
الحسم الذي أضحى مستحيلاً
بقلم: أمين السكافي
ليست كل حربٍ تُقاس بما تدمّره من بيوت، ولا بما تحصده من أرواح، ولا بعدد الطائرات التي تُقلع والصواريخ التي تسقط. ثمة حروب يُقاس مصيرها بسؤال واحد: من يستطيع أن يصمد أكثر؟ ومن يملك القدرة على مواصلة القتال حين تتعب الجبهات، وتختنق الأسواق، وتتراجع الثقة، وتتحول الأيام من رصيدٍ عسكري إلى عبءٍ سياسي واقتصادي واجتماعي؟
هنا تبدأ الحكاية الإسرائيلية التي لم تستوعب قيادتها، حتى اليوم، أن التفوق العسكري لا يمنح صاحبه بالضرورة القدرة على الحسم، وأن تدمير المكان لا يعني إخضاع الإنسان، وأن الحرب التي تبدأها القيادة وهي تعدّ أيامها قد تجد نفسها، بعد أسابيع أو أشهر، أسيرةً لقرار إنهائها، تبحث عمّن يفتح لها باب الخروج.
منذ تأسيس الكيان الإسرائيلي عام 1948، تشكّلت عقيدته العسكرية على أساس التفوق النوعي، والمبادرة، ونقل المعركة إلى أرض الخصم، وتحقيق أهدافها في أقصر وقت ممكن. ولم يكن ذلك مجرد تفضيل تكتيكي، بل ارتبط بطبيعة المجتمع الإسرائيلي، وحجم موارده البشرية، واعتماده الكبير على قوات الاحتياط، فضلًا عن حاجته إلى إبقاء الحياة الاقتصادية والمدنية دائرةً في مجتمع لا يستطيع تحمّل تعبئة واسعة ومفتوحة إلى أجل غير معلوم.
فالجيش الإسرائيلي ليس مؤسسة عسكرية منفصلة عن المجتمع؛ إنه جزء من نسيجه اليومي. وحين يُستدعى الاحتياط بأعداد كبيرة، لا تنتقل أعداد من الرجال إلى الجبهات فحسب، بل يغادر موظفون مؤسساتهم، وعمال مصانع مواقعهم، ومزارعون حقولهم، وأصحاب أعمال متاجرهم، وتتأثر قطاعات الصحة والخدمات والنقل والسياحة والتجارة. وكلما طال الاستدعاء، ازدادت كلفة الحرب على الدولة والمجتمع، واتسعت الفجوة بين متطلبات الجبهة وحاجات الحياة الطبيعية.
وهذا لا يعني أن إسرائيل عاجزة عن خوض الحروب الطويلة، أو أن كل حرب قصيرة كانت انتصارًا استراتيجيًا مكتملًا؛ بل يعني أن إطالة الحرب تفرض عليها أثمانًا متراكمة، وأن الحسم السريع ظل، في كثير من محطاتها العسكرية، هدفًا أساسيًا تسعى إليه قبل أن تنقلب المعركة إلى استنزاف مفتوح.
من الحسم إلى الاستنزاف
في حرب عام 1948، خاضت إسرائيل حربها الأولى مع الجيوش العربية، وخرجت منها وقد وسّعت المساحة التي سيطرت عليها، لكنها لم تنهِ الصراع العربي الإسرائيلي. ثم جاء العدوان الثلاثي عام 1956، بمشاركة إسرائيل وبريطانيا وفرنسا ضد مصر، وانتهى تحت ضغط دولي، ليكشف أن التفوق العسكري لا يكفي وحده لفرض النتائج السياسية. وفي حزيران 1967، حققت إسرائيل انتصارها العسكري الخاطف على مصر وسوريا والأردن خلال ستة أيام، واحتلت أراضي عربية واسعة، في واحدة من أكبر الهزائم التي عرفها التاريخ العربي الحديث.
لكن حتى في ذروة التفوق الإسرائيلي، لم تكن كل المعارك تسير وفق الحسابات المرسومة. ففي معركة الكرامة عام 1968، في الأردن، واجه الجيش الإسرائيلي مقاومة فلسطينية وأردنية شرسة، وانسحب بعد معركة كشفت أن الجندي الذي يواجه مقاومة مصممة على القتال ليس أمام نزهة عسكرية، مهما امتلك من سلاح.
ثم جاءت حرب تشرين عام 1973، التي قلبت حسابات التفوق المطلق، حين عبر الجيش المصري قناة السويس وحطّم خط بارليف، فيما خاض الجيش السوري معارك الجولان. لم تنته الحرب بانتصار عربي عسكري شامل، لكنها كسرت صورة الجيش الذي لا يُقهر، وأثبتت أن المفاجأة والتخطيط والإرادة تستطيع أن تفرض على إسرائيل حربًا لم تختر توقيتها ولا مسارها بالكامل.
وفي عامي 1978 و1982، اجتاحت إسرائيل لبنان، وصولًا إلى بيروت، وكان من أهداف اجتياح 1982 إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، وهو ما تحقق بخروج قيادتها ومقاتليها من بيروت. لكن إسرائيل، التي استطاعت تحقيق هدف عسكري وسياسي كبير، لم تستطع تحويل اجتياحها إلى استقرار دائم؛ إذ واجهت مقاومة متصاعدة، فتحوّل الاحتلال الذي ظنته قابلًا للإدارة إلى عبء أمني وعسكري استمر حتى عام 2000.
وهنا تبدأ الصفحة التي غيّرت طبيعة المواجهة.
لم تعد المشكلة الإسرائيلية مجرد جيش عربي نظامي يمكن استهداف قواعده ومطاراته ومراكزه في ضربة افتتاحية. باتت أمام مقاومة تعمل في أرضها، وتستند إلى بيئة اجتماعية وجغرافية تعرف تضاريسها، وتستطيع إعادة تنظيم صفوفها بعد الضربات. ولم يعد السؤال: كم يومًا تحتاج إسرائيل إلى بدء الحرب؟ بل: كيف تنهيها بعدما تبدأ؟
في عام 1993، شنّت إسرائيل عملية «تصفية الحساب»، واستمرت نحو أسبوع. وفي نيسان 1996، أطلقت عملية «عناقيد الغضب»، التي استمرت ستة عشر يومًا، وانتهت بتفاهم نيسان، من دون أن تتمكن من إنهاء المقاومة. وبين العمليتين، وبعدهما، بقيت محاولات فرض معادلة أمنية جديدة تصطدم بحقيقة أن القصف والضغط على المدنيين لا يضمنان إسكات المقاتلين.
وفي أيار 2000، اضطرت إسرائيل إلى الانسحاب من جنوب لبنان، منهية احتلالًا دام اثنين وعشرين عامًا، من دون اتفاق سلام أو تسوية تفرض على المقاومة التخلي عن سلاحها. كان ذلك تحولًا استراتيجيًا: جيش يمتلك التفوق الجوي والتكنولوجي لم يستطع الاحتفاظ بأرض يحتلها في مواجهة مقاومة مستمرة.
وجاء تموز 2006 ليضع العقيدة الإسرائيلية أمام اختبار أشد قسوة. دخلت إسرائيل الحرب وهي تتحدث عن سحق حزب الله وتغيير الواقع على الحدود، وتوقعت أن تحقق القوة النارية والعمليات البرية حسمًا سريعًا. لكن الحرب استمرت ثلاثة وثلاثين يومًا، وتكبد لبنان خلالها دمارًا هائلًا وخسائر بشرية جسيمة، فيما أخفقت إسرائيل في تحقيق هدفها المعلن بالقضاء على المقاومة. وانتهت الحرب بالقرار 1701، بعدما تصاعدت الضغوط لإنهائها، وبقي حزب الله قائمًا، رغم الضربات التي تلقاها.
لم تكن تلك نهاية المحاولات، بل بداية مرحلة أكثر تعقيدًا. فكلما أخفقت الحرب في إنتاج الحسم، عادت القيادة الإسرائيلية إلى توسيع القوة المستخدمة، وكأن زيادة النار تستطيع تعويض غياب المخرج السياسي.
ثلاث سنوات بلا حسم؟
منذ السابع من أكتوبر 2023، دخلت المنطقة مرحلة مختلفة، واتسعت المواجهة إلى جبهات متعددة. وفي لبنان، تحولت المواجهة إلى حرب واسعة، ثم إلى جولات تصعيد جديدة، بما جعل الشمال الإسرائيلي وسكانه واقتصاده جزءًا من كلفة الصراع. ومع ذلك، لا بد من التمييز بين جبهات الحرب ومراحلها؛ فالحرب في غزة شهدت وقفًا لإطلاق النار في أكتوبر 2025، بينما تجددت المواجهة في لبنان عام 2026. لكن السؤال الاستراتيجي الذي تفرضه هذه السنوات يبقى واحدًا: هل تستطيع إسرائيل تحويل تفوقها العسكري إلى نهاية نهائية للمقاومة؟
إن كلفة التعبئة والقتال ليست استنتاجًا سياسيًا فحسب. فقد أشار بنك إسرائيل إلى أن استدعاء قوات الاحتياط، وتعطل التعليم، ونزوح السكان، ساهمت في خسارة نحو 2.3 مليار شيكل أسبوعيًا من عرض العمل خلال الأسابيع الخمسة الأولى من حرب 2023، وفق تقديره آنذاك. كما حذّر البنك، في تقاريره اللاحقة، من استمرار القيود على سوق العمل والإنتاج والاستثمار بسبب التعبئة العسكرية وتداعيات الحرب.
وهنا تكمن المعضلة: يستطيع الجيش الإسرائيلي تدمير الأبنية، واستهداف القيادات، وإلحاق خسائر مؤلمة بالمقاومة، لكنه لا يستطيع أن يعلن القضاء عليها لمجرد أنه دمّر حيًا أو احتل قرية. فالحسم العسكري له معايير تتجاوز حجم الدمار، من بينها القدرة على منع إعادة بناء القدرات، وتحقيق الأهداف السياسية، وضمان أمن مستدام بعد توقف القتال.
وفي جنوب لبنان، تتداخل الجغرافيا مع التاريخ والذاكرة الاجتماعية. عامِل وتبنين وبنت جبيل ومارون الراس ليست أسماء على خريطة عمليات؛ إنها قرى وبلدات وبيوت وأرزاق وأشجار زيتون وتبغ، ومجتمع ارتبطت حياته بالأرض. يمكن للعدوان أن يدمّر منزلًا أو يقتلع شجرة، لكنه لا يستطيع أن يمحو بهذه السهولة علاقة الناس بأرضهم، ولا أن يضمن أن الدمار سيقود إلى الاستسلام.
ومع ذلك، فإن بقاء التنظيمات وقدرتها على التعافي لا يُقاسان بالشعارات وحدها، بل بالأدلة الميدانية والتنظيمية، كما أن الخسائر البشرية والدمار الذي يصيب لبنان ليسا تفصيلًا يمكن تجاوزه. فالمقاومة التي تواجه جيشًا متفوقًا تحتاج إلى القدرة على الاستمرار، لكن البلاد تحتاج أيضًا إلى حماية شعبها وإعادة إعمار ما تهدّم، وإلى قرار وطني يحدد طريق التحرير ويحفظ مصالح اللبنانيين.
أما الدولة اللبنانية، فلا يكفي أن تعلن التزامها بإخراج الاحتلال؛ عليها أن تترجم ذلك إلى قدرة فعلية على حماية الأرض والسيادة. وفي المقابل، لا يستطيع أحد أن يفترض أن الاحتلال سيزول تلقائيًا، أو أن استمرار الاستنزاف وحده يضمن التحرير. فالنهايات تصنعها موازين القوى، والقرارات، والقدرة على تحويل الصمود إلى نتيجة سياسية وميدانية.
وهكذا، تبدو إسرائيل أمام معضلة تتجاوز حدود الجنوب: إذا استمرت في الحرب، دفعت أثمانًا اقتصادية واجتماعية وأمنية متراكمة؛ وإذا أوقفتها من دون تحقيق أهدافها المعلنة، واجهت سؤال الإخفاق في الداخل؛ وإذا وسّعت عملياتها، فتحت الباب أمام كلفة جديدة لا تملك ضمانة حسمها.
ذلك هو الحسم الذي أضحى مستحيلًا، أو على الأقل أكثر صعوبة من أن يُفرض بالنار وحدها. ليست المسألة أن إسرائيل فقدت قدرتها على القتل والتدمير، فهي ما زالت تمتلك تفوقًا عسكريًا كبيرًا، بل أنها تواجه حدودًا متزايدة في تحويل هذا التفوق إلى إخضاع سياسي دائم.
وفي جنوب لبنان، حيث تختلط رائحة التراب المحروق برائحة التبغ والزيتون، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع القوة أن تنتصر على أرض ترفض أن تنسى أهلها، وعلى مقاومة لم يثبت بعد أن الحرب أنهت وجودها؟ أم أن إسرائيل ستكتشف، مرة أخرى، أن بدء الحرب قرار يمكن اتخاذه في ساعات، أما إنهاؤها بشروط المنتصر فمسألة أخرى قد تستغرق سنوات، وربما تظل بعيدة المنال؟



