عندما يصبح الإعلام وقوداً للفتنة…  من يحمي الشرق من خطاب الكراهية؟

 

 

كتب / سعيد فارس السعيد

 

كثيرة جداً هي المنشورات التي تحرّض طائفياً وتكفّر الآخرين، وكثيرة كذلك الكتابات والتحليلات التي تجعل من الولاءات الخارجية، السياسية والطائفية، عنواناً دائماً لقراءة مجتمعاتنا وشعوبنا ودولنا.

وهنا تكمن الخطورة.

إننا نعيش اليوم واحداً من أخطر المنعطفات التي مرّت بها بلدان الشرق والمنطقة، بل الأمة بأسرها. وفي مثل هذه الظروف، يفترض بالإعلام أن يكون صوتاً للعقل، وجسراً بين أبناء المجتمع، وأداة لحماية السلم الأهلي والوحدة الوطنية، لا منصة لإعادة إنتاج الانقسامات وتعميقها.

 

لكن المؤسف أن كثيراً من وسائل الإعلام المرئية، الخاصة والرسمية، ومعها عدد كبير من وكالات الأنباء والمواقع الإلكترونية، وكذلك بعض الكتاب والمحللين، يساهمون بشكل مباشر أو غير مباشر في تكريس الخطاب الطائفي والمذهبي والقبلي والقومي.

 

وبدلاً من أن تتسابق وسائل الإعلام على تسليط الضوء على ما يجمع أبناء الوطن والأمة، نراها أحياناً تتزاحم على إبراز الانتماءات الضيقة والولاءات الخارجية، وكأن الإنسان لا يمكن أن يكون مخلصاً لوطنه إلا من خلال طائفته أو قبيلته أو قوميته أو ارتباطه السياسي خارج حدود وطنه.

 

وهذا من أخطر ما يمكن أن يحدث في مجتمعاتنا.

 

____الكلمة مسؤولية… والتحريض خطر على المجتمع.

 

نحن لا ندعو إلى إسكات أحد، ولا إلى مصادرة حرية الرأي والتعبير، ولا إلى منع الاختلاف السياسي أو الفكري أو الديني.

فالاختلاف حق، والنقد حق، والحوار حق.

لكن هناك فارق كبير بين حرية الرأي وبين التحريض على الكراهية، وبين الاختلاف وبين التكفير، وبين النقد السياسي وبين الدعوة إلى العنف أو الانتقام من جماعة دينية أو مذهبية أو قومية أو اجتماعية.

 

ومن هنا، فإن كل من يستخدم منبراً إعلامياً أو دينياً أو سياسياً أو إلكترونياً للتحريض على الكراهية والعنف والفتنة الطائفية والتكفير، يجب أن يدرك أن كلمته ليست بلا ثمن، وأن المجتمع والدولة والقانون لا يستطيعون التعامل مع هذه الممارسات وكأنها مجرد آراء عابرة.

 

فالكلمة قد تبني وطناً، وقد تهدم وطناً.

 

وقد تجمع الناس، وقد تشعل بينهم حرباً لا تنتهي.

 

___الولاءات الخارجية والطائفية…

خطر على الدولة والمجتمع.

 

إن من أخطر الظواهر التي يجب التوقف عندها أيضاً، تحويل الانتماءات الدينية والمذهبية والقومية والقبلية إلى أدوات سياسية، وربط المواطنين بولاءات خارجية على حساب ولائهم لوطنهم ومصالح شعوبهم.

نحن لا ننكر حق الإنسان في انتمائه الديني أو المذهبي أو الثقافي، ولا نضع الانتماء الديني أو القومي في مواجهة الوطن.

لكن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه الانتماءات إلى أدوات لتقسيم المجتمع، أو عندما يصبح المواطن مصنفاً وفق الجهة أو الطائفة أو الدولة التي يُعتقد أنه موالٍ لها.

إن الدولة القوية لا تُبنى على تصنيف مواطنيها، وإنما على المواطنة والعدالة والمساواة وسيادة القانون.

 

والأوطان لا تحتاج إلى مواطنين موزعين بين ولاءات متصارعة، بل إلى مواطنين يختلفون في آرائهم وانتماءاتهم، لكن يجمعهم وطن واحد ومصير واحد ومصلحة وطنية مشتركة.

آن الأوان لتشريع قانون حازم

آن الأوان، وبالسرعة القصوى، ولضرورات الأمن الاجتماعي والوطني لبلدان الشرق وللأمة جمعاء، أن تبادر الدول والسلطات التشريعية إلى استصدار قانون واضح وحازم يجرّم كل من يعمل أو يساهم أو يحرض أو يساعد أو يتستر على التحريض الطائفي، أو تكفير الآخرين، أو الدعوة إلى الكراهية والعنف على أساس ديني أو مذهبي أو قومي أو عرقي.

فلم يعد مقبولاً أن تبقى هذه الممارسات في كثير من الأحيان ضمن دائرة الخطاب الذي يُنظر إليه على أنه مجرد رأي، بينما أثبتت التجارب أن الكلمة المحرّضة قد تتحول إلى فتنة، والفتنة إلى عنف، والعنف إلى قتل وتهجير وتدمير للمجتمعات والدول.

ويجب أن يشمل القانون كل من يشارك في صناعة هذا الخطاب أو نشره أو الترويج له أو تمويله أو توفير المنابر له أو التستر عليه، أياً كان موقعه أو انتماؤه أو الجهة التي تقف خلفه، مع ضمان حرية الرأي والتعبير والاختلاف السياسي والفكري، وعدم استخدام القانون لقمع النقد المشروع أو الآراء السلمية.

إن حماية الأمن الاجتماعي لا تبدأ فقط عندما تسقط الضحايا، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، عندما نمنع خطاباً يهيئ النفوس لاستباحة الإنسان وكراهية الآخر.

لقد أصبح من الضروري أن تتعامل دول الشرق مع هذه المسألة باعتبارها جزءاً من الأمن الوطني والأمن الاجتماعي والأمن الإنساني، وأن تتعاون فيما بينها، بالتنسيق مع المؤسسات الحقوقية والقانونية، لوضع منظومة مشتركة لمواجهة خطاب التكفير والتحريض والكراهية.

فنحن لا نريد قانوناً لقمع الأفكار، وإنما قانوناً لحماية الإنسان من التحريض الذي يستهدف حياته وكرامته وأمنه، ويحمي الأوطان من الفتن التي تبدأ بكلمة وقد تنتهي بوطن ممزق.

ونطالب بعقوبات رادعة ضمن القانون

إننا نطالب جميع الدول والحكومات والسلطات المختصة، وكذلك المنظمات والمؤسسات المعنية بحقوق الإنسان، بتحمل مسؤولياتها في مواجهة هذه الظاهرة.

كما نطالب بفرض عقوبات قانونية رادعة ومتناسبة على كل من يثبت تورطه في التحريض على العنف أو الكراهية أو التكفير أو استهداف جماعة بسبب دينها أو مذهبها أو قوميتها أو عرقها، مع ضمان المحاكمة العادلة وحق الدفاع، حتى لا تتحول مكافحة خطاب الكراهية إلى ذريعة لقمع الحريات.

ولا ينبغي أن يكون هناك شخص أو مؤسسة أو وسيلة إعلام فوق القانون عندما تتحول الكلمة إلى تحريض على قتل الإنسان أو تهجير جماعة أو استباحة دمائها أو تكفيرها.

وعلى منظمات حقوق الإنسان مسؤولية تاريخية

إن حماية حقوق الإنسان لا تعني الدفاع عن حرية من يحرض على حرمان الآخرين من حقوقهم.

فالحق في الحياة والأمن والكرامة والمواطنة لا يمكن أن يكون أقل أهمية من حرية التعبير.

وعلى منظمات حقوق الإنسان أن تكون أكثر وضوحاً وشجاعة في مواجهة خطاب الكراهية، وأن ترصد وتوثق وتحذر من كل خطاب يؤدي إلى التحريض على العنف أو التمييز أو التطهير الطائفي أو الديني.

كما يجب ألا تكون مواقف هذه المنظمات انتقائية أو مرتبطة بهوية الضحية أو هوية المحرض.

التحريض مرفوض أياً كان صاحبه، والضحية تستحق الحماية أياً كان دينها أو مذهبها أو قوميتها.

الإعلام أمام امتحان تاريخي

إن وسائل الإعلام أمام امتحان حقيقي:

هل تريد أن تكون جزءاً من الحل أم جزءاً من المشكلة؟

هل تريد أن تكون منبراً للحوار أم منصة للفتنة؟

هل تريد أن تساعد المجتمعات على تجاوز الحروب أم أن تستثمر في جراحها وانقساماتها؟

إن الإعلام الذي يكرر يومياً مفردات الطائفة والمذهب والقبيلة والعرق والولاء الخارجي، ويقدمها باعتبارها المعيار الأساسي للحكم على الناس، يساهم في تفكيك المجتمع حتى لو لم يقصد ذلك.

والأخطر من ذلك أن بعض المحللين والكتاب يتعاملون مع الولاءات الخارجية وكأنها قدر لا يمكن تغييره، فيصبح المواطن في نظرهم تابعاً لطائفة أو محور أو دولة أخرى، بدلاً من أن يكون مواطناً له وطن وحقوق وواجبات.

وهنا يجب أن نقول بوضوح:

ليس كل اختلاف ولاءً خارجياً، وليس كل انتماء دينياً أو مذهبياً خيانة للوطن، لكن تحويل الطائفة أو المذهب إلى أداة للتحريض السياسي، أو استخدام الانتماء الديني لتبرير العنف والكراهية، هو خطر على الجميع.

الولاء لله… والانتماء للوطن… واحترام الإنسان

نحن بحاجة إلى إعادة بناء مفهوم الولاء.

فالولاء لله لا يعني كراهية الإنسان.

والانتماء إلى دين أو مذهب لا يعني إلغاء الآخرين.

والانتماء إلى قومية لا يعني احتقار القوميات الأخرى.

والاختلاف السياسي لا يعني التخوين.

والنقد لا يعني التكفير.

والمواطنة لا ينبغي أن تكون مرهونة بالانتماء الطائفي أو القبلي أو القومي.

نحتاج إلى خطاب يعيد الإنسان إلى مركز الاهتمام:

إنساناً قبل أن يكون طائفياً، ومواطناً قبل أن يكون تابعاً، وشريكاً في الوطن قبل أن يكون مختلفاً في الدين أو المذهب أو القومية.

لا نريد شرقاً ينتصر فيه مذهب على مذهب

إن الشرق لن يخرج من أزماته إذا انتصر مذهب على مذهب، أو طائفة على طائفة، أو قومية على قومية.

سينهض عندما ينتصر الإنسان على التعصب، والوطن على الانقسام، والعقل على الجهل، والحوار على الكراهية، والسلام على الحرب.

ولهذا فإن مواجهة خطاب الكراهية ليست ترفاً سياسياً أو إعلامياً، بل أصبحت ضرورة أمنية ووطنية وإنسانية.

وإذا كانت الدول تضع القوانين لمكافحة الإرهاب والعنف والجريمة، فمن الطبيعي أن تضع أيضاً آليات فعالة لمنع التحريض الذي يمكن أن يكون مقدمة مباشرة للعنف والاقتتال الأهلي.

إن حماية المجتمع تبدأ أحياناً من حماية الكلمة قبل أن تتحول الكلمة إلى رصاصة.

كلمة أخيرة

نحن أمام مرحلة تاريخية شديدة الخطورة.

الحروب والنزاعات والتدخلات الخارجية والانقسامات الداخلية تكفي وحدها لتهديد مستقبل شعوب المنطقة، فكيف إذا أضيف إليها إعلام يضخّم الخلافات الطائفية والمذهبية، وكتابات تكفّر هذا وتخوّن ذاك، ومنابر تحول الاختلاف إلى عداوة؟

إننا بذلك لا نحمي أوطاننا، بل نساعد على إضعافها من الداخل.

لذلك، فإن المسؤولية تقع على الجميع: الحكومات، والسلطات، والمؤسسات الإعلامية، ورجال الدين، والكتاب، والمثقفين، والمحللين، ومنظمات حقوق الإنسان، وكل من يمتلك منبراً أو كلمة.

آن الأوان للانتقال من إعلام الفتنة إلى إعلام المصالحة، ومن خطاب الكراهية إلى خطاب الإنسانية، ومن تكريس الانقسام إلى بناء الوحدة، ومن الولاءات الضيقة إلى المواطنة، ومن التحريض إلى الحوار.

ولنرفع جميعاً صوتاً واحداً:

لا للتكفير.

لا للتحريض الطائفي.

لا للكراهية.

لا لاستباحة دم الإنسان بسبب دينه أو مذهبه أو قوميته.

لا لتحويل الإعلام إلى وقود للحروب والفتن.

ونعم لحرية الرأي المسؤولة،

ونعم للحوار،

ونعم للمواطنة،

ونعم لكرامة الإنسان،

ونعم للوطن،

 

فالشرق لا يحتاج إلى مزيد من المحرضين…

بل يحتاج إلى عقلاء ينقذونه من الفتنة قبل أن تحرق الجميع.

 

سعيد فارس السعيد

كاتب وباحث استراتيجي مستقل

صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.

شارك