
أيُّ بابٍ هذا الذي فتحته الحياة بيننا وبين الغياب؟
يا الله…
يا الله…
أيُّ بابٍ هذا الذي فتحته الحياة بيننا وبين الغياب؟
نمشي… بين يقظةٍ تشبه الحلم، وحلمٍ يشبه الموت، وبين موتٍ يخبئ في جوفه حياةً أخرى لا نعرفها.
نمشي… بين النور والظلام، بين الهداية والتيه، بين قلوبٍ أشرقت بالإيمان، وأخرى أطفأها دخان الشهوات.
نمشي… من بيتٍ يتسع لأحلامنا، إلى قبرٍ ضيقٍ يتسع لحقيقتنا.
يا الله…
ما أثقل هذه الكآبة حين تستقرُّ فوق الوجوه، وحين تتصلب على الخدود كأنها صخرةٌ لا تذوب.
أتنفس… بين شهيقٍ يحمل أملاً، وزفيرٍ يخبئ ألف حزن. أمدُّ يدي إلى الحياة، فتصافحني هشاشتها، وأعانق الأمل، فيعانقني الوجع.
خلقنا من قطرةٍ لا تُرى، وسنعود حفنةَ ترابٍ لا يملك أصحابها إلا أسماءً يذكرها العابرون بالدعاء.
نولد باكين… ويفرح الناس. ونموت صامتين… فيبكي الناس.
أيُّ سرٍّ هذا الذي يجعل البداية دمعةً، والنهاية دمعةً؟
الوقت… ليس ساعةً معلقةً على الجدار؛ إنّه أعمارنا وهي تتساقط ورقةً بعد أخرى.
ونحن… ركّابُ قطارٍ لا يتوقف؛ تكثر محطاته، وفي كل محطةٍ يغادر أحدنا إلى قبرٍ ينتظر منذ سنوات.
اليوم… نشيّع وجهًا نعرفه. وغدًا… قد يحملون وجوهنا على الأكتاف.
فلماذا كل هذا الحقد؟
ولماذا كل هذا الكره؟
ولماذا نأكل حقوق الناس، وكأن الأرض ستبقى لنا؟
بطونٌ امتلأت من الحرام، وقلوبٌ جاعت إلى الرحمة.
عيونٌ تفيض من القهر، وأخرى لا ترى إلا نفسها.
لكن… العدل لا يموت؛ لأن الله لا ينام.
كلُّ مظلومٍ سيجد يومًا ميزانًا لا يميل.
وكلُّ ظالمٍ سيقف عاريًا إلا من أعماله.
يا أيها الراكضون خلف الثروات…
ابنوا في القلوب بيتًا؛ فهو أبقى من القصور.
وازرعوا في الأرواح محبةً؛ فهي أغلى من الذهب.
وتسامحوا… فلا أحد يحمل معه إلى قبره رصيدًا في بنك، ولا مفتاح قصر، ولا صكَّ ملكية.
يحمل عمله فقط… ويحمل ذكره بين الناس.
فإن كان خيرًا… أزهرت روحه بالدعاء.
وإن كان شرًا… أثقلته لعنات المظلومين.
عودوا إلى رشدكم…
فالعمر أقصر من أن يُهدر في الكراهية.
والدنيا أصغر من أن تستحق كل هذا الصراع.
والرحيل أقرب مما تظنون.
اليوم… أنا.
وغدًا… أنت.
وبعد غدٍ… نصبح جميعًا حكايةً يرويها الزمن، ويبقى منها عملٌ صالح، وقلبٌ أحبّ، وأثرٌ جميل… لا يموت.
بقلم ✍️عصام كحلة



