
الثوابت الوطنية التي أكد عليها المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى
كتب / سعيد فارس السعيد:
لم يكن لقاء العلامة الشيخ علي الخطيب، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، بالسفير الأميركي في بيروت، لقاءً بروتوكولياً عابراً، كما أن ما أكده في خطبته يوم الجمعة لم يكن موقفاً منفصلاً عن ذلك اللقاء.
فاللقاء والخطبة، وإن اختلفت المناسبة، عبّرا عن ثوابت وطنية واحدة في رؤية المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى للبنان، تقوم على حماية السيادة، ورفض الاحتلال والعدوان، والتمسك بالدولة والجيش، والدعوة إلى الحوار والشراكة الوطنية العادلة.
في لقائه بالسفير الأميركي، تحدث العلامة الخطيب من موقع المسؤولية الوطنية، ووضع أمامه السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي نقاش حول سلاح المقاومة:
【كيف تحتل إسرائيل أرضي، وتقتل وتهجّر أهلي، ثم تريد مني أن أتخلى عن سلاحي؟】
إنه سؤال يعيد النقاش إلى أساسه الحقيقي.
فالمشكلة لا تبدأ من السلاح، وإنما من الاحتلال والعدوان وغياب الضمانات التي تحمي الأرض وأهلها.
ومن هنا جاء اعتراض الخطيب على ازدواجية المعايير، عندما تُمنح إسرائيل حق الدفاع عن أمنها، بينما يُطلب من لبنان التخلي عن وسائل الدفاع عن أرضه وأهله وهي لا تزال مهددة.
ولهذا يمكن اختصار رسالته للسفير الأميركي:
【انظروا إلى لبنان بعيون لبنانية، لا بعيون إسرائيلية.】
فلبنان لا ينبغي أن يُقرأ من خلال الرواية الإسرائيلية، والجنوب ليس مجرد ملف أمني، والشيعة اللبنانيون ليسوا مجرد «بيئة» يمكن اختصارها في توصيف سياسي أو أمني، بل هم مكوّن وطني أصيل له حقوقه وتضحياته وموقعه في الدولة والوطن.
___خطبة الجمعة تؤكد الثوابت نفسها
وجاءت خطبة العلامة الخطيب يوم الجمعة لتؤكد أن هذا الموقف ليس خطاباً خاصاً أمام سفير أجنبي، وإنما جزء من رؤية وطنية معلنة.
فقد جدد دعوته إلى رئيس الجمهورية لتنظيم حوار وطني شامل يضع رؤية وطنية للمرحلة المقبلة، والخروج من سياسة الخيار الواحد في التفاوض المباشر الذي لم يفضِ، بحسب توصيفه، إلى نتيجة خلال سبع جولات.
وفي الوقت نفسه، أكد بوضوح أنه ليس من الطبيعي نزع سلاح المقاومة في ظل الاحتلال، لأن المقاومة نشأت نتيجة للاحتلال وليس العكس.
وهنا تظهر إحدى أهم ثوابت الموقف:
لا يمكن معالجة نتيجة الاحتلال قبل معالجة الاحتلال نفسه.
وعندما يزول الاحتلال، يمكن للبنانيين أن يبحثوا، من خلال الحوار والتوافق، في استراتيجية دفاع وطنية يكون للدولة والجيش فيها الدور الأساسي.
وهذا يقود إلى الثابت الآخر الذي أكده الخطيب بوضوح: التمسك بالدولة.
فالمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، كما عبّر الخطيب، ليس في مواجهة الدولة، ولا يريد دولة ضمن الدولة، ولا مشروعاً انفصالياً، بل يؤكد دعمه للدولة والجيش وانتشاره على كامل الأراضي اللبنانية، ويريد شراكة وطنية عادلة تحفظ الكرامة والإنصاف لجميع اللبنانيين.
___الثوابت التي يجمع عليها الموقف
ومن خلال لقاء السفير وخطبة الجمعة، يمكن قراءة مجموعة من الثوابت الوطنية بوضوح:
أولاً: السيادة اللبنانية ليست قابلة للتجزئة.
ثانياً: الاحتلال والعدوان لا يمكن تجاهلهما عند بحث مستقبل لبنان الدفاعي.
ثالثاً: الجنوب أرض لبنانية وأهله أصحاب حق في العودة إلى أرضهم والعيش فيها بأمان وكرامة.
رابعاً: الدولة والجيش هما الإطار الوطني لحماية لبنان، والمطلوب دولة قوية وقادرة على حماية شعبها وحدودها.
خامساً: الحوار الوطني هو الطريق إلى استراتيجية دفاع يتوافق عليها اللبنانيون، وليس الإملاء أو الخيار الواحد.
سادساً: الشراكة الوطنية العادلة، وتساوي الحقوق والواجبات بين جميع المكونات، هي أساس قوة الدولة واستقرارها.
وهذه الثوابت لا تعني وضع المقاومة في مواجهة الدولة، كما لا تعني تحويل المكوّن الشيعي إلى كيان منفصل عن لبنان.
بل على العكس، جوهرها هو الوصول إلى دولة قوية وعادلة تحمي جميع مواطنيها وتصون سيادتها.
___الحرية والكرامة
ومن هنا أيضاً يمكن فهم البعد الأوسع في خطاب العلامة الخطيب حول الحرية.
فالحرية ليست مجرد امتلاك القوة، وإنما هي قدرة الإنسان على مواجهة نوازع الشر في نفسه، والتحرر من الغرائز والأهواء التي تضر به وبالآخرين.
ومن أسمى صور الحرية أن يمتلك الإنسان شجاعة قول كلمة الحق في وجه سلطان جائر.
فالكرامة الوطنية والحرية والعدالة ليست شعارات منفصلة، وإنما قيم مترابطة لا يمكن بناء دولة مستقرة من دونها.
خلاصة قولي ؛
إن لقاء العلامة الشيخ علي الخطيب بالسفير الأميركي، وما أكده في خطبته يوم الجمعة، يقدمان معاً صورة أوضح عن الثوابت الوطنية التي يؤكدها المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.
ثوابت لا تقوم على رفض الدولة، بل على المطالبة بدولة قوية.
ولا تقوم على رفض الحوار، بل على الدعوة إلى حوار وطني حقيقي.
ولا تختزل القضية في السلاح، بل تربطها بالأرض والاحتلال والسيادة والعدوان.
ولا تطلب امتيازات لمكوّن دون آخر، بل تطالب بشراكة وطنية عادلة تتساوى فيها الحقوق والواجبات.
ولهذا فإن الرسالة الأساسية التي خرجت من اللقاء والخطبة معاً هي:
___لبنان ليس ساحة لتطبيق معايير الآخرين، والجنوب ليس ورقة تفاوض، والعدالة لا تتجزأ، والسيادة لا تكون انتقائية.
والطريق إلى لبنان القوي لا يكون بإضعاف مكوّناته أو فرض الخيارات عليها، وإنما ببناء دولة يشعر كل لبناني أنها دولته، وتحمي أرضه وكرامته وأمنه.
فالوطن القوي، والذي سيكون الأقوى، هو عندما تتساوى الحقوق والواجبات لكل مكوناته.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل
«صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.»



