
الحزامُ لا العاصمة: خريطةُ ما يريدُه العدوُّ فعلاً من علي الطاهر
من يقرأُ «الطريقَ إلى بيروت» يخافُ، ومن يقرأُ «الحزامَ الجغرافي» يفهم – والفرقُ بينهما هو الفرقُ بين الترهيبِ والحقيقة.
المقدمة
أعلنَ العدوُّ «السيطرةَ» على علي الطاهر، وفخّخَ أنفاقَها، وانتظرَ قرارَ التفجيرِ من مستواه السياسي، ثمّ لوّحَ وزيرُ حربِه بـ«الطريقِ المكشوفةِ إلى بيروت». والمطلوبُ منّا ألّا نبتلعَ العنوانَ الكبيرَ الذي يُخفي الهدفَ الحقيقيَّ الأصغرَ منه طموحاً والأخطرَ أثراً: ليس العاصمةَ يريد، بل **حزاماً** يرسمُه بالنار.
#أولاً: «صورةُ النصر» تتفكّكُ بالوقائع
المنشأةُ التي نشرَ مشاهدَها هي الأصغرُ بين منشأتين، أخلاها حزبُ الله سابقاً، ودخلها العدوُّ قبلَ فترةٍ دون إعلان. وسقوطُها لم يفاجئ أحداً بعد حصارٍ وقصفٍ استمرّا أشهراً. والسيطرةُ على نقطةٍ تكتيكيةٍ لا تحسمُ حرباً – كما أنّ سيطرةَ إسرائيلَ على 70% من غزةَ لم تُنهِ المقاومةَ فيها. أمّا الرقمُ القياسيُّ الفعليُّ فهو صمودُ حفنةٍ من الرجالِ “خمسةَ أشهرٍ” تحتَ تفاوتٍ ناريٍّ هائل.
#ثانياً: لماذا الإعلانُ الآن؟ – فكُّ الارتباط
جيش العدو أعلنَ «السيطرةَ» مُعتقداً أنّ حزبَ الله يحاولُ “جرَّ إيران” إلى مواجهةٍ جديدة؛ فالإعلانُ يهدفُ إلى تقويضِ شرعيةِ التدخّلِ الإيرانيِّ وتعزيزِ “الفصلِ بين جبهتَي لبنانَ وإيران”. إنها عمليةٌ نفسيةٌ مزدوجة: صورةٌ انتخابيةٌ لنتنياهو، وخطوة لفصلُ الجنوبَ عن هرمز. ولا عجبَ أن يُشبّهَ كثيرون إعلانَ علي الطاهرِ بإعلانِ ترامب «السيطرةَ» على هرمز – بروباغندا تُخفي عجزاً في الحالتين.
#ثالثاً: الحدودُ التي يريدُها فعلاً
انتقلَ النقاشُ في الكواليسِ الأمنية «من منعِ سقوطِ علي الطاهرِ إلى منعِ تحويلِه نقطةَ انطلاقٍ لرسمِ حزامٍ جغرافيٍّ وعسكريٍّ جديد». والاتجاهُ معلوم: تمدّدٌ نحو “الريحانِ والجرمقِ وسجد، وربطُ المنطقةِ بجبل الشيخ” شرقاً. هذا هو المشروع: لا تلّةٌ، بل شبكةُ مرتفعاتٍ مترابطةٍ تُشكّلُ حزاماً مُفرَّغاً من أهلِه، متّصلاً بالحرمونِ المحتل – «المنطقةُ العازلة» القديمةُ تُبعَثُ من جديد.
#رابعاً: «الطريقُ إلى بيروت» – ترهيبٌ لا قدرة
هنا يلزمُ التمييزُ بمنطقِ العقلِ لا الخوف. كاتس نفسُه وصفَ علي الطاهرِ بأنه «نهايةُ مرحلةِ ترسيخِ السيطرةِ على المنطقةِ الأمنية» – أي “تثبيتُ الحزام”، لا الزحفُ إلى العاصمة. و«الطريقُ إلى بيروت» خطابُ كسرِ إرادةٍ لا هدفٌ عملياتي؛ فمن عجزَ عن حسمِ تلّةٍ في ثلاثةِ أشهر، ولم يُنهِ غزةَ رغمَ 70%، لا يملكُ العاصمة. الحزامُ حقيقي، وبيروتُ إسقاطٌ نفسيّ. والخلطُ بينهما هو تماماً ما يريدونه منّا.
#خامساً: الأداةُ والتوقيت
أداةُ بناءِ الحزامِ هي ما نراه: تدميرٌ ممنهجٌ للبلدات (النبطيةُ الفوقا، عربصاليم، كفررمّان)، وأوامرُ إخلاءٍ تتقدّمُ شمالاً (دير الزهراني)، واستهدافُ المسعفين – تفريغٌ سكانيٌّ وكسرُ إرادةٍ معاً، لهندسةِ «أرضٍ غيرِ صالحةٍ للحياة». وكلُّ ذلك موقوتٌ على ساعتين: انتخاباتُ تشرينَ حيث يخشى نتنياهو العجزَ عن أغلبيةِ الـ61 مقعداً وتتوحّدُ ضدَّه المعارضة؛ وحربُ الناقلاتِ في هرمزَ حيث تبادلَ الطرفان ضربَ الناقلاتِ وارتفعَ النفطُ إلى نحو 96 دولاراً. إسرائيلُ تستغلُّ انشغالَ العالمِ بهرمزَ “غطاءً” لتثبيتِ حزامِها أمراً واقعاً قبلَ أيِّ تسوية.
#خلاصة
نحن أمامَ مشروعٍ مزدوج: حزامٌ يُرسَمُ بالنارِ في الجنوب، وخنقٌ اقتصاديٌّ لإيرانَ في هرمز، يجمعُهما هدفٌ واحد: تثبيتُ وقائعَ وفكُّ ارتباطِ لبنانَ عن إيران. لكنّ المشروعَ يصطدمُ بثلاثةِ جدر: عجزُ العدوِّ عن الحسمِ البرّي (ثلاثةُ أشهرٍ لمنشأةٍ واحدةٍ مُخلاة)، وتحدّي نتنياهو الداخليّ، وصمودُ إيرانَ في سباقِ النَّفَسِ الذي يُدميه هو أيضاً قبلَ انتخاباتِه.
ولأهلِنا في الجنوب: لا تُقايضوا الحقيقةَ بالعنوان. «السيطرةُ» على علي الطاهرِ دعايةٌ تُخفي عجزاً، و«الطريقُ إلى بيروت» ترهيبٌ لا قدرة، والحزامُ يُواجَهُ بالوعيِ والثباتِ لا بالهلع. من يفهمُ أنّ العدوَّ يرسمُ حزاماً ولا يحتلُّ عاصمة، يُفشِلُ نصفَ مشروعِه قبلَ أن يبدأ؛ فالخرائطُ التي تُرسَمُ بالنارِ على إرادةٍ صامدةٍ تبقى حبراً على رملٍ يمحوه أوّلُ ثبات.
قولوا يا رب.
د. وسيم جابر –



