
مؤتمر دعم الجيش:الأنظار نحو واشنطن والرياض بين المساعدات وحصرية السلاح
مركز إنشاء للمعلومات
نوال الأشقر/كاتبة سياسية لبنانية

ينعقد مؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني في لحظة مفصليّة، تتقاطع فيها التطورات الميدانيّة مع استحقاقات سياسيّة وأمنيّة، تضع المؤسسة العسكريّة أمام اختبار يتجاوز حجم إمكاناتها، في ظل استمرار التصعيد الإسرائيلي واحتلال أجزاء من الجنوب اللبناني، بالتوازي مع انقسام داخلي حادّ حول سلاح «حزب الله» ودوره في المشهد الأمني والعسكري.
في خضمّ هذه المعادلة، تتزايد مهمات الجيش، فيما لا تزال قدراته البشريّة واللوجستيّة والعسكريّة دون مستوى متطلبات المرحلة، ما يجعل من دعمه وتمكينه من بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها حاجة ملحّة. لكنّ السؤال الذي يسبق المؤتمر لا يقتصر على احتياجات الجيش، بل يتّصل أيضًا بما قد يُطلب منه في المقابل، ومدى ارتباط الدعم الدولي بما يحقّقه ميدانيًّا، لا سيّما في الجنوب، وصولًا إلى حصر السلاح بيد الدولة، أو، بعبارة مباشرة، نزع سلاح «حزب الله».وبين التعهدات التي قد تصدر عن المؤتمر وقدرة لبنان على ترجمتها، تبرز أيضًا مسألة الشروط التي قد ترافق الدعم، وآليات تحويل الوعود الدوليّة إلى خطوات تنفيذيّة ملموسة.
انقسام داخلي حول دور الجيش جنوبا
عملت قيادة الجيش على تحديد أولوياتها واحتياجاتها، وقد عرضت أمام لجنة الدفاع النيابية الخطّة التي ستطرحها في المؤتمر، بما تتضمنه من حاجات ومتطلّبات ضمن مقاربة واضحة، تتيح للجهات المانحة تقييمها والتعامل معها، وفق ما أكّدت مصادر نيابيّة في لجنة الدفاع لـ«مركز إنشاء للمعلومات والأخبار».
داخل اللجنة النيابية، لم تكن القراءة واحدة، إذ عكست مواقف أعضائها انقسامًا سياسيًّا واضحًا حول وظيفة الدعم الدولي للجيش وحدوده. ومن خلال حديثنا مع عدد من أعضاء اللجنة والبرلمان، أمكن استخلاص مقاربتين متناقضتين.في رؤية الحزب وحلفائه، تكمن الخطورة في أن يتحوّل الدعم الخارجي إلى أداة ضغط باتجاه مواجهة داخليّة على خلفية ملف السلاح. ويشدد أصحاب هذه المقاربة على أنّ الأولوية يجب أن تكون للانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانيّة، قبل الانتقال إلى البحث في مسألة السلاح .أمّا في الجهة المقابلة، فتقع المشكلة في الاتجاه المعاكس، إذ لا يمكن مطالبة المجتمع الدولي بزيادة دعمه للجيش، من دون إظهار تقدّم في تمكين الدولة من احتكار القرار العسكري والأمني. فالجيش، وفق هذه الرؤية، وفي ضوء قرارات الحكومة وتوجّهاتها، هو المؤسسة التي يفترض أن تتولّى وحدها مسؤولية الأمن والدفاع.
حصرية السلاح وحسابات المانحين
حجم الاستجابة الدوليّة لن يتحدّد بالحاجات التقنية التي يطرحها الجيش وحدها، بل سيبقى مرتبطًا بإعتبارات تتصل مباشرة بالدور الذي يُنتظر من المؤسسة العسكرية، وبمدى قدرتها على تنفيذ المهمات المطلوبة على الأرض.وهنا تبرز المسألة الأكثر حساسيّة في المؤتمر: هل سيكون الدعم الدولي للجيش منفصلًا عن مسار إعادة بسط سلطة الدولة، أم أنّ المساعدات ستتصل مباشرة بمدى تقدّم الجيش في الانتشار جنوبًا، وتكريس حصرية القرار العسكري والأمني للدولة؟
هذه المعادلة تتقاطع مع حسابات الدول المشاركة في المؤتمر، وفي مقدّمها السعودية والولايات المتحدة. فالرياض، بحسب مصادر مراقبة، لا تتعامل مع مساعدة الجيش باعتبارها ملفًا منفصلًا عن مسار حصر السلاح، بل تربط الانتقال إلى دعم أكبر بما يتحقّق فعليًّا على هذا المستوى”أي أنّ المساعدة لا تُطرح فقط كاستجابة لحاجات المؤسسة العسكريّة، وإنّما كجزء من مسار أوسع لتعزيز الدولة ومؤسساتها.”
واشنطن..الاختبار الأهم في باريس
بالنسبة للإدارة الأميركيّة، تبدو المعادلة أبعد من مجرد تقييم لائحة احتياجات الجيش. وبالتالي، لا يتعلق السؤال فقط باستمرار المساعدة الأميركيّة المعروفة للجيش، بل بما إذا كانت واشنطن ستربط مراحل الدعم المقبلة بمسار محدّد من الإجراءات والنتائج، وبدرجة التقدّم في بسط سلطة الدولة وحصرية القرار العسكري والأمني. من هنا، تشكّل المشاركة الأميركية في مؤتمر باريس محط الأنظار، ليس فقط بفعل الدور الأميركي المحوري في دعم الجيش، بل لأن مستوى الحضور وما سيُطرح خلال الاجتماع قد يشكّلان مؤشّرًا إلى اتجاه السياسة الأميركيّة في المرحلة المقبلة.
قدرات أكبر للجيش مقابل دور أكبر للدولة
المعادلة التي يفرضها مؤتمر باريس تتجاوز حجم الدعم الذي سيحصل عليه الجيش، لتصل إلى الدور الذي يُنتظر منه القيام به في تثبيت سلطة الدولة. فبين حاجات المؤسسة العسكريّة وحسابات الدول المانحة، سيكون لبنان أمام اختبار قدرته على استخدام الدعم في تثبيت دور الدولة وتحويل قراراتها من إعلان سياسي إلى مسار قابل للتنفيذ. وعليه، قد لا يكون السؤال في باريس «كم سيحصل الجيش؟» بقدر ما سيكون «ماذا سيفعل لبنان بما سيحصل عليه، وماذا ينتظر المانحون منه في المقابل؟».وهنا تحديدًا تكمن أهميّة مؤتمر باريس: فهو لا يختبر فقط قدرة الدول على دعم الجيش، بل قدرة لبنان نفسه على بناء دولة قادرة على تنفيذ قراراتها.


