العقول الراقية لاترفع صوتها بل فكرها

 

بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل

 

ثمة ضجيجٌ لا يأتي من الحناجر، بل من فراغ العقول؛ وثمّة صمتٌ يحمل من الحكمة ما تعجز عن حمله الخطب الطويلة. وبين الصخب والسكينة مسافةٌ تكشف معدن الإنسان؛ فحين يضيق الفكر، يرتفع الصوت، وحين يتّسع الوعي، تهدأ النبرة ويعلو المعنى. لذلك، ليست كلّ حنجرةٍ مرتفعة دليل قوة، ولا كلّ هدوءٍ علامة ضعف؛ فبعض الناس يملؤون المكان بأصواتهم، بينما يملأ آخرون العقول بأفكارهم.

العقل الراقي لا يدخل الحوار حاملاً سيفًا، بل يحمل سؤالًا. لا يبحث عن خصمٍ يهزمه، بل عن حقيقةٍ يقترب منها. وحين يختلف، لا يحوّل الاختلاف إلى خصومة، ولا يجعل من الرأي جدارًا يفصل بين القلوب. إنه يعرف أن الإنسان قد يخطئ في فكرته، دون أن يفقد كرامته، وأن مخالفة الرأي ليست إساءةً إلى صاحبه.

أما من اعتاد رفع صوته كلما ضاقت به الحجة، فهو غالبًا يحاول أن يجعل الضجيج ستارًا لعجز الفكرة. فالحجة القوية لا تحتاج إلى قبضةٍ على الطاولة، ولا إلى نبرةٍ جارحة، ولا إلى كلماتٍ تُقال لتُخيف الآخرين. الفكرة الحقيقية تقف على قدميها وحدها؛ وكلما كانت أكثر رسوخًا، كانت أقل حاجةً إلى الصراخ.

العقول الراقية تعرف أيضًا متى تتكلم ومتى تصمت. والصمت عندها ليس فراغًا، بل امتلاء؛ ليس عجزًا عن الرد، بل قدرة على اختيار الرد الذي يستحق أن يُقال. فما أكثر الكلمات التي يستطيع الإنسان قولها، وما أقل الكلمات التي تستحق أن تُقال! ولهذا لا تجيب هذه العقول عن كل استفزاز، ولا تدخل كل معركة، ولا تشرح نفسها أمام كل من قرر أن يسيء فهمها.

فبعض المعارك خسارتها مكسب، وبعض الانتصارات هزيمة أخلاقية، وبعض الردود تجعل الإنسان شبيهًا بمن أراد مواجهته. لذلك يختار العقل الراقي أن يحفظ مقامه، لا أن يثبت انتصاره؛ وأن يخرج من الجدال محتفظًا بسلامه، بدل أن يخرج منه وقد ربح الكلمات وخسر نفسه.

وليس أرقى من عقلٍ يستطيع أن يقول: «كنت مخطئًا». فالكبرياء يخشى الاعتراف، أما الوعي فيراه شجاعة. الإنسان الناضج لا يعتبر تغيير رأيه هزيمة، لأن الحقيقة عنده أكبر من الأنا، والمعرفة أوسع من موقفٍ عابر. إنه لا يتشبث بفكرته لأنها فكرته، بل يتمسك بها ما دامت تستحق التمسك.

والعقول الراقية لا تستخدم معرفتها لإذلال الجاهل، ولا ثقافتها لإشعار الآخرين بالنقص. كلما اتسعت، ازدادت تواضعًا؛ لأنها تعرف أن البحر، مهما اتسع، لا يعلن عن عمقه. وكذلك الإنسان العميق، لا يحتاج أن يقول للناس إنه عميق؛ يكفي أن يتحدث، فيشعرون بالفرق.

إن الرقي الحقيقي لا يظهر عندما تكون الأمور على هواك، بل عندما تختلف معك الحياة، ويستفزك الآخرون، وتملك القدرة على الرد، ثم تختار أن يكون ردك على قدر أخلاقك لا على قدر إساءتهم. هناك، تحديدًا، يظهر معدن الإنسان.

كم من شخصٍ خسر احترامه لأنه أراد أن ينتصر في نقاش! وكم من إنسانٍ كسب القلوب لأنه امتلك شجاعة الصمت حين كان الصراخ أسهل! فالأثر لا تصنعه النبرة العالية، بل تصنعه الكلمة التي تأتي في وقتها، والفكرة التي تفتح نافذةً في جدارٍ مغلق، والموقف الذي يحفظ للإنسان كرامته وكرامة الآخرين.

وفي زمنٍ أصبحت فيه سرعة الردّ فضيلةً عند البعض، أصبح التفكير قبل الكلام نوعًا من الحكمة النادرة. ليس كل ما يخطر في البال يستحق أن يخرج إلى اللسان، وليس كل ما يصل إلى الأذن يستحق أن يصل إلى القلب. العقل الراقي يضع بين الفكرة والكلمة مساحةً اسمها الوعي؛ وفي تلك المساحة تُولد الحكمة.

لذلك، لا تقيسوا الإنسان بارتفاع صوته، ولا بعدد الذين يخافون منه، ولا بقدرته على إسكات الآخرين. قيسوه بما يضيفه إلى الحديث، وبما يتركه في النفوس، وبقدرته على الاختلاف دون إساءة، والقوة دون قسوة، والنجاح دون غرور.

فالعقل الذي يحتاج إلى الصراخ كي يُسمع، لم يتعلم بعد كيف يجعل فكرته تُصغي إليها القلوب.

أما العقول الراقية، فلا ترفع صوتها لتقول: «أنا هنا»؛

بل ترفع فكرها، فيلتفت إليها الجميع.

فالضجيج قد يملأ المكان لحظة،

لكن الفكر يبني أثرًا يبقى بعد أن يصمت كل شيء.

ارفع فكرك… لا صوتك؛

فالأصوات تخفت، أمّا الأفكار العظيمة فتبقى.

شارك