الفنان  محمد علي محفوض : صراع بين المرض والفقر في انتظار الأمل

 

في غرفةٍ متواضعة، داخل مزرعةٍ تقع في منطقةٍ نائية غربي مدينة سلميّة، يعيش الفنان محمد علي محفوض فصلًا جديدًا من حكايته؛ حكاية رجلٍ حمل الفن على كتفيه أكثر من نصف قرن، فأضحك الناس حينًا، وأبكاهم حينًا آخر، واعتلى الخشبة مؤمنًا بأن المسرح رسالةٌ إنسانية، وأن الفن قادرٌ على أن يترك أثرًا لا تمحوه السنوات.

غير أن الأيام قادته اليوم إلى مشهدٍ مختلف؛ بعيدًا عن خشبة المسرح وأضوائها، وفي مواجهة المرض وضيق الحال، بعدما اضطر إلى مغادرة منزله المتضرر من الزلزال في مدينة اللاذقية، لينتقل إلى مسكنٍ متواضع، لا يشبه البيوت التي حلم بها، ولا المسارح التي عرفها.

هناك، في ذلك المكان البعيد، كانت زيارتي له أشبه بزيارة صفحةٍ من ذاكرة الفن السوري؛ صفحةٍ كتب صاحبها سطورها بالموهبة والعمل والصبر، قبل أن يجد نفسه أمام فصلٍ قاسٍ من فصول الحياة.

وُلد محمد علي محفوض في مدينة سلميّة عام 1957، وانتقل إلى اللاذقية عام 1958، حيث نشأ وتعلّم، ومنها بدأت رحلته الفنية عام 1972 عبر المسرح المدرسي. ثم انتقل إلى المسرح الشبيبي، الذي كان له الدور الأكبر في صقل موهبته وتطوير أدواته، قبل أن يخوض تجربة المسرح العمالي في اللاذقية، إلى جانب الفنانين زهير رمضان ومحمود القيم.

وفي عام 1981، تولّى رئاسة فرقة المسرح الحرفي التابعة لاتحاد الجمعيات الحرفية في اللاذقية، واستمر في مهمته حتى عام 1984، ليكرّس حضوره فنانًا قادرًا على التنقل بين الكوميديا والتراجيديا، وليترك بصمته في ذاكرة جمهور اللاذقية، ولا سيما من خلال شخصية «أبو القاسم» التي عُرف بها.

🎭 أعماله المسرحية

على خشبة المسرح، قدّم محمد علي محفوض مجموعةً من الأعمال الكوميدية، من بينها:

«الملك المجنون»، «الراقصة والمجنون»، «خطيبي مشكلجي»، «الحالة تعبانة»، و«حماتي إيدا والضرب».

كما شارك في عددٍ من أعمال المسرح القومي، ومنها:

«الأعمى»، «ثورة الحجارة»، و«الأمل المنشود».

ولم تقتصر تجربته المسرحية على الأعمال التي وصلت إلى الجمهور، بل امتدت إلى مجموعةٍ من النصوص التي بقيت خارج دائرة العرض، ومنها:

«حب أعمى»، «زواج متعة»، و«حبل الكذب قصير».

📺 حضوره على الشاشة

كان للتلفزيون أيضًا مساحةٌ واضحة في مسيرته، إذ شارك في عددٍ من الأعمال التي عُرضت على الشاشة، ومنها:

«نهاية رجل شجاع»، «الكواسر»، «العوسج»، «الموت القادم إلى الشرق»، و«حصاد المر».

وإلى جانب التمثيل، امتلك محفوض تجربةً في كتابة السهرات التلفزيونية، ومن الأعمال التي لم ترَ النور:

«اختفاء رجل»، «نهاية امرأة لعوب»، «البطحة»، و«امرأة بلا قلب».

✍️ الفن الذي بقي في الأدراج

لم يكن المسرح والتلفزيون وحدهما ميدانه؛ فقد امتدت موهبته إلى الشعر وكتابة النصوص المسرحية والدرامية، فكانت لديه محاولات وأفكار ومشاريع لم تجد طريقها إلى التنفيذ.

ومن تجربته الشعرية التي لم ترَ النور قصيدةٌ أو مشروعٌ شعريٌّ حمل عنوان:

«نبال في القلب».

وربما تكمن قسوة الحكاية هنا في أن الفنان الذي ظل يحمل في داخله كل تلك الأفكار والأدوار والنصوص، وجد نفسه في مرحلةٍ من حياته يصارع واقعًا أثقل من خشبة المسرح: المرض والفقر وضيق المكان.

🌾 حين يصبح المشهد مختلفًا

لقد غيّر الزلزال تفاصيل حياة محمد علي محفوض، وأخذ منه منزله في اللاذقية، فوجد نفسه مضطرًا إلى الانتقال إلى غرفةٍ داخل مزرعةٍ غربي مدينة سلميّة.

وفي زيارتي له في مسكنه الجديد، لم يكن المكان يشبه المسارح التي عرفها، ولا يحمل ضجيج الجمهور وتصفيقه؛ لكنه كان يحمل شيئًا أكثر عمقًا: ذاكرة فنانٍ أفنى سنواتٍ طويلة في العمل والعطاء.

كان المرض قد أثقل جسده، والفقر ألقى بظلاله على يومياته، لكن خلف التعب بقي شيءٌ من ذلك الفنان الذي عرف كيف يقف أمام الجمهور، وكيف يحوّل الحزن إلى مشهد، والصمت إلى حوار، واللحظة العابرة إلى أثر.

وفي عينيه، كان هناك انتظار؛ انتظار يدٍ تمتد بالعون، وكلمةٍ تحمل الطمأنينة، ووقفةٍ تليق بفنانٍ أمضى سنواته في خدمة المسرح والفن.

ولعل أجمل ما يمكن أن يختصر شيئًا من تجربته:

على الخشبةِ أهدى الناسَ ضحكتَهمُ، واليومَ يبحثُ عن فرحٍ يواسيهِ. أمضى السنينَ وفي عينيهِ أغنيةٌ، فهلْ تعودُ يدُ الأيامِ تُحييهِ؟

ويقف محمد علي محفوض عند تلك المسافة الفاصلة بين العتمة والنور، متشبثًا بما تبقى من أمل، منتظرًا أهل الخير، وأصدقاء الفن، وكل من يعرف قيمة الوفاء، كي تكون له في هذه المرحلة الصعبة يدٌ تمتد بالعون، وقلبٌ يخفف عنه قسوة الأيام.

ربما لا نستطيع أن نعيد إليه سنوات الشباب، ولا أن نمحو ما تركته الظروف من آثار، لكننا نستطيع أن نمنحه شيئًا لا يقل أهمية: أن يشعر بأن سنوات عطائه لم تذهب سدى، وأن الذاكرة التي صنعها في قلوب الناس ما زالت حيّة.

ترك خلفه أعمالًا وشخصياتٍ وتجاربَ تشهد على رحلةٍ فنية امتدت عقودًا.

بقلم:  أ. عصام كحلة

شارك