
المقامرةُ الأخيرة: لماذا يكونُ نتنياهو المتهاوي أخطرَ من نتنياهو المنتصر؟
حين يعترفُ العدوُّ بفشلِ «مناطقِه التجريبية» ويخسرُ عشرةَ مقاعد، تصيرُ الحربُ شريانَ نجاةٍ لرجلٍ يغرق
المقدمة
في الاستراتيجيا، لا خصمَ أخطرُ من زعيمٍ تنتهي حياتُه السياسية؛ فهو لم يعُد يقامرُ بمصيرِ أمّةٍ، بل بمصيرِه هو، ويرهنُ الأولى ثمناً لشراءِ الثانية. وهذا الأسبوعَ صار بنيامين نتنياهو هذا الرجلَ بالضبط.
أولاً: اعترافُ الفشل
الحدثُ الأدلُّ لم يكن غارةً بل اعترافاً: أبلغت إسرائيلُ واشنطن ، عبرَ موقعِ «والا» ، أنّ مشروعَ «المناطقِ التجريبية» في جنوبِ لبنانَ قد “فشل”، وأنها مستاءةٌ من أداءِ الجيشِ اللبناني في التعاملِ مع حزب الله. والسفيرُ الأميركيُّ قال عن علي الطاهر: «لا أعلمُ ما سيحدث، لننتظرْ ونرَ». البنيةُ التي صُمّمت لنزعِ السلاحِ بأيدٍ لبنانيةٍ انهارت ، لا النارُ أنجزتْه، ولا الحيلة.
ثانياً: تفكّكُ نتنياهو
والرجلُ الذي أشعلَ الحربَ يتداعى: «خسرنا عشرةَ مقاعدَ ولا أعرفُ كيف نستعيدُها» (كان)، وحديثٌ عن حكومةِ وحدةٍ مع آيزنكوت، وحرسُه يُصوّبُ بنادقَه نحو مواطنينَ عُزّلٍ على شاطئٍ عام ، زعيمٌ في حربٍ مع شعبِه لا مع أعدائِه فحسب ، ومخطَّطٌ لاغتيالِ نجلِه. ائتلافُ الحربِ يتآكلُ قبلَ 27 تشرينَ بأسابيع.
ثالثاً: المقامرةُ المحتملة
هنا الخطر. أمامَ نتنياهو المحتضَرِ سياسياً بابان: أن يُحوّلَ الفشلَ إلى تفاوضِ انسحابٍ يحفظُ ماءَ الوجه، أو أن يقامرَ بتصعيدٍ مدوٍّ ، اقتحامٌ مكلفٌ لعلي الطاهر، أو موجةُ اغتيالات، أو إعادةُ إشعالِ جبهة ، لصناعةِ شريانِ نجاةٍ انتخابي. الغريقُ يتشبّثُ بالنصل. ولذلك يرتفعُ إغراءُ المقامرةِ كلّما نفدَ الوقت، لا العكس.
رابعاً: إيرانُ وهرمز – تهدئةٌ بشروطِ طهران
والخلفيةُ الاستراتيجيةُ تشدُّ الأنشوطة: أعلنت إيرانُ وعُمانُ إطاراً لممرٍّ ملاحيٍّ مؤقتٍ في هرمز، لكنّ مفاوضاً إيرانياً قال إنه ترتيبٌ «تكونُ فيه إيرانُ مهيمنة»، تتولّى الأمنَ وإزالةَ الألغامِ والإدارة. وواشنطن تُخفّضُ التصعيدَ الملاحيَّ (يتراجعُ النفطُ ويعودُ الدبلوماسيون) وتُصعّدُ الاقتصاديَّ، وتُبقي الضرباتِ «على الطاولة». حتى الهدوءُ يُرسَمُ بشروطِ طهران.
خامساً: قراءةُ السلوكين
أميركا تُديرُ فشلاً مزدوجاً ، لبنانَ وإيران ، لا تعترفُ به قبلَ انتخاباتِ تشرينَ الثاني، وتبحثُ عن تجميدٍ تبيعُه لا نصرٍ تعذّر. وإسرائيلُ عند المفترق: طريقُ الحكمةِ (انسحابٌ مقابلَ حدودٍ أهدأ)، أو طريقُ اليأسِ (المقامرةُ الانتخابية). وتاريخُ نتنياهو يقولُ إنه يُؤثِرُ النارَ التي تُضيءُ صورتَه على الهدوءِ الذي يُنهي مسيرتَه.
الخاتمة: الخلاصةُ والتوصية
الخلاصةُ الاستراتيجية: اتجاهُ الأسبوعِ كان ضدَّ تل أبيبَ وواشنطن ، بنيةُ الإكراهِ تصدّعت، وهرمزُ يُدارُ بشروطِ إيران، ونتنياهو يتهاوى. لكنّ العقدةَ (نزع السلاح مقابل الانسحاب) باقيةٌ بلا حلّ، والخطرُ الأكبرُ الآنَ “مقامرةُ غريقٍ قبلَ الانتخابات”.
المؤشّرات: هل تُحوّلُ إسرائيلُ فشلَ «التجريبية» إلى تفاوضِ انسحابٍ أم إلى اقتحامٍ كبير؛ هل يصمدُ ممرُّ عُمان؛ هل يبقى ائتلافُ نتنياهو حتى 27 تشرين.
والتوصيةُ للمقاومةِ وبيئتِها: كونوا على أهبةِ الاستعدادِ دون أن تمنحوه «حربَ الوجود» التي يشتهيها؛ امتصّوا التصعيدَ المحدودَ واحرموه الصورة. احرسوا الوحدةَ كخندقٍ أخير، فمن فشلَ في الميدانِ يطلبُ ثأرَه في الجبهةِ الداخلية. ودعوا الزمنَ ، عدوَّه وحليفَكم ، يفعلُ فعلَه؛ فالصبرُ يُراكمُ كلفتَه، والتسرّعُ يُنقذُه. لا تكونوا الشرارةَ التي تُنجي الغريق، بل الصخرةَ التي تتكسّرُ عليها مقامرتُه الأخيرة.
قولوا يا رب.
د. وسيم جابر



