
قداسة الكلمة وخطورتها على الأمن الاجتماعي والوطني
كتب / سعيد فارس السعيد:
الكلمة ليست مجرد حروف تُكتب، ولا أصوات تُنطق ثم تنتهي بانتهاء لحظة قولها.
الكلمة حياة، وفكر، وموقف، ورسالة، ومسؤولية، وأمانة.
قد تكون الكلمة نورًا يضيء طريق الإنسان، وقد تكون ظلامًا يضلله. قد تكون جسرًا يصل بين إنسان وإنسان، وبين مكوّن ومكوّن، وبين مجتمع ووطن، وقد تكون جدارًا يفصل بينهم.
قد تبني، وقد تهدم.
قد تجمع، وقد تفرّق.
قد تصنع أملًا، وقد تزرع يأسًا.
قد تفتح باب الحوار، وقد تغلق أبواب الحوار كلها.
قد تحفظ كرامة الإنسان، وقد تهدرها.
وقد تكون سببًا في إنقاذ إنسان، أو سببًا في دفعه إلى اليأس والانكسار.
ولهذا فإن الكلمة ليست تفصيلًا صغيرًا في حياة الإنسان والمجتمع، بل هي إحدى أهم القوى التي تصنع الوعي وتؤثر في السلوك وتشكل المواقف وتترك آثارها في الحاضر والمستقبل.
الكلمة وحبة الحنطة… من البذرة إلى الثمرة
سبق أن كتبت عن حبة الحنطة، وقلت إن الحبة ليست مجرد حبة؛ فهي تحمل في داخلها إمكانية الحياة.
حبة صغيرة يمكن أن تتحول إلى سنبلة، والسنبلة إلى سنابل، والسنابل إلى حقل، والحقل إلى محصول، والمحصول إلى خبز، والخبز إلى حياة تصل إلى الإنسان.
ومن هنا يمكن أن نفهم الكلمة أيضًا.
فالكلمة، مثل حبة الحنطة، قد تبدو صغيرة في لحظة إطلاقها، لكنها تحمل في داخلها إمكانية أثر كبير.
قد تسقط الكلمة في عقل إنسان، فتنبت فكرة.
وتتحول الفكرة إلى موقف.
ويتحول الموقف إلى سلوك.
ويتحول السلوك إلى ظاهرة.
وقد تتحول الظاهرة إلى حالة اجتماعية أو سياسية أو وطنية تمتد آثارها إلى آلاف الناس وربما إلى أجيال.
ولهذا فإن الكلمة بذرة.
لكنها ليست بذرة عادية، لأنها تُزرع في الإنسان؛ في عقله وقلبه ووجدانه ووعيه.
هناك كلمة تنبت محبة.
وكلمة تنبت كراهية.
كلمة تنبت سلامًا.
وأخرى تنبت خصومة.
كلمة تنبت وعيًا.
وأخرى تنبت تضليلًا.
كلمة تنبت كرامة.
وأخرى تنبت إهانة.
كلمة تجمع الوطن.
وأخرى تزرع الانقسام.
ومن هنا لا يكفي أن نسأل: ماذا قلنا؟
بل علينا أن نسأل أيضًا:
ماذا يمكن أن ينبت من كلامنا؟
كما لا يجوز للزارع أن يتعامل مع الحبة باستخفاف لأنه لا يرى في يده إلا حبة صغيرة، لا يجوز للإنسان أن يستهين بكلمته لأنه لا يرى في اللحظة الأولى نتائجها.
فالكلمة قد تبدأ صغيرة، لكن آثارها قد تكبر.
وقد تكون كلمة واحدة بداية مصالحة، كما يمكن أن تكون كلمة واحدة بداية خصومة.
وقد تكون كلمة واحدة سببًا في إعادة الأمل إلى إنسان، كما يمكن أن تكون كلمة واحدة سببًا في تحطيمه.
ولهذا فإن الإنسان مسؤول ليس فقط عن الكلمة التي يقولها، بل عن المعنى الذي تحملـه، والأثر الذي يمكن أن تتركه، والنتائج التي قد تنبت منها.
وكما لا يستطيع الإنسان أن يزرع حبة ثم يتنصل من ثمرها، لا يجوز له أن يلقي كلمة ثم يتنصل من نتائجها.
قداسة الكلمة
للكلمة مكانة عظيمة في الأديان والفلسفات والثقافات الإنسانية، لأنها مرتبطة بالعقل والوعي والإرادة والمسؤولية.
والكلمة في بعدها الإنساني ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي وسيلة لصناعة المعنى.
بالكلمة يعلن الإنسان موقفه.
وبالكلمة يعبر عن إيمانه.
وبالكلمة يطلب حقه.
وبالكلمة يدافع عن المظلوم.
وبالكلمة يعتذر.
وبالكلمة يصالح.
وبالكلمة يشهد.
وبالكلمة يَعِد.
وبالكلمة يلتزم.
وبالكلمة يمكن أن يغيّر حياة إنسان.
ومن هنا تأتي قداسة الكلمة من قداسة المسؤولية المترتبة عليها.
فالكلمة الصادقة أمانة.
والكلمة العادلة موقف.
والكلمة المسؤولة حماية.
والكلمة الشجاعة قد تكون إنقاذًا.
والكلمة الحرة قد تكون دفاعًا عن كرامة الإنسان.
لكن الكلمة الكاذبة قد تتحول إلى ظلم، والكلمة المحرّضة إلى فتنة، والكلمة المضللة إلى خطر، والكلمة المهينة إلى جرح، والكلمة التي تُطلق بلا مسؤولية إلى نار يصعب إطفاؤها.
الكلمة في القرآن الكريم
لم تأتِ مكانة الكلمة في الثقافة الإسلامية من فراغ، بل احتلت موقعًا أساسيًا في القرآن الكريم.
يقول الله تعالى:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا».
فالقول السديد هو القول المستقيم، المسؤول، الذي لا يقوم على الكذب أو التضليل أو الظلم.
ويقول تعالى:
«وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ».
وهنا لا يقتصر الأمر على أن تكون الكلمة صحيحة فقط، بل أن تكون أيضًا أحسن في أسلوبها وأثرها.
ويقول تعالى:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا».
وهذه الآية تضع أساسًا بالغ الأهمية لمسؤولية الكلمة والخبر: التثبت قبل النقل، والتحقق قبل النشر، وعدم تحويل المعلومة غير الموثوقة إلى حقيقة اجتماعية.
وفي القرآن أيضًا صورة بالغة الدلالة لحبة الحنطة:
«مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ…».
ويقول تعالى:
«أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ».
وهنا يلتقي معنى الحبة بمعنى الكلمة.
الحبة تحمل إمكانية الإنبات، والكلمة تحمل إمكانية التأثير.
وما نزرعه اليوم قد يصبح غدًا واقعًا نعيش نتائجه.
الكلمة في الكتاب المقدس
وفي الكتاب المقدس أيضًا حضور واضح لمسؤولية الكلمة واللسان.
يقول سفر الأمثال:
«الموت والحياة في يد اللسان».
وهو تعبير بالغ العمق عن القوة التي يمكن أن تحملها الكلمة.
وفي رسالة أفسس:
«لا تخرج كلمة رديئة من أفواهكم، بل كل ما كان صالحًا للبنيان».
أي أن الكلمة ينبغي أن تكون وسيلة للبناء، لا للهدم.
وهنا نجد مساحة مشتركة واسعة بين مختلف الموروثات الدينية والإنسانية: الكلمة ليست شيئًا عابرًا، بل مسؤولية أخلاقية.
الكلمة في الحديث الشريف
وفي الحديث الشريف:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».
وهو مبدأ يضع الإنسان أمام مسؤولية الاختيار بين الكلام النافع والصمت عندما يكون الكلام ضارًا.
فليس المطلوب أن يتحدث الإنسان دائمًا، وإنما أن يعرف متى يتحدث، وماذا يقول، وكيف يقول، وما النتائج التي يمكن أن تترتب على قوله.
«أتعرف ما معنى الكلمة؟»… الكلمة نور
ومن أجمل النصوص الأدبية التي تناولت معنى الكلمة ذلك النص الشهير الذي كتبه عبد الرحمن الشرقاوي في مسرحيته «الحسين ثائرًا»، واشتهر بأدائه الفنان نور الشريف.
ومن الضروري هنا التوضيح أن هذا النص أدبي وليس نصًا تاريخيًا ثابتًا منقولًا عن الإمام الحسين، لكنه استخدم الشخصية الحسينية في العمل المسرحي ليقدم رؤية أدبية وفكرية لمعنى الكلمة.
وفي هذا النص تأتي الكلمة بوصفها قوة تتجاوز مجرد النطق:
«أتعرف ما معنى الكلمة؟
مفتاح الجنة في كلمة،
ودخول النار على كلمة،
وقضاء الله هو الكلمة…»
ثم تأتي الصورة الأعمق:
الكلمة نور، وبعض الكلمات قبور، وبعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبل البشري.
وهذه الصور الأدبية تختصر شيئًا أساسيًا من حقيقة الكلمة.
فالكلمة نور عندما تكشف الحقيقة.
والكلمة قبر عندما تدفن الحقيقة.
والكلمة حصن عندما تحمي الإنسان وكرامته وحريته.
والكلمة قيد عندما تتحول إلى وسيلة للقمع والتضليل.
والكلمة شرف عندما يكون صاحبها قادرًا على الوفاء بها.
والكلمة مسؤولية عندما يعرف صاحبها أنه سيُسأل عن أثرها.
وفي النص نفسه تأتي الكلمة بوصفها وسيلة لانكشاف الغمة، ودليلًا تتبعه الأمة، وحصنًا للحرية، وصولًا إلى العبارة التي تختصر المعنى كله:
«إن الكلمة مسؤولية، إن الرجل هو الكلمة، شرف الرجل هو الكلمة، شرف الله هو الكلمة.»
وبصرف النظر عن كون هذا نصًا أدبيًا، فإن قيمته تكمن في أنه نقل مفهوم الكلمة من مجرد أداة للتعبير إلى قيمة أخلاقية وإنسانية ووجودية.
الإمام الحسين… حين تحولت الكلمة إلى موقف
أما الإمام الحسين، فإن تجربته التاريخية تقدم نموذجًا واضحًا للكلمة التي لا تبقى مجرد كلام، بل تتحول إلى موقف.
ومن أشهر ما نُقل عنه:
«هيهات منا الذلة».
وقوله:
«والله لا أعطيكم إعطاء الذليل، ولا أقر إقرار العبيد.»
هنا تصبح الكلمة موقفًا.
والموقف يصبح فعلًا.
والفعل يصبح ذاكرة تاريخية.
وهذه هي إحدى أعظم صور الكلمة: أن يكون الإنسان مستعدًا لتحمل مسؤولية ما يقول.
فليست قوة الكلمة في ارتفاع الصوت، ولا في كثرة تردادها، ولا في عدد من يصفق لها، وإنما في صدقها، وشجاعتها، ومسؤولية صاحبها عنها.
الكلمة في الأدب والفن
لقد أدرك الأدباء والشعراء والفنانون عبر التاريخ قوة الكلمة.
فالكلمة في الشعر قد توقظ وجدانًا.
وفي الرواية قد تكشف مجتمعًا.
وفي المسرح قد تعيد فتح سؤال تاريخي.
وفي الأغنية قد تحفظ ذاكرة أجيال.
وفي الصحافة قد تكشف فسادًا أو تدافع عن مظلوم.
وفي الكتاب قد تغيّر طريقة الإنسان في فهم العالم.
وفي الإعلام قد تصنع رأيًا عامًا.
ولهذا فإن الكلمة ليست ملكًا لمن قالها فقط بعد انتشارها؛ فقد تصبح جزءًا من الوعي العام، وتدخل في تشكيل المواقف والسلوك.
الكلمة والأمن الاجتماعي
وهنا نصل إلى البعد الذي يعنيني في هذا المقال: الأمن الاجتماعي.
الأمن الاجتماعي لا يعني فقط غياب الجريمة أو الفوضى، وإنما يعني أيضًا وجود مجتمع يشعر أفراده بالأمان والاحترام والانتماء، ويستطيعون الاختلاف دون أن يتحول الاختلاف إلى كراهية أو صراع.
والكلمة جزء أساسي من هذا الأمن.
فالكلمة التي تحترم الآخر تساعد على بناء الثقة.
والكلمة التي تعترف بالتنوع تحمي الوحدة.
والكلمة التي ترفض التعميم تمنع تحميل جماعة كاملة مسؤولية فعل فرد.
والكلمة التي تدعو إلى الحوار تفتح الطريق أمام الحلول.
أما الخطاب الذي يقوم على التخوين أو التكفير أو الإهانة أو التحريض أو إسقاط الصفات الدينية والوطنية عن قامة أو مكوّن وطني، فيمكن أن يزيد الانقسام ويهدد السلم الأهلي.
ولهذا فإن مسؤولية الكلمة ليست مسؤولية أدبية فقط، بل هي مسؤولية اجتماعية ووطنية.
الكلمة والأمن الوطني
الأمن الوطني أيضًا يبدأ من الإنسان.
فالدولة القوية ليست فقط دولة تملك المؤسسات والقوة، بل دولة يحترم فيها المواطن القانون، وتحفظ فيها حقوق الناس، وتتساوى فيها الحقوق والواجبات بين جميع المكونات.
والخطاب العام جزء من هذه المعادلة.
فإذا أصبحت الكلمة وسيلة لتقسيم المجتمع إلى جماعات متناحرة، فإن آثارها لا تتوقف عند حدود الإعلام أو وسائل التواصل.
أما إذا أصبحت الكلمة وسيلة لتعزيز المواطنة والحقوق والواجبات والحوار واحترام القانون، فإنها تتحول إلى عنصر من عناصر القوة الوطنية.
ولهذا فإن الأمن الوطني لا يُبنى بالسلاح وحده.
إنه يُبنى أيضًا بالثقة، والعدالة، والوعي، والمسؤولية، والكلمة المسؤولة.
الكلمة والسياسة والإعلام والمنصات الرقمية
في زمن الإعلام الحديث ووسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد الكلمة تحتاج إلى صحيفة أو شاشة تلفزيون حتى تصل إلى الناس.
قد يكتب شخص كلمة واحدة من هاتفه، فتصل خلال دقائق إلى آلاف أو ملايين الناس.
وقد تتحول المعلومة غير الدقيقة إلى خبر.
والخبر إلى شائعة.
والشائعة إلى موقف.
والموقف إلى حالة اجتماعية.
ومن هنا أصبحت مسؤولية الإعلاميين والسياسيين والكتاب ورجال الدين والمثقفين والفنانين والناشطين وأصحاب المنصات أكبر بكثير.
فالمنبر يمنح صاحبه قوة.
والقوة تحتاج إلى مسؤولية.
والحرية تحتاج إلى وعي.
والانتقاد يحتاج إلى دليل.
والاختلاف يحتاج إلى احترام.
والخبر يحتاج إلى تحقق.
والكلمة تحتاج إلى ضمير.
الحرية والمسؤولية
الحرية في الكلام لا تعني التحرر من المسؤولية.
فمن حق الإنسان أن يسأل.
ومن حقه أن ينتقد.
ومن حقه أن يختلف.
ومن حقه أن يقول ما يراه حقًا.
لكن عليه في الوقت نفسه أن يدرك أن حرية التعبير لا تلغي مسؤولية الإنسان عن الكذب والتضليل والتحريض والإهانة والتشهير وانتهاك كرامة الآخرين.
والكلمة الحرة لا تحتاج إلى أن تكون جارحة.
والكلمة القوية لا تحتاج إلى أن تكون مهينة.
والنقد الجريء لا يحتاج إلى أن يتحول إلى كراهية.
بل إن قوة الكلمة الحقيقية تظهر عندما يستطيع الإنسان أن يقول الحقيقة دون أن يهدم الإنسان.
الكلمة التي نحتاجها اليوم
نحن بحاجة اليوم إلى كلمة تجمع ولا تفرق.
كلمة تقول الحقيقة ولا تزورها.
كلمة تنتقد الخلل ولا تهدم الوطن.
كلمة تدافع عن المظلوم ولا تظلم آخر.
كلمة تحمي كرامة الإنسان.
كلمة تحترم الاختلاف.
كلمة تعترف بتعدد المجتمع وتنوعه.
كلمة تفتح باب الحوار.
كلمة تدعو إلى المصالحة.
كلمة تعيد الثقة بين المواطن والمؤسسات.
كلمة تضع الحقوق والواجبات في ميزان واحد.
كلمة تقول إن الوطن ليس ملكًا لفئة دون أخرى، وإن الدولة ليست حزبًا، وإن الاختلاف لا يلغي المواطنة.
هذه هي الكلمة التي نحتاجها في السياسة، وفي الإعلام، وفي المنابر الدينية، وفي الجامعات، وفي الصحافة، وفي البيوت، وفي المدارس، وفي وسائل التواصل الاجتماعي.
الخاتمة: ماذا نزرع بكلماتنا؟
في النهاية، تعود بنا الكلمة إلى حبة الحنطة.
الحبة صغيرة، لكنها تحمل إمكانية سنبلة.
والكلمة قد تكون قصيرة، لكنها تحمل إمكانية أثر كبير.
الحبة تُزرع في الأرض.
والكلمة تُزرع في الإنسان.
الحبة تنبت سنابل.
والكلمة تنبت أفكارًا ومواقف وسلوكًا ووعيًا.
وقد يكون محصول الحبة غذاءً للإنسان، وقد يكون محصول الكلمة سلامًا ووعيًا وكرامة ووطنًا.
لكن قد تكون الكلمة أيضًا بذرة فتنة، وبذرة كراهية، وبذرة تضليل، وبذرة انقسام.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان ليس أن يتكلم فقط، وإنما أن يلقي كلمته ثم يتنصل من نتائجها.
فكما لا يجوز أن نزرع حبة ثم نتنصل من ثمرها، لا يجوز أن نلقي كلمة ثم نتنصل من آثارها.
الكلمة نور.
والكلمة حق.
والكلمة شرف.
والكلمة عهد.
والكلمة موقف.
والكلمة حرية.
والكلمة حصن.
والكلمة دليل.
والكلمة مسؤولية.
والكلمة قد تكون حياة، وقد تكون موتًا.
قد تبني إنسانًا، وقد تهدمه.
قد تجمع مجتمعًا، وقد تمزقه.
قد تحمي وطنًا، وقد تفتح فيه أبواب الانقسام.
ولهذا فإن قداسة الكلمة لا تعني أن كل كلمة مقدسة، وإنما تعني أن مسؤولية الإنسان عن كلمته يجب أن تكون مقدسة في ضميره.
إن الكلمة ليست مجرد لحظة نطق.
إنها بذرة.
وما نزرعه اليوم قد يكون واقع الغد.
ومن هنا فإن السؤال الذي يجب أن يسبق كل كلمة نكتبها أو نقولها أو ننشرها ليس فقط:
هل أستطيع أن أقولها؟
بل:
هل هي حق؟
وهل هي مسؤولة؟
وماذا ستنبت في الإنسان؟
وماذا ستنبت في المجتمع؟
وماذا ستنبت في الوطن؟
فالكلمة قوة، وكل قوة تحتاج إلى مسؤولية.
والإنسان الذي يعرف قداسة الكلمة يعرف أن كل كلمة يطلقها قد تصبح فكرة، وكل فكرة قد تصبح موقفًا، وكل موقف قد يصبح فعلًا، وكل فعل قد يترك أثرًا في حياة الناس والتاريخ.
فماذا نزرع بكلماتنا؟
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل
متخصص في قضايا الأمن الاجتماعي والوطني
«صوتٌ من أجل شرقٍ يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.»



