مثلث الذهب الأسود في اليمن: صراع الثروة والنفوذ بين شفرات الحقول وسلطة الموانئ .

 

أشرف التهامي.

 

بينما تشتعل خطوط المواجهة في خريطة الصراع اليمني، تتركز المعركة الحقيقية على “مثلث الذهب الأسود” المكون من مأرب، شبوه، وحضرموت. هذا المثلث الاستراتيجي يضم الجزء الأثقل من الثروة النفطية والغازية بعيداً عن القبضة الحوثية، لكن الحوثيين نجحوا في هندسة معادلة معقدة:

” حرموا خصومهم من عائدات هذه الثروة الضخمة عبر تعطيل موانئ التصدير دون أن يضعوا برميل نفط واحد تحت سيطرتهم المباشرة”.

إنها حرب نفس طويل واقتصاد استراتيجي تُدار من خلف الشاشات، حيث تتحكم خطوط الأنابيب والموانئ وفسيفساء الجيوش المحلية في مصير المنطقة بأكملها.

التفاصيل:

1-شرايين الطاقة وخطوط الأنابيب الاستراتيجية:

تمتد شبكة النفط والغاز اليمنية عبر مسارات رئيسية تربط منابع الإنتاج بمنافذ التصدير البحرية:

· قطاع مأرب والجوف: تنطلق منه خطوط أنابيب النفط باتجاه ميناء راس عيسى على البحر الأحمر بطاقة تصميمية تصل إلى 300,000 برميل يومياً، بالإضافة إلى خط الغاز الطبيعي المسال الذي يمتد نحو 325 كم جنوباً إلى منشأة بلحاف في شبوه بطاقة تصل إلى 7 ملايين طن سنوياً.

· محافظة شبوه: تضم عقدتين حيويتين للنفط والغاز، من بينها طريق النفط الممتد نحو بئر علي على الساحل.

· محافظة حضرموت: تمثل القلب الناضج للإنتاج النفطي عبر قطاع المسيلة (14) وشبكة حوض سيئون والمسيلة، وينطلق منها خط المسيلة إلى الشحر على بحر العرب بطاقة تصميمية تبلغ 325,000 برميل يومياً.

2-سلاح تعطيل التصدير ومفارقات السيطرة:

· أدت الهجمات الحوثية على منشآت التصدير أواخر عام 2022 إلى توقف الصادرات الحكومية الرسمية بشكل كامل منذ يناير 2023، مما وجه ضربة قاصمة لعائدات الحكومة الشرعية.

· في المقابل، يعتمد الحوثيون على موانئ الحديدة والصليف وراس عيسى في استيراد الوقود وإدارة التجارة، رغم تراجع واردات الوقود عبر موانئهم بنسبة 37% متأثرة بالأضرار البنية التحتية والقيود التجارية.

3-فسيفساء القوى وحماية مثلث الثروة:

· لا يحمى مثلث الطاقة في الشرق قوة عسكرية واحدة، بل تسيطر عليه تشكيلات متعددة تشمل قوات حكومية وقبلية في مأرب، وقوات أمنية وعسكرية في شبوه، وقوات درع الوطن وتشكيلات أخرى تنتشر في حضرموت والجنوب.

· هذا التنوع والإنقسام بين القوى المناهضة للحوثيين يمنع اختزال الشرق في جبهة واحدة، لكنه في الوقت ذاته يخلق ثغرات وتوترات داخلية تضعف تماسك الجبهات.

وختاماً ، إن المشهد في الشرق اليمني لم يعد مجرد مواجهة تقليدية على مساحات جغرافية عابرة، بل تحول إلى لوحة معقدة تتشابك فيها المصالح القبلية، والانقسامات الداخلية، وشبكات الطاقة الدولية.

وفي ظل هذا التصدع المستمر في جبهات الخصوم وتمدد نفوذ الحوثيين نحو السواحل الحيوية ومضيق باب المندب, باتت الخطوط الفاصلة بين استقرار الاقتصاد اليمني وانهياره الكامل أوهن من أن تتحمل صدمة جديدة، لتصبح جبهة الشرق هي البوابة الأخيرة التي تقف عائقاً أمام إعادة رسم خريطة النفوذ الإقليمي بالكامل.

و هنا يبقى السؤال: ماذا لو سقط مثلث مأرب وشبوه حضرموت بالكامل تحت قبضة الحوثيين؟

قطعاً ستنتقل السيطرة على الجزء الأكبر من ثروات اليمن النفطية والغازية ومرافق نقله وتصديره إلى أيديهم, مما يمنحهم نفوذاً ممتداً من منابع الطاقة إلى بحر العرب وباب المندب, ويحول خطرهم إلى تهديد مباشر ومكتمل الأركان لأمن الطاقة والملاحة واستقرار المنطقة بأكملها.

 

 

شارك