
هجوم صنعاء على الساحل الغربي يقلب موازين الحرب ويخلط أوراق واشنطن وتل أبيب والرياض
كتب إسماعيل النجار.
هجوم صنعاء على الساحل الغربي يقلب موازين الحرب ويخلط أوراق واشنطن وتل أبيب والرياض،
لم يكن الهجوم الذي شنّته قوات صنعاء على امتداد الساحل الغربي، وفق الرواية المطروحة في المشهد اليمني فحسب، اعتبروه هجوماً عشوائياً أو فعلاً انتقامياً عابراً، بل بدا، في قراءة عسكرية واضحة المعالم، وبعملية عسكرية محسوبة التوقيت والأهداف، جاءت هذه في لحظة شديدة الحساسية إقليمياً ودولياً، وفرضت نفسها على حسابات الأطراف جميعهم فكانت تستعد لمرحلة جديدة من التصعيد في المنطقة.
وتكتسب العملية أهميتها، وفق قرائتي من توقيتها السياسي والعسكري إذ جاءت في وقت كان فيه احتمال شنّ هجوم أميركي إسرائيلي جديد على إيران وشيكاً وقآبَ قوسين، وهذا في نظر كثير من المراقبين، بينما كانت التحركات العسكرية الأميركية والإسرائيلية في المنطقة تشير إلى استعدادات واسعة، شملت تعزيز الانتشار البحري والجوي، وتحريك القطع البحرية والطائرات المقاتلة وطائرات التزوّد بالوقود، إلى جانب تكثيف عمليات النقل اللوجستي والذخائر والمعدات العسكرية إلى المنطقة.
وفي هذا السياق، تفترض الرواية أن واشنطن وتل أبيب لم تكونا تستعدان لمواجهة محدودة، وإنما لعملية عسكرية أكبر وأكثر قسوة من المواجهات السابقة، مع تركيز محتمل على ضرب أهداف حيوية وبنى تحتية ومنشآت مدنية حساسة، بما يمكن أن يترك أثراً مباشراً في الحياة اليومية للمجتمع الإيراني.
وكانت طهران، وفق هذه القراءة، تتابع تلك التحركات بدقة، ولا سيما ما يتعلق بالدور السعودي في الإعداد السياسي واللوجستي لأي مواجهة محتملة معها.
*ومن هنا، تبدو المبادرة اليمنية، في نظر كل أصحاب هذه الرؤية، بأنها محاولة ذكية لفتح جبهة موازية في اللحظة التي كانت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاؤهما منشغلين بإعادة ترتيب مسرح المواجهة في الخليج. وبدأ الساحل الغربي يدخل المعادلة السياسيه العسكرية بحسب التقديرات اليمنيه،
من هنا تقدمت قوات أنصار الله براً وبحراً باتجاه مناطق الساحل الغربي والجزر والمواقع الاستراتيجية القريبة من باب المندب، ما أدى إلى انهيار خطوط الدفاع الأمامية للقوات المواليه للسعوديه، ودُفِع بالهجوم إلى التوسع باتجاه مناطق أعمق في الجغرافيا اليمنية الجنوبية.
وتذهب الرواية إلى أن التطورات لم تتوقف عند الساحل الغربي فحسب، بل امتدت باتجاه محافظة تعز وريفها الجنوبي، مع تأكيد سقوط مواقع جبلية مُطِلَّه عليها ومناطق استراتيجية محيطة بالمدينة حيث أصبحت محاصرة من الجهات الأربع ويصعب الدخول أليها او الخروج منها بسبب الإطباق العسكري لأنصار الله، وبالتزامن مع الحصار تم طرح خيار التفاوض لتسوية وضع تعز بأقل قدر ممكن من إراقة الدماء بين أبناء البلد الواحد وعلى ما يبدو ان التسوية أصبحت قابله للتنفيذ.
وفي سياق هذا التقدم، هناك مناطق عدة باعتبارها جزءاً من مسرح العمليات، من بينها المخا، والتربة، والمواسط، إلى جانب حيس والخوخة والوازعية وموزع وذباب، فضلاً عن مناطق واسعة على امتداد الساحل الغربي وباب المندب أصبحت جميعها في قبضة جنود حكومة صنعاء.
ويقدّر المراقبون مساحة الأراضي التي يقولون إن قوات أنصار الله سيطرت عليها بنحو 8000 كيلومتر مربع، وهو رقم كبير جداً نسبياً في غضون يومين أو ثلاثة أيام، وهذا الأمر شكلَ حاله من السخرية لدى الناشطين الغربيين على وسائل التواصل الإجتماعي الذي تابعوا سير المعركة والإنهزام السعودي حيث قال أحدهم ضاحكاً أن بن سلمان يهرول متوسلاً اسلام آباد وأنقرة بعدما رفض ترامب مد يد العون.
* لكن الأهم من مساحة الأرض التي سقطت بيد أنصار الله، هناك قراءة سياسية للعملية، هو ما أحدثته التطورات من تغيير في طبيعة المعادلة الاستراتيجية.
*فإذا كان الهدف من الحرب خلال سنواتها الماضية هو فرض حصار على صنعاء وإبقاء اليمن تحت ضغط عسكري واقتصادي وجغرافي، فإن انتقال العمليات إلى الساحل الغربي وباب المندب فتح الباب أمام معادلة معاكسة! أي تحويل الموقع الجغرافي اليمني نفسه إلى ورقة ضغط على خصوم صنعاء وعلى حركة الملاحة والمصالح الإقليمية المرتبطة بالبحر الأحمر.
*ومن هنا تأتي أهمية باب المندب فالمضيق لا يمثل مجرد موقع جغرافي يمني، بل عقدة استراتيجية تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وأي تغيير في ميزان السيطرة حوله يمكن أن ينعكس مباشرة على الحسابات السعودية والإقليمية والدولية.
وبحسب منطق قرائتنا للأحداث، فإن واشنطن وتل أبيب والرياض وجدت نفسها أمام مشهد مختلف عما اعتادت عليه خلال السنوات الماضية فبدل أن تبقى الجبهة اليمنية ساحة ضغط على صنعاء، أصبحت صنعاء تمتلك القدرة على نقل الضغط إلى ساحات وممرات استراتيجية أكثر حساسية.
*إذاً الرياض أمام اختبار صعب، وفي المقابل، تبدو أنها وفق هذه الرؤية، أمام اختبار عسكري وسياسي معقد. فالحرب التي بدأت بهدف احتواء أنصار الله ومنعهم من تهديد العمق السعودي تحولت، مع مرور الوقت، إلى مواجهة طويلة لم تتمكن القوة العسكرية السعودية وحدها من حسمها.
وسأذهب في هذه القراءة إلى أن الرياض باتت تبحث عن توسيع دائرة الدعم الخارجي، والاستعانة بحلفاء إقليميين ودوليين، بعدما أثبتت التطورات الميدانية أن التفوق في الطيران والتسليح لا يعني بالضرورة القدرة على حسم حرب برية أمام قوات تمتلك خبرة طويلة في القتال الجبلي وحرب الاستنزاف.
*وتزداد صعوبة الموقف السعودي إذا ما توسعت جبهة المواجهة، وأصبحت الرياض مطالبة في الوقت نفسه بحماية حدودها الجنوبية، وتأمين منشآتها الحيوية، ومراقبة البحر الأحمر، ومواجهة التداعيات الاقتصادية والأمنية لأي اضطراب في خطوط الملاحة.
*لاحظوا أوجه الشبه في هذه المعادلات الإقليمية الحاصله، والتي تحمل التطورات اليمنية صورة عنها ذات وجهين، ووفق قرآءتي للأحداث، فإن أوجه الشبه مع المعادلة التي حاولت الولايات المتحدة وحلفاؤها الخليجيون فرضها على إيران؛ إذ جرى بناء ترتيبات عسكرية وسياسية هدفها تطويق طهران والضغط عليها، قبل أن تظهر مخاطر الانعكاس العكسي لهذه السياسة عندما أصبحت الممرات البحرية والمنشآت الحيوية والقواعد العسكرية نفسها عرضة للتهديد الإيران والملاحه تحت سيطرتها الناريه بالكامل وأصبحت إيران تحاصر اميركا والخليج وليس العكس.
وفي الحالة اليمنية أوجه الشبه ذاتها، لقد تحول باب المندب إلى ورقة استراتيجية مقابلة للورقة التي يمثلها مضيق هرمز بالنسبة إلى إيران؛ *فالمعادلة البحرية في المنطقة لا تقوم فقط على حجم الأساطيل، وإنما كذلك على القدرة على تعطيل خطوط الملاحة ورفع كلفة الحرب على الخصم. وهنا تكمن المفارقة الكبرى فكلما اتسعت الحرب جغرافياً، أصبحت كلفة احتواء صنعاء أعلى، وأصبح استمرار الحرب نفسها مصدر ضغط على القوى التي دخلت النزاع بهدف تحقيق حسم سريع.
*الجيش السعودي اليوم يبحث عن حلفاء ويتوسل عواصم إسلامية! وتكشف التطورات، بحسب ما نرى، عن نقطة ضعف أساسية في الاستراتيجية العسكرية السعودية فإن الفجوة بين التفوق التقني والقدرة على خوض حرب برية طويلة وفعالة كبير جداً. الجيش السعودي يمتلك أسلحة متطورة وطائرات حديثة ومنظومات دفاعية متقدمة، لكن امتلاك التكنولوجيا العسكرية لا يحسم وحده حرباً يخوضها الخصم بأسلوب مختلف، يعتمد على الانتشار الجغرافي، والمرونة، والمعرفة الدقيقة بالتضاريس، والقدرة على الاستنزاف وطول النفس.
ومن هنا يأتي اللجوء السعودي إلى الحلفاء بوصفه مؤشراً على صعوبة الاعتماد على القوة السعودية وحدها في مواجهة قوات يمنية راكمت خبرة قتالية كبيرة خلال سنوات الحرب. وفي هذا الإطار، يبرز الحديث عن الاستعانة بباكستان وتركيا ومرتزقه من سوريا بدعم من الجولاني وغيرهما من الحلفاء لتوفير دعم عسكري وسياسي يخفف العبئ عن الرياض ويمنع تحول الحرب إلى استنزاف مفتوح.
وبذلك، فإن الصورة التي تفرض نفسها اليوم، وفق تقديرنا، هي أن الحرب لم تعد مجرد صراع يمني داخلي أو مواجهة سعودية يمنية تقليدية، بل أصبحت جزءً من صراع إقليمي أوسع تتقاطع فيه حسابات إيران والولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية، وتلعب فيه الجغرافيا اليمنية وممرات البحر الأحمر وباب المندب دوراً يتجاوز بكثير حدود اليمن.
*لقد كان الرهان الصهيوسعودي أمريكي على إبقاء اليمن تحت الضغط، لكن تطورات الميدان قد تقلب المعادلة إلى الاتجاه المعاكس، من محاولة حصار صنعاء إلى الخوف من أن تصبح صنعاء نفسها طرفاً قادراً على فرض الحصار الاستراتيجي على خصومها. وهنا تحديداً تكمن خطورة التحول فكلما عجزت القوة العسكرية المتفوقة تقنياً عن تحقيق الحسم على الأرض، ازداد اعتمادها على الحلفاء، واتسعت رقعة الصراع، وتحولت الحرب من عملية تستهدف فرض إرادة سياسية إلى معركة مفتوحة لإعادة رسم ميزان القوى في المنطقة.
بيروت في،،، 9/10/2026



