
البيروقراطية… عطل مزمن في جسد الدولة
كتب رياض الفرطوسي
منذ الصباح الباكر، وقبل أن تشرق الشمس على العاصمة والمحافظات، يبدأ مشهد يتكرر يومياً أمام أبواب الدوائر الحكومية: مئات المواطنين يصطفون في طوابير طويلة، يحملون أوراقهم وملفاتهم، وعيونهم معلقة على باب لم يُفتح بعد. رجل مسنّ يتكئ على عصاه، وامرأة تحمل طفلها الرضيع، وشاب فقد وظيفته يبحث عن ورقة تثبت أنه “لا يزال يعمل”، وموظف متقاعد ينتظر معاملة تقاعده منذ أشهر. كلهم يقفون في صف واحد، لا لأن معاملاتهم معقدة بطبيعتها، بل لأن الدولة نفسها قررت، دون أن تقول ذلك صراحة، أن الطريق إلى حقك المشروع يجب أن يمر عبر متاهة من التواقيع والأختام والانتظار.
وحين يُفتح الباب أخيراً، لا ينتهي العذاب، بل يبدأ فصله الثاني. فالموظف الجالس خلف الشباك، الذي يتقاضى راتبه من جيب هذا المواطن نفسه عبر الضرائب وريع النفط، يتعامل مع طالب المعاملة وكأنه يتفضل عليه بمنحة، لا وكأنه يؤدي واجبًا. يتصفح الأوراق ببطء متعمد، يطلب مستمسكاً إضافياً لم يُذكر من قبل، يخبرك أن “المسؤول غير موجود اليوم”، أو أن النظام “متوقف مؤقتاً”. وأنت تعلم، وهو يعلم، أنكما تمثلان مسرحية قديمة يعرف الجميع فصولها: فصل التسويف، ثم فصل اليأس، ثم فصل الحل السحري.
وهذا الحل السحري هو ما يكشف الوجه الأخطر لهذه الأزمة: فقد نمت حول جسد البيروقراطية المريض طبقة كاملة تتغذى على علته وتحرص على بقائها. “المعقبون” الذين يقفون عند أبواب الدوائر، يعرفون كل موظف باسمه، وكل ثغرة في النظام، وكل طريقة لتجاوز الطابور. “المرشدون” الذين يبيعون معلومة بسيطة كان يجب أن تكون معلقة على لوحة إعلانات مجانية. شبكات من “الأتباع” والوسطاء الذين ينسّقون بين الموظف الكسول والمواطن اليائس، مقابل مبلغ من المال يُدفع نقداً ودون إيصال. هذه المنظومة لم تعد ظاهرة هامشية أو استثناءً فردياً، بل تحولت مع الوقت إلى ما يشبه مؤسسة موازية، غير معلنة لكنها فعالة تماماً، لها اقتصادها الخاص، ولها موظفوها غير الرسميين، ولها “زبائنها” الذين لا خيار أمامهم سوى التعامل معها. وكلما طال أمد التأخير الرسمي، ازدهرت هذه المؤسسة الموازية، لأن مصلحتها المباشرة تقتضي أن تبقى المعاملة الرسمية بطيئة ومعقدة، إذ إن كل يوم تأخير إضافي هو يوم ربح لهذه الشبكة، وكل توقيع زائد هو باب جديد يُفتح للابتزاز. وقد لاحظ مراقبون أن العلاقة بين تعقيد الإجراءات وانتشار الفساد علاقة طردية مباشرة: فكلما تعقدت الإجراءات ازدادت الرشوة، وكلما طال التأخير ظهرت الواسطة، وكلما تكاثرت التواقيع المطلوبة تضاعفت فرص الابتزاز.
والمفارقة المؤلمة أن هذا العطل المزمن لا يصيب فقط المواطن البسيط الباحث عن وثيقة، بل يمتد ليصيب شرايين الاقتصاد كله. فقد رصد خبراء اقتصاديون أن المستثمر الراغب في تأسيس مصنع أو شركة داخل العراق قد يحتاج إلى ما يقارب ثلاثين موافقة رسمية من جهات متعددة، وسط تعقيدات ترتبط بالفساد الإداري والمحسوبية داخل بعض المؤسسات. تخيّل معي: ثلاثون باباً يجب أن يُطرق، وثلاثون ختمًا يجب أن يُستحصل، وثلاثون فرصة لأن يقول لك أحدهم “تعال غداً”، أو “أعطني شيئًا لأسرّع لك الأمر”. وهكذا يهرب رأس المال، وتُغلق المشاريع قبل أن تُفتح، ويبقى الشاب العراقي عاطلًا لا لأنه لا يملك فكرة أو طموحاً، بل لأن الدولة نفسها نصبت أمامه غابة من الإجراءات لا نهاية لها.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل هذا قدر محتوم؟ هل البيروقراطية بطبيعتها لعنة لا فكاك منها؟ التاريخ يقول غير ذلك. فحين واجهت دول غربية عديدة، في أواخر القرن الماضي، الأزمة نفسها التي يعيشها العراق اليوم، أجهزة إدارية متضخمة، وموظفون يتقاضون رواتبهم دون أن يُسألوا عن الإنتاجية، وروتين يخنق المواطن والمستثمر على حد سواء، أدركت أن الحل ليس في مزيد من اللوائح، بل في إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والموظف من جهة، وبين الدولة والمواطن من جهة أخرى. فانطلقت هذه الدول في موجة إصلاح إداري واسعة، قامت على ثلاث ركائز غيّرت وجه الإدارة العامة جذرياً.
الركيزة الأولى أن الموظف لم يعد يُقاس بساعات دوامه أو بحضوره الجسدي خلف المكتب، بل بما ينجزه فعليًا: عدد المعاملات المكتملة، وسرعة إنجازها، ومدى رضا المواطن عنها. فحين يرتبط تقييم الموظف، وربما جزء من راتبه أو ترقيته، بإنتاجيته الحقيقية، يتحول من حارس بوابة كسول إلى شريك في خدمة المواطن.
الركيزة الثانية هي الرقمنة الشاملة، التي أزالت الوسيط البشري من المعادلة كلياً في كثير من المعاملات. فحين تُنجز المعاملة عبر منصة إلكترونية، تُقفل الأبواب في وجه “المعقب” و”الواسطة” معًا، لأن لا وجود لشباك يمكن التحايل عليه، ولا موظف يمكن إغراؤه. وقد أثبتت تجارب إقليمية أن معاملة كانت تستغرق ستة أيام عمل وتسع خطوات يمكن أن تُنجز رقمياً خلال خمس دقائق فقط وفي خطوة واحدة، حين تتوفر الإرادة الحقيقية للتحول الرقمي.
أما الركيزة الثالثة فهي الشجاعة في إعادة الهيكلة: دمج الدوائر المتشابهة، وإلغاء الهيئات المتقاطعة الصلاحيات، ومراجعة التشريعات القديمة التي قد يمتد عمر بعضها إلى عقود دون أن يُعاد النظر فيها. فكل جهة زائدة هي طابور إضافي، وكل تعليمات بالية هي فرصة جديدة لتلك المؤسسة الموازية كي تكبر وتتمدد.
في العراق، ما تزال هذه المعادلة معكوسة تمامًا. فبدل أن تُدمج الدوائر، تتكاثر اللجان والهيئات المتقاطعة. وبدل أن يُحاسَب الموظف على إنتاجيته، يبقى راتبه مضمونًا سواء أنصف المواطن أم أذلّه في طابور طويل تحت الشمس. وبدل أن تحل المنصة الرقمية محل الشباك، يبقى الورق سيد الموقف، والختم الرطب هو الفيصل، والمعقب هو الحل الوحيد المتاح لمن أنهكه الانتظار.
إن ما يجري ليس مجرد بطء إداري عابر يمكن تجاوزه بخطاب حماسي عن “محاربة الفساد”، بل هو عطل مزمن استوطن جسد الدولة، وأنتج حوله اقتصاداً موازيًا كاملًا يعيش على استمرار هذا العطل واستفحاله. وكل يوم تتأخر فيه معاملة كان يجب أن تُنجز في ساعة، هو يوم إضافي تربح فيه شبكة المعقبين، ويخسر فيه المواطن كرامته ووقته وماله، وتخسر فيه الدولة هيبتها وثقة شعبها بها. والإصلاح الحقيقي لن يبدأ من تعميم جديد يُضاف إلى رفوف التعليمات المتراكمة، بل من قرار جريء يعيد للموظف معنى وظيفته، وللمواطن كرامة انتظاره، وللدولة نبض حياتها الذي كاد هذا العطل المزمن أن يوقفه تماماً.



