
الجنوبُ يُحرَقُ مرّتين: حين تُكمِلُ النارُ ما بدأه الصاروخُ
لم يكفِهم أن يقصفوه بالحديد… فتركوه يختنقُ بالديوكسين
المقدمة
في الجنوب، لا يموتُ الناسُ مرّةً واحدة. يُقصَفون بالصاروخ فيُدفَنون تحت الركام، ثم يُبعَثون ليستنشقوا رمادَ نفاياتٍ تُحرَقُ على مرمى حجرٍ من بيوتهم. هنا، حيث صمدَ الحجرُ في وجه الطيران، يسقطُ الإنسانُ بصمتٍ أمام عمودِ دخانٍ أسودَ يتصاعدُ من مكبٍّ مفتوح. هذه ليست مبالغةً بلاغيةً؛ إنها معادلةٌ كيميائيةٌ موثّقةٌ بأرقامٍ تُدين الجميع. الجنوبُ يُحرَقُ مرّتين: مرّةً بنارِ العدوّ، ومرّةً بإهمالِ الدولة.
#أولاً: ماذا يخرجُ من هذه «المحارق» المفتوحة؟
حين تُحرَقُ النفاياتُ في العراء — وفيها البلاستيك (PVC) والنفاياتُ الطبيةُ والإلكترونية — لا يتصاعدُ «دخانٌ» بريء، بل مزيجٌ من أشدِّ ما عرفه علمُ السموم:
الديوكسينات والفورانات: ملوّثاتٌ عضويةٌ ثابتةٌ محظورةٌ باتفاقية ستوكهولم، تتراكمُ في السلسلة الغذائية وأجسادِ الناس، تسبّبُ السرطانَ وتشوّهاتِ المواليد واضطرابَ الغدد والمناعة.
الهيدروكربوناتُ العطريةُ متعددةُ الحلقات (PAHs): من أقوى المسرطنات، تلتصقُ بالجسيمات الدقيقة PM2.5 فتتوغّلُ في عمق الرئة.
المعادنُ الثقيلة (رصاص، زرنيخ، كادميوم): من البطاريات والنفايات الإلكترونية، تفتكُ بالأعصاب والكلى.
هذا ما يتنفّسُه أهلُ صيدا والعباسية وصور كلَّ يومِ حرق. لا مجازاً، بل قياساً مخبرياً.
#ثانياً: الأرقامُ التي لا تكذب
دعوا الأرقامَ تتكلّم، فهي أبلغُ من كلِّ خطبة:
قفزةُ السرطان ٢٠٠٠٪ يومَ الحرق: قربَ موقعِ حرقٍ في بيروت، ارتفعت مخاطرُ السرطان قصيرةِ الأمد من حالةٍ واحدةٍ لكل مليون في الأيام العادية إلى ٢٠ حالةً لكل مليون في أيام الحرق.
ديوكسينٌ يتجاوزُ المرجعَ ٤١٦ مرّة: عيّنةٌ من سطح مبنىً سكنيٍّ قربَ مكبٍّ محروقٍ أظهرت قدرةً مسرطنةً تفوقُ المرجعَ بـ٤١٦ مرّة — هواءٌ غيرُ صالحٍ للتنفس بأيِّ معيارٍ دوليّ.
٧٠٪ من ديوكسين لبنان مصدرُه الاحتراقُ غير المنضبط، و١٥٪ إضافية من المحارق — والإجماليُّ الوطنيُّ قُدِّر بما يصلُ إلى ١٦٥.٨ غرام TEQ سنوياً، رقمٌ هائلٌ لبلدٍ بحجم لبنان.
لبنانُ من الأعلى عالمياً في السرطان: المعدلُ ٢٢٤ حالةً جديدةً لكل ١٠٠ ألف، بارتفاعٍ بلغ ١٦٢٪ بين ١٩٩٠ و٢٠٢٣. وأكثرُ الأنواعِ ارتباطاً بالهواء الملوّث — الرئةُ والمثانةُ والجهازُ التنفسي — هي تحديداً ما يرصدُ أطباءُ الجنوبِ ارتفاعَه.
#ثالثاً: الجنوبُ «المضروب»… حين يتضافرُ التلوّثُ مع الحرب
هنا تكتملُ الجريمة. ما يُحرَقُ في المكبّات لا يُفصَلُ عمّا تركه القصفُ الإسرائيلي. دراساتٌ ميدانيةٌ في جنوب لبنان وجدت في التربة:
الأنتيمون أعلى بستة أضعاف، والزنكُ ٢.٦ مرّة، والنحاسُ ٢.٥ مرّة — معادنُ مرتبطةٌ مباشرةً بالذخائر والمتفجرات.
جسيماتٌ دقيقةٌ من تفجير المنازل والصواريخ تحملُ PAHs وNitro-PAHs المسرطنة، تُضافُ إلى ما ينفثُه الحرق.
مكبّاتٌ كـ«دير قانون رأس العين» والحلوسية والعباسية تتسرّبُ منها عصارةٌ ملوّثةٌ بـPAHs إلى التربة والمياه الجوفية — فتصلُ السمومُ إلى المحصولِ والينبوعِ والرغيف.
هذا هو التلوّثُ المزدوج: رئةٌ تستنشقُ رمادَ المكبّ، وأرضٌ تشربُ معدنَ الصاروخ. العدوُّ قصفَ الجسد، والإهمالُ يسمّمُ ما تبقّى منه.
#رابعاً: حين يصيرُ الحارقُ حاكماً
وفي ذروة الكارثة، يُطرَحُ «الحلُّ» الأغربُ: وزيرةُ البيئة د. تمارا الزين — وهي دكتورةٌ في الكيمياء الفيزيائية ويُفترَضُ أنها الأدرى — اقترحت إنشاءَ محرقةٍ واحدةٍ لحرق ٢.٥ مليون طنٍّ من نفايات لبنان سنوياً لإنتاج الطاقة. والعلمُ نفسُه يردُّ عليها: المحارقُ ليست حلاً بيئياً، بل مصدرٌ مركَّزٌ للديوكسين والمعادن الثقيلة، تنقلُ التلوّثَ من الهواء إلى رمادٍ سامٍّ يُدفَنُ في مكبّاتٍ خطرة. فكيف يُؤتمَنُ على وقف «الجرائم البيئية» مَن يرى في الحرق — ولو مركزياً — حلاً؟ السؤالُ مشروع، والجوابُ معلّقٌ في دخانِ الجنوب.
البديلُ معروفٌ وبسيط: الفرزُ من المصدر، التدويرُ، المعالجةُ. لكنه يحتاجُ إرادةً، والإرادةُ أندرُ من المال في هذا البلد.
#الخاتمة: التحذيرُ والنداء
أيُّها الأحرار، يا أهلَ الجنوب الصابرين: صمدتُم للحديد والنار، فلا تُهزَموا بالصمت أمام الدخان. ما يُقتَلُ به أطفالُكم اليومَ بطيءٌ خفيٌّ لكنه أكيد — سرطانٌ يُزرَعُ في الرئات، وتشوّهٌ يُكتَبُ في الأجنّة، وأرضٌ تُسمَّمُ للأجيال. هذه ليست «شائعاتٍ» بل قياساتُ مختبرٍ ودراساتٌ منشورة.
ارفعوا الصوت: وثّقوا كلَّ مكبٍّ محروق، طالبوا بالفرز لا الحرق، وحمّلوا المسؤولَ مسؤوليتَه كاملةً. فمن حمى أرضَه من المحتلّ قادرٌ على أن يحميَ رئتَه من السمّ. الجنوبُ الذي انتصرَ على الطيران لا يليقُ به أن يُهزَمَ على يدِ مكبّ. دفاعُنا عن الهواء الذي نتنفّسُه جزءٌ من دفاعِنا عن الأرض التي نقف عليها — وكلاهما مقاومة.
قولوا يا رب.
د. وسيم جابر —



