يا صاحِ…

 

ما بالُ القومِ يغدون إلى الأسواق بأرواحهم، ويعودون بالأكياس، وهي خاويةٌ ..

 

رأيتُ الدنانيرَ تُتوَّجُ ملوكًا،والفضائلَ تُنفى إلى أقاصي الخيام،والوفاءَ يستجدي على أبواب قومٍ،كانوا إذا أقسموا بالملحِ لم يخونوا.

ورأيتُ الخيلَ الأصيلةَ تُلجَمُ،وتُطلقُ بغالُ الطمعِ في ميادينِ السباق؛فما عاد الفوزُ لِمَن أخلصَ العدوَ،بل لِمَن أكثرَ الغبار.

أمسى المرءُ يبتسمُ بفِيه،ويُضمرُ في سريرتِه نابَ ضبعٍ يتربَّصُ بالغفلة.

كم من فارسٍ خلعَ درعَ المروءة،واستبدلها بديباجِ المنفعة!وكم من فرسٍ أصيلةٍ،أضناها الجوعُ، بينما امتلأتْ معالفُ الخيلِ الهجينة.

وكم من نخلةٍ باسقةٍ،قُطعت؛ لأنَّها لا تُثمرُ ذهبًا.

 

يا ابنَ آدم…

 

إنَّ الرغيفَ يُقيمُ الجسدَ،ولكنَّ الكرامةَ تُقيمُ الأمم.

 

أيُّها الساعي إلى كنوزِ الأرض،أما علمتَ أنَّ البحرَ، على سعته،تشربُ إليه الأنهارُ جميعًا،ويبقى ملحًا؟

 

فلا المالُ، إذا كثر، ارتوى،ولا الطمعُ، إذا شبع، اكتفى؛فالحرصُ ذئبٌ،إذا دخلَ القطيعَ، لم يُبقِ فيه إلا العواء.

 

لقد صارتِ المجالسُ تُوزَنُ بالمناصب،والأصدقاءُ يُكالون بالمنافع،والحبُّ يُساوَم في الأسواق..

 

فأينَ الذينَ كانوا إذا أعطوا استغنوا عن ذِكرِ عطائهم؟وأينَ الذينَ كانت كلمتُهم سيفًا،ووعدُهم عهدًا،وصمتُهم حكمةً؟

 

وأينَ صهيلُ الخيلِ،الذي كان إذا ارتفعَ، ارتجفتْ له قلوبُ الجبناء،وصانتْه أيدي الفرسانِ بالشرف،

 

إنَّ الروحَ إذا غادرتِ الإنسان،لم يمتْ جسدُه…بل ماتتْ فيه المروءة،وانطفأتْ من عينيه نجومُ الرحمة،وأصبح يمشي بين الناس كأنَّه طللٌ، لم يبقَ فيه إلا الريح.

 

فلا تغترَّ بقصرٍ علت شرفاتُه؛فلعلَّ ساكنَه أفقرُ الناسِ إلى السكينة.ولا تزدرِ كوخًا توهَّج فيه قلبٌ صادق؛فلربَّ كوخٍ أوسعُ من قصورِ الأكاسرة.

 

واعلم…

 

أنَّ الذهبَ يلمعُ في ضوءِ الشمس،أمَّا الإنسانُ فلا يلمعُ إلا في ظلمةِ الشدائد،كما لا يُعرَفُ الجوادُ الأصيلُإلا إذا اشتدَّ غبارُ الوغى.

 

وإذا خُيِّرتَ يومًابين أن تربحَ مالًا وتخسرَ نفسَكَ،أو تخسرَ مالًا وتربحَ إنسانيتَكَ،فاخترْ ما يبقى إذا أفلتتِ الدنانيرُ من اليد،وانطفأتِ الأسواق،ولم يبقَ في القبرِ إلا عملٌ صالح،وذِكرٌ طيّب،وروحٌ لم تُساوِمْ على شرفِها.

 

عصام كحلة

شارك