الحكايات على الأرصفة

 

زارني صديقٌ ذات مساء،فأخذنا نمشي في شوارع مدينتي،

نمشي قليلًا…و نتستعيد ما نسيته الذاكرة.

 

كانت المدينة هادئة،والليل يفرش عباءته على الأرصفة،حتى مررنا ببرندةٍ تجمع حولها نساء،وأراجيلُ تتصاعد منها غيومٌ رمادية،وحكاياتٌ تتصاعد معها…أعلى من الدخان.

نظر إليّ صديقي،ثم قال بهدوءٍ …مؤسف يا صديقي…مدينة طيبة كهذه،وبعض الناس فيها كثيرًا ما يحكون عن بعضهم،وكأن حياة الآخرين صارت فاكهةَ السهرات.»

صمتُّ قليلًا…نظرت إلى الشارع،إلى الوجوه العابرة،إلى النوافذ التي تخبئ خلفها حكاياتٍ لا نعرف عنها شيئًا.

وقلت له:ربما يا صديقي، نحن لا ننتبه أن الكلام عن الناس لا يكشف عيوبهم بقدر ما يكشفنا نحن.

فالذي يفتش في حياة الآخرين، قد ينسى أن في قلبه أبواباً تحتاج إلى أن تُفتح.

والذي يعدّ أخطاء الناس، قد ينسى أن له في الحياة أخطاءً تنتظر الاعتراف.

قال صديقي:لو انشغل كل إنسان بإصلاح نفسه،لقلَّ الكلام عن الآخرين.

ابتسمت وقلت: وربما أجمل جلسةٍ هي تلك التي لا يكون فيها غائبٌ مادةً للحديث.ومشينا…كانت الشرفات تبتعد خلفنا،لكن الكلام ظلَّ يمشي معنا.

قلت له: مدينتنا ليست سيئة،وأهلها ليسوا سيئين…لكننا جميعاً بحاجة أن نتعلم كيف نختلف دون أن نغتاب،وكيف ننصح دون أن نجرح، وكيف نذكر الغائب بالخير حين لا يكون حاضرًا ليدافع عن نفسه.

فليس كل ما يُقال حقيقة،وليس كل ما نعرفه عن إنسان يحق لنا أن نحكيه.فكل إنسانٍ حكاية، ونحن لا نعرف من حكايته إلا صفحةً عابرة.

ثم قلت لصديقي:احفظ للناس غيابهم، كما تحب أن يحفظوا لك غيابك…فالستر خُلق، والكلمة أمانة، والقلوب ليست مقاهي نضع على طاولاتها أسرار الآخرين.»

واصلنا الطريق…وكان الليل قد هدأ أكثر،وكأن المدينة نفسها كانت تصغي إلينا.

وفي آخر الطريق،قلت لصديقي: ليتنا حين نجتمع نتحدث عن أحلامنا،عن الخير الذي نستطيع أن نصنعه،عن مدينة نريدها أجمل…بدل أن نجعل من غياب الآخرين حضوراً دائماً في مجالسنا.

فضحك صديقي،وقال: عندها فقط…تصبح الجلسات أطيب،والقلوب أخف،والمدينة أكثر سلامًا.»

ومضينا…وبقيت خلفنا برندةٌ، وأراجيل، وحكايات…

وبقي معنا درسٌ صغير: لا تجعل غياب إنسان فرصةً للحديث عنه،فربما لو حضر…لما استطاع أن يدافع عن نفسه.وفي مدينةٍ نحبها،

أجمل ما يمكن أن نتعلمه أن نزرع الكلام الطيب، فالكلمة التي تخرج من أفواهنا قد تعود يومًاإلى قلوبنا.

بقلم  عصام كحلة

شارك