر على حشد الموارد المتاحة وتوجيهها نحو الأنشطة الإنتاجية التي تزيد الناتج الاقتصادي.(2) كما أن عملية تحقيق بعض الدول لتحولات ديمقراطية، دون أن تحقق معدلات مرتفعة من التنمية الاقتصادية في إطار موجة الديمقراطية التي تحدث عنها هنتنغتون، هو ما وضع الرؤية التحديثية في مأزق، نتيجة لعدم قدرة الشروط الأولية للديمقراطية على تفسير أسباب الانتقال.
ومن بين أكثر الانتقادات واقعية التي وُجِّهت لهذه الرؤية تجاهلها أثر الاستعمار والإمبريالية على دول العالم الثالث، الأمر الذي يُعد فشلًا ذريعًا في الاعتراف بأن النمو الاقتصادي قد تأخر كثيرًا بسبب سعي هذه الإمبريالية إلى منع تقدم هذه الدول. وعند محاولة كشف الانحياز الأيديولوجي والتمركز العرقي، عن قصد أو غير قصد، في نظرية التحديث، نجدها موجهة لخدمة مصالح الغرب الاقتصادية والحضارية، وذلك من خلال الادعاء بأن النموذج الرأسمالي الغربي هو النموذج الأمثل، وليس هناك بديل ملائم غيره للدول الأخرى.
فقد لاحظ عالم الاجتماع الأمريكي سيمور ليبسيت، لأول مرة منذ عام 1959، أن الديمقراطية ترتبط بالتنمية الاقتصادية، وهذا ما أثار البحث في موضوعات السياسة المقارنة ذات العلاقة. فقد جرى دعم هذه الفكرة والاعتراض عليها في الوقت نفسه، وجرت مراجعتها وتوسعتها، لتبقى العلاقة بين الديمقراطية والتنمية مثار بحث ونقاش وسط العلماء. ويبدو أن هناك وجهات نظر مختلفة بشكل أساسي بشأن تأثير هذا التفاعل؛ فمن ناحية، يناقش بعض المنظرين أن الديمقراطية والتنمية الاقتصادية يعزز كل منهما الآخر، ومن ناحية ثانية، يرى آخرون أن الديمقراطية تضر بالتنمية وتسيء إليها، وما يزال البعض يؤيد فكرة عدم وجود علاقة ملموسة بين الديمقراطية والتنمية الاقتصادية. علمًا أنه في العقود الثلاثة الأخيرة، لم يتوصل العديد من الباحثين إلى مرحلة تأكيد مواقفهم بشأن هذه العلاقة، وبقيت استنتاجاتهم متباينة. فبينما يجادل بعض المنظرين بأن الحكومة الديمقراطية هي الأفضل لتعزيز النمو الاقتصادي المستدام، إضافة إلى أن العمليات الديمقراطية ووجود الحريات السياسية يولدان ظروفًا اجتماعية ملائمة أكثر للتقدم الاقتصادي، يستنتج البعض أن هناك علاقة ثابتة وإيجابية بين التنمية الاجتماعية والاقتصادية والديمقراطية، وهذا واضح من حالة كثير من الدول التي مرت بالتجربة الديمقراطية.
وهناك مقاربة واسعة تعتبر أن الديمقراطية هي ثمرة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، إذ إن التنمية الاقتصادية تتضمن التصنيع والتحضر، مع ارتفاع نسبة سكان المدن، ومستويات عالية من التعليم، وزيادة منتظمة في الثروة الإجمالية للمجتمع، وتكون هذه الشروط أساسية لديمقراطية مستدامة. وعلى الرغم من الاتفاق على أن الديمقراطية تتطلب مسبقًا مستوى معينًا من التنمية الاقتصادية، فإنه لا يوجد إجماع واضح حول هذا المستوى ونمط التنمية الذي يخدم هذا الهدف، مع أنه يوجد اعتقاد واسع بأن الفقر يشكل عقبة أساسية أمام التنمية الاقتصادية والديمقراطية.
وهنا، لا يكفي أن نحتفي بقدرة بعض الأنظمة السلطوية على تحقيق معدلات مرتفعة من النمو الاقتصادي، بل ينبغي أن نتساءل عن طبيعة هذا النمو وعن أثره الحقيقي في المجتمع. فالتنمية التي تزيد من قوة الدولة الاقتصادية، من دون أن تعزز قدرة المجتمع على التنظيم والمشاركة، قد تنتج اقتصادًا قويًا، لكنها لا تنتج بالضرورة مجتمعًا قويًا أو ديمقراطية مستقرة. ومن هذا المنطلق، أرى ضرورة التمييز بين تنمية ترفع مؤشرات الإنتاج والدخل، وتنمية أعمق ترفع قدرة المجتمع على إدارة موارده والمشاركة في القرارات التي تحدد مستقبله.
ومن هنا، تصبح المشاركة الاجتماعية أحد المعايير الأساسية للحكم على نجاح الديمقراطية، لأن المجتمع المنظم والقادر على بناء مؤسساته المحلية والمدنية والاقتصادية يكون أكثر قدرة على مراقبة السلطة ومواجهة الأزمات. وبذلك لا تُقاس الديمقراطية فقط بطريقة تشكيل الحكومات وتداول السلطة، وإنما بمدى قدرة المواطنين على التأثير في القرارات التي تمس حياتهم اليومية وتحدد مستقبلهم.
كما أن مواجهة الفقر لا ينبغي أن تقتصر على المساعدات أو إعادة توزيع الموارد من الدولة إلى الفئات الفقيرة، بل يجب أن تتجه نحو تمكين المجتمع من امتلاك أدوات الإنتاج والمشاركة في الحياة الاقتصادية. فالفقر لا يرتبط فقط بانخفاض الدخل، وإنما يرتبط أيضًا بضعف القدرة على التنظيم والتأثير في القرار.
في الختام …. فإن النظرة العامة والعابرة لبلدان العالم تظهر أن الدول الفقيرة تميل لأن تكون ذات نظم مستبدة، بينما الدول الغنية تميل لتكون ذات نظم ديمقراطية، رغم أن الديمقراطية ترتبط، دون شك، بمستوى معين من التنمية الاقتصادية. ومع أخذ أهمية التنمية الاقتصادية بالاعتبار، فإن الديمقراطية تستمر على الأرجح في البلدان التي كانت متطورة بالفعل، حيث تعكس العلاقة القوية بين الديمقراطية والتنمية حقيقة أن التنمية تؤدي إلى الديمقراطية. وبالطبع، لم يكن نشوء المؤسسات الديمقراطية تلقائيًا عندما يحقق بلد ما مستوى معينًا من الناتج المحلي الإجمالي؛ فالتنمية الاقتصادية تؤدي إلى تغيرات اجتماعية وسياسية، وبالتالي تؤدي إلى الديمقراطية، وإلى الحد الذي تخلق معه طبقة وسطى كبيرة ومتعلمة وواضحة، ويرافق ذلك حدوث تحول في قيم الناس ودوافعهم. والدرس الأكثر أهمية هنا هو أن البلدان الغنية التي تميل إلى أن تكون ديمقراطية، ليس لأن نشأة الديمقراطية جاءت نتيجة التنمية الاقتصادية في ظل الدكتاتوريات، ولكن لأن الديمقراطيات مرجحة لأن تبقى أكثر على قيد الحياة في المجتمعات الغنية. ويمكن أن تفتح التنمية الاقتصادية إمكانيات التحول إلى الديمقراطية عندما تكون ظروف الديمقراطية ناضجة، وأما الصراعات السياسية، فتكون نتيجتها غير معروفة، لذلك من الصعب كشف أي أصول للتنمية من شأنها أن تجعل نشوء الديمقراطية أمرًا متوقعًا.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن العلاقة بين الديمقراطية والتنمية والاستقرار لا ينبغي أن تُفهم في إطار علاقة سببية واحدة، بل باعتبارها شبكة مترابطة من العلاقات؛ فالديمقراطية السياسية تحتاج إلى مجتمع ديمقراطي، والتنمية الاقتصادية تحتاج إلى مجتمع منتج وقادر على المشاركة، والاستقرار السياسي يحتاج إلى عدالة اجتماعية وقدرة مؤسسية على إدارة الاختلاف.
في خلاصة الأمر، فإن استمرار الديمقراطية لا يرتبط بمستوى الدخل وحده، وإن كان الاستقرار الاقتصادي والتعليم من العوامل المهمة في ترسيخها وحمايتها من الانتكاس. فالديمقراطية تتأثر أيضًا بالإرث السياسي والتاريخ الاستعماري، وبنية المجتمع الطبقية والدينية والقومية واللغوية، وطبيعة البيئة السياسية الإقليمية والدولية. ومن هنا، فإن بناء الديمقراطية يتطلب تجاوز التركيز الحصري على قوة الدولة، والاهتمام في الوقت نفسه بقدرة المجتمع على التنظيم والمبادرة والمشاركة والمساءلة. فالمجتمع القوي ليس المجتمع الخاضع لدولة قوية فحسب، بل المجتمع الذي يمتلك مؤسساته وقدرته على إدارة شؤونه والمساهمة في صناعة قراراته. كما أن العدالة الاجتماعية والمساواة بين المرأة والرجل واحترام التعددية الثقافية والقومية والدينية وحماية البيئة تشكل عناصر مترابطة في بناء استقرار طويل الأمد.
وبذلك، لا يعود السؤال الأساسي هو أيهما يقود إلى الآخر، الديمقراطية أم التنمية، بل كيف يمكن بناء مجتمع قادر على إنتاج الديمقراطية والتنمية والاستقرار في آن واحد، وهذا لا يعني إلغاء دور الدولة أو السوق، وإنما إعادة تنظيم العلاقة بينهما وبين المجتمع على أساس المشاركة والتوازن والعدالة، بحيث تخدم المؤسسات العامة حاجات المجتمع بدل أن تحل محله.
وعليه، يمكن النظر إلى الديمقراطية والتنمية والاستقرار باعتبارها عمليات متفاعلة؛ فالديمقراطية توسع المشاركة، والتنمية تحرر الطاقات الاجتماعية، والاستقرار يتأسس على العدالة والقدرة على إدارة الاختلاف.
المراجع
1- أحمد، سيد أبو ضيف. (٢٠٠٧). ثقافة المشاركة: دراسة في التنمية السياسية. القاهرة، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى.
2- الرفاعي، نجلاء. (١٩٩٧). «العلاقة بين الديمقراطية والتنمية في الصين». في العلاقة بين الديمقراطية والتنمية في آسيا. السيد سليم، نيفين مسعد، مركز الدراسات الآسيوية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.




