
بين الوهم والسراب
المتطرفون في إسرائيل لا يؤمنون بالسلام الحقيقي مع شعوب المنطقة، لأن السلام الحقيقي يعني الاعتراف بحقوق الآخرين، واحترام سيادة الدول، وإنهاء الاحتلال، والقبول بالتعايش على أساس المساواة والحقوق المتبادلة.
فكيف يمكن أن نقنع شعوب المنطقة بأن السلام هو الخيار النهائي، بينما لا تزال داخل إسرائيل تيارات سياسية وفكرية فاعلة وحاكمة تتبنى مشاريع توسعية، وتطرح تصورات تتجاوز حدود الكيان الإسرائيلي ؟
والأمر ليس مجرد تحليل أو تخمين.
ففي 22 أيلول/سبتمبر 2023، وقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعرض أمام العالم خريطة أطلق عليها في سياق خطابه صورةً لـ«الشرق الأوسط الجديد».
والخريطة التي عرضها أظهرت إسرائيل مندمجة مع كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة، من دون إظهار الخط الأخضر أو الحدود التي تفصل الأراضي الفلسطينية المحتلة عن إسرائيل.
وقد وثقت الأمم المتحدة هذه الواقعة في عدد من وثائقها.
وهنا لا بد من التوقف عند الدلالة السياسية.
__عندما يقف رئيس حكومة دولة تم انشاؤها حديثا من قبل انكلترا وفرنسا على ارض عربية اسلامية ليست ملكا لليهود و أمام أعلى منبر دولي، ويعرض خريطة تتجاهل عمليًا وجود الأراضي الفلسطينية المحتلة وحدودها المعترف بها دوليًا، فإن المسألة لا تعود مجرد صورة عابرة، بل تصبح رسالة سياسية ينبغي قراءتها بجدية.
والسؤال الذي يفرض نفسه:
___إذا كان السلام هو الهدف الحقيقي، فلماذا تستمر مشاريع التوسع والاستيطان وضم الأراضي، ولماذا تُطرح خرائط تتجاهل أصلًا وجود الشعب الفلسطيني وحقوقه؟
إن السلام لا يمكن أن يكون مجرد اتفاقات تطبيع وعلاقات اقتصادية، بينما تبقى جذور الصراع قائمة، ويستمر الاحتلال، وتبقى مشاريع التوسع حاضرة في خطاب بعض القوى السياسية الإسرائيلية.
فالسلام الحقيقي لا يحتاج إلى خرائط توسعية.
السلام يحتاج إلى الاعتراف بالآخر.
والسلام يحتاج إلى دولة فلسطينية وحقوق فلسطينية، كما يحتاج إلى احترام سيادة لبنان وسورية والأردن ومصر وسائر دول المنطقة.
أما أن يُطلب من العرب أن يؤمنوا بالسلام، في الوقت الذي تستمر فيه داخل إسرائيل أفكار ومشاريع تتحدث عن التوسع والضم والاستيطان، ويتم ترجمة تلك الافكار عمليا وعلى الارض فذلك يجعل السلام يبدو أقرب إلى وهمٍ وسراب منه إلى مشروع تاريخي حقيقي.
ولا يعني ذلك أن كل الإسرائيليين يرفضون السلام، ولا أن كل المجتمع الإسرائيلي يتبنى هذه الرؤية؛
فداخل الكيان الإسرائيل تيارات واتجاهات متعددة.
لكن الخطر يكمن في أن تصبح الأفكار التوسعية جزءًا من سياسة الدولة أو من خطاب قوى مؤثرة في القرار السياسي.
فالسلام الحقيقي لا يصنعه الأقوى وحده، ولا يُفرض على الأضعف.
إنما يصنعه الاعتراف المتبادل بالحقوق، واحترام سيادة الدول، ورفض الاحتلال والتهجير، وإقامة شرق أوسط تكون فيه الحدود والسيادة والكرامة حقوقًا لجميع شعوبه.
أما السلام الذي يقوم على إلغاء الآخر، أو على فرض خرائط جديدة بالقوة، فلن يكون سلامًا دائمًا، مهما كانت القوة التي تدعم الاحتلال والتوسع …
بل هدنةً مؤقتة بين جولة وأخرى من الصراع المستمر
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل
«صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.»



