
الحشد الشعبي العراقي… من فتوى الدفاع عن الوطن إلى معادلة السلاح والدولة
بقلم: أمين السكافي.
لم يكن ظهور الحشد الشعبي في العراق حدثاً عسكرياً عادياً، بل كان نتيجة لحظة كادت فيها الدولة العراقية أن تفقد وجودها أمام هجوم تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، الذي اجتاح الموصل في حزيران 2014، واندفع نحو مناطق واسعة من البلاد. يومها، لم تكن المعركة على مدينة أو محافظة فحسب، بل على بقاء العراق نفسه، وعلى مصير مكوناته الدينية والقومية، في ظل انهيار وحدات من الجيش وتراجع المؤسسات الأمنية.
لكن الحشد الذي وُلد لمواجهة خطر وجودي تحوّل، مع مرور السنوات، إلى مؤسسة رسمية ذات نفوذ عسكري وسياسي واقتصادي، وأصبح أحد أكثر الملفات تعقيداً في علاقة بغداد بطهران وواشنطن، وفي الصراع على هوية الدولة العراقية ومستقبل قرارها الأمني.
أولاً: متى تأسس الحشد، ومن أسسه؟
تعود نقطة الانطلاق إلى 13 حزيران 2014، عندما أصدر المرجع الديني الأعلى في العراق، السيد علي السيستاني، فتوى الجهاد الكفائي، داعياً القادرين إلى التطوع للدفاع عن البلاد في مواجهة تنظيم داعش.
لم يؤسس السيستاني الحشد بوصفه قائداً تنظيمياً أو عسكرياً، لكنه وفّر النداء الديني الذي أسهم في تعبئة أعداد كبيرة من المتطوعين. وتولت الحكومة العراقية آنذاك، برئاسة نوري المالكي ثم خلفه حيدر العبادي، تنظيم التشكيلات العسكرية التي انضمت إلى جهود الدفاع عن البلاد.
وضمت هذه التشكيلات فصائل شيعية كانت موجودة قبل عام 2014، مثل منظمة بدر وعصائب أهل الحق وكتائب حزب الله، إلى جانب متطوعين جدد وتشكيلات سنية ومسيحية وتركمانية وشبكية وإيزيدية.
وفي عام 2016، أقر البرلمان العراقي قانون هيئة الحشد الشعبي رقم 40، الذي جعلها تشكيلاً يتمتع بالشخصية المعنوية، وجزءاً من القوات المسلحة العراقية، ويرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة. ونص القانون على خضوعها للقوانين العسكرية، وعلى فك الارتباط التنظيمي بين منتسبيها والأطر السياسية والحزبية.
ثانياً: كم يبلغ عدد أفراده، وما مذاهب المنتمين إليه؟
تشير تقديرات وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، المنشورة في تشرين الثاني 2024، إلى أن عدد منتسبي الحشد المسجلين تراوح بين 204 آلاف و238 ألفاً، مع اعتقاد بأن العدد الفعلي قد يكون أعلى. ولا تتوافر أرقام مستقلة حديثة تسمح بتحديد العدد الدقيق لجميع المقاتلين والمنتسبين في عام 2026.
يشكل الشيعة غالبية الحشد، لكن اختزاله في مذهب واحد لا يعكس تركيبته الكاملة. فقد شاركت فيه تشكيلات سنية وعشائرية، إلى جانب مجموعات من الأقليات الدينية والقومية، وإن اختلف حجمها ونفوذها عن الفصائل الكبرى.
كما أن الحشد ليس تنظيماً متجانساً؛ فبعض فصائله أقرب إلى المرجعية الدينية في النجف، وبعضها يرتبط سياسياً وعسكرياً بإيران، فيما تتمتع تشكيلات أخرى بعلاقات محلية وعشائرية خاصة.
وهذا التباين أساسي لفهم الحشد: فليس كل منتسبيه يتبنون الموقف السياسي نفسه، ولا يمكن اعتبار كل وحدة فيه خاضعة بالدرجة نفسها للنفوذ الإيراني.
ثالثاً: ما أبرز المعارك التي خاضها؟
شارك الحشد، بالتعاون مع الجيش العراقي والشرطة الاتحادية والقوات المحلية والدولية، في معارك مفصلية ضد داعش.
من أبرزها معارك جرف الصخر في محافظة بابل عام 2014، وآمرلي وتكريت، ومعارك بيجي ومحيط مصفاة النفط، ثم الفلوجة عام 2016. وأسهمت تشكيلاته في استعادة مناطق وطرق استراتيجية، وفي تثبيت خطوط الدفاع عن بغداد والمناطق المحيطة بها.
لكن من الضروري عدم نسبة جميع الانتصارات إلى الحشد وحده؛ فقد كان تحرير الموصل عام 2017 عملية شاركت فيها تشكيلات متعددة، وكان الجيش العراقي وجهاز مكافحة الإرهاب والشرطة الاتحادية والقوات الكردية، إلى جانب الدعم الجوي للتحالف الدولي، أطرافاً رئيسية فيها.
ومع هزيمة السيطرة الإقليمية لداعش، انتقل دور الحشد تدريجياً من العمليات الهجومية الواسعة إلى تثبيت الأمن وملاحقة الخلايا المتبقية والانتشار في المناطق المحررة.
وقد رافقت بعض عملياته اتهامات بانتهاكات وعمليات انتقامية واعتقالات تعسفية . ولذلك فإن تقييم تجربته يتطلب الاعتراف بدوره في قتال داعش مع بعض الإنتهاكات التي تحصل في الحروب عادة .
رابعاً: من أبرز قادته السابقين والحاليين؟
يبرز اسم أبو مهدي المهندس، الذي كان نائباً لرئيس هيئة الحشد وأحد أبرز قادته الميدانيين، قبل مقتله مع قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني في ضربة أميركية قرب مطار بغداد في كانون الثاني 2020.
ومن الشخصيات المؤسسة والبارزة أيضاً هادي العامري، قائد منظمة بدر، وقيس الخزعلي، زعيم عصائب أهل الحق، وأكرم الكعبي، قائد حركة حزب الله النجباء.
أما على مستوى قيادة المؤسسة الرسمية، فيتولى فالح الفياض رئاسة هيئة الحشد الشعبي، فيما ارتبط منصب رئيس الأركان باسم عبد العزيز المحمداوي، المعروف بأبي فدك.
ويجب التمييز هنا بين قيادة الهيئة الرسمية وقيادات الفصائل؛ فوجود هذه الفصائل داخل المظلة القانونية للحشد لا يعني بالضرورة تطابق تسلسل القيادة الفعلي أو وحدة القرار في جميع الظروف.
وقد أكدت قيادة الحشد في تصريحات رسمية خلال حزيران 2026 أن الهيئة تعمل تحت سلطة القائد العام للقوات المسلحة، فيما بقيت مسألة إنهاء الارتباطات السياسية والحزبية لبعض التشكيلات موضع نقاش وإجراءات حكومية.
خامساً: هل الحشد جزء من محور المقاومة؟
سياسياً واستراتيجياً، ترتبط فصائل بارزة داخل الحشد بما يُعرف بمحور المقاومة، وهو شبكة من القوى التي تتقاطع مصالحها مع إيران في مواجهة النفوذ الأميركي وإسرائيل.
لكن الحشد الشعبي، بمفهومه المؤسسي، أوسع من هذا المحور؛ إذ يضم تشكيلات مختلفة في توجهاتها وعلاقاتها الخارجية.
وتتمتع إيران بنفوذ واضح في فصائل عراقية بارزة، عبر العلاقات العسكرية والتدريب والتسليح والتنسيق السياسي. إلا أن النفوذ الإيراني لا يلغي وجود حسابات عراقية محلية، أو التنافس بين الفصائل، أو اختلافها حول كيفية التعامل مع الحكومة والولايات المتحدة.
أما العلاقة بحزب الله اللبناني، فتقوم على التقارب الأيديولوجي والسياسي والعسكري بين بعض الفصائل، ولا سيما كتائب حزب الله والنجباء، وبين الحزب اللبناني. لكن هذا التقارب لا يعني أن جميع تشكيلات الحشد تتلقى أوامرها من حزب الله.
وبعد اندلاع حرب غزة في تشرين الأول 2023، أعلنت فصائل عراقية تعمل تحت عنوان «المقاومة الإسلامية في العراق» مسؤوليتها عن هجمات استهدفت مواقع أميركية في العراق وسوريا، كما أعلنت عمليات مرتبطة بمواجهة إسرائيل. وقد أسهمت هذه الهجمات في توسيع نطاق المخاطر الإقليمية، لكنها لم تكن تعبيراً عن موقف موحد لكل منتسبي الحشد.
أما اليمن، فتتقاطع مواقف فصائل عراقية مع حركة أنصار الله في رفض إسرائيل والوجود العسكري الأميركي، وفي دعم القضية الفلسطينية. غير أن هذا التقاطع السياسي لا يكفي وحده لإثبات وجود قيادة عملياتية موحدة أو علاقة تنظيمية مباشرة بين جميع هذه القوى.
سادساً: أين ينتشر الحشد، وما علاقته بسوريا الشرع؟
ينتشر الحشد في مناطق متعددة من العراق، وفق تشكيلاته ومهامه الأمنية، مع حضور مهم في نينوى وصلاح الدين والأنبار ومناطق أخرى شهدت معارك ضد داعش، إضافة إلى وحدات في بغداد ومناطق وسط البلاد وجنوبها.
وتكتسب المناطق الغربية والشمالية أهمية خاصة بسبب الحدود السورية، التي كانت خلال الحرب السورية ممراً للمقاتلين والسلاح، ثم أصبحت تحدياً أمنياً جديداً بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024.
لقد دخلت العلاقة بين بغداد ودمشق مرحلة مختلفة مع وصول أحمد الشرع إلى السلطة. وكانت الشكوك متبادلة في البداية، نظراً إلى الخلفية السابقة للسلطة السورية الجديدة، وإلى الدور الذي أدته فصائل عراقية في دعم نظام الأسد.
لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن المصالح الأمنية تفرض قدراً من التعاون البراغماتي. فقد توسعت الاتصالات بين البلدين بشأن ضبط الحدود ومكافحة داعش والتهريب، فيما بات المسؤولون الأمنيون على جانبي الحدود يتبادلون المعلومات لتجنب سوء التقدير.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «ذا ناشيونال» في آب 2026، تحسن التعاون الأمني العراقي السوري، رغم استمرار انعدام الثقة بين بعض الأطراف. وهذا يعني أن علاقة الحشد بالسلطة السورية الجديدة لا يمكن وصفها بأنها مواجهة مفتوحة بالضرورة، ولا بأنها تحالف سياسي؛ بل تتأثر بموقف الحكومة العراقية وحساباتها الأمنية وبالعلاقات الإقليمية المتغيرة.
سابعاً: مَن يمثله سياسياً، وكيف علاقته بالدولة والمجتمع؟
لا يمتلك الحشد ممثلاً سياسياً واحداً يحتكر التعبير عن جميع منتسبيه. لكن شخصيات وفصائل مرتبطة به تتمتع بنفوذ داخل البرلمان والحكومة، وأبرزها منظمة بدر بزعامة هادي العامري، وعصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي، وشخصيات ضمن التحالفات السياسية الشيعية.
وقد ارتبطت هذه القوى بتحالف الفتح، الذي خاض الانتخابات العراقية عام 2018، فيما تغيرت التحالفات السياسية لاحقاً وتوزعت قوى الحشد على أطر سياسية متعددة.
وتتمثل المعضلة في أن القانون يفصل بين العضوية العسكرية والنشاط الحزبي، لكن الروابط السياسية والاجتماعية بين بعض الفصائل والقوى الحزبية ظلت مؤثرة في الحياة العامة.
أما شعبياً، فيحظى الحشد بتقدير لدى قطاعات من العراقيين بسبب دوره في مواجهة داعش وتضحيات مقاتليه، بينما ينتقده البعض بسبب نفوذ بعض الفصائل، والاتهامات بانتهاكات، والخشية من أن تصبح القوة المسلحة موازية لسلطة الدولة.
وفي عام 2026، ازدادت الضغوط على الحكومة العراقية لضبط الفصائل المسلحة، وسط خلافات بشأن السلاح الثقيل والهجمات على المصالح الأميركية، ومطالب بإنهاء أي قيادة عسكرية خارج سلطة الدولة الفعلية. وتكشف هذه الضغوط أن مستقبل الحشد بات جزءاً من معركة أوسع حول استقلال القرار العراقي وعلاقة بغداد بواشنطن وطهران.
الخاتمة: حشدٌ أنقذ الدولة… أم دولة تحتاج إلى إعادة تنظيم الحشد؟
لا يمكن فهم الحشد الشعبي خارج الظروف التي أنشأته: انهيار أمني خطير، وهجوم لداعش، وفتوى دينية دفعت آلاف العراقيين إلى حمل السلاح دفاعاً عن بلدهم. كما لا يمكن تجاهل دوره في استعادة مناطق واسعة وإنهاء السيطرة الإقليمية للتنظيم.
لكن نجاحه في الحرب لا يحسم وحده السؤال المتعلق بمستقبله في زمن السلم. فالدولة التي تحتاج إلى جميع أبنائها للدفاع عن أرضها، تحتاج أيضاً إلى أن يكون السلاح فيها خاضعاً لقرار وطني واضح، وأن تُحاسب جميع تشكيلاتها وفق القانون، وأن يُمنع استخدام القوة في الصراع السياسي الداخلي.
إن مستقبل الحشد لن يتحدد بمدى قربه من إيران أو ابتعاده عنها وحده، بل بقدرته على التوفيق بين هويته التي تشكلت في مواجهة داعش، وبين متطلبات الدولة العراقية الحديثة.
فالعراق الذي احتاج إلى الحشد كي لا يسقط في لحظة الخطر، يحتاج اليوم إلى مؤسسات قوية تمنع عودة الخطر، وتحفظ تضحيات مقاتليه، وتضمن أن يبقى قرار الحرب والسلم قراراً عراقياً لا ينازعه فيه أحد.



