هل تنتهي الحرب حين يصمت السلاح ؟ ماذا ستفعل تركيا بالهدوء الذي حصلت عليه ؟

 

 

أ د بشير عصمت

 

 

 

إذا كان التحول الذي قاده المفكر عبد الله أوجلان قد وضع الحركة الكردية أمام مراجعة عميقة لعلاقتها بالسلاح والدولة والقومية ، فإن نجاح هذه المراجعة لا يتوقف على الكرد وحدهم ، فالتسوية التاريخية لا تقوم عندما يغيّر أحد طرفي الصراع موقعه ويبقى الطرف الآخر في المكان نفسه ، وقد حصلت الدولة التركية اليوم على أمر سعت إليه طوال عقود : تراجع التحدي المسلح المنظم الذي مثله حزب العمال الكردستاني ، وبدء تفكيك بنيته العسكرية ، ثم إقرار البرلمان في آب/أغسطس 2026 إطارًا قانونيًا يسمح بمعالجة أوضاع جزء من أعضائه السابقين وإعادة دمجهم . أُقر القانون بأغلبية واسعة شملت حزب العدالة والتنمية وحليفه القومي وحزب DEM المؤيد للحقوق الكردية، وهي في ذاتها إشارة إلى أن الانتقال من الحرب إلى السياسة أصبح ممكنًا على مستوى لم يكن متاحًا في مراحل كثيرة سابقة. غير أن القانون عالج أساسًا مصير المقاتلين السابقين، ولم يحسم بعد الأسئلة الأوسع المتعلقة بالحقوق الثقافية والسياسية وبطبيعة التسوية النهائية.

 

ومن هنا يبدأ الامتحان الأصعب ، فوداع السلاح لا يعني بالضرورة حلول السلام، ولا حتى انتهاء الحرب بكل معانيها ، قد تنتهي المواجهة العسكرية وتبقى أسبابها السياسية والاجتماعية والثقافية كامنة في الدولة والمجتمع . والسلام لا يقاس فقط بعدد البنادق التي اختفت من الجبال، بل بقدرة الناس الذين كانت تلك البنادق تدعي الدفاع عنهم على ممارسة حقوقهم من دون حاجة إلى العودة إليها. ولذلك فإن الجولة المقبلة، إذا كتب للمسار أن يستمر، لن تكون جولة السيطرة على الأرض، بل جولة المواطنة المتساوية، ودولة القانون، واللغة والثقافة والتمثيل السياسي، وقدرة الدولة على التعامل مع الاختلاف بوصفه جزءًا طبيعيًا منها لا استثناءً أمنيًا عليها.

 

وهذا يضع التجربة التركية أمام مسألة دقيقة، لأن تاريخ الجمهورية لا يمكن اختزاله في القول إنها استبعدت الكرد من الدولة ، الصورة أكثر تعقيدًا من ذلك ، فقد استطاعت الدولة التركية عبر مفهوم موحد للمواطنة ، أن تدمج أعدادًا كبيرة من مواطنيها ذوي الأصول الكردية في مؤسسات الدولة والاقتصاد والسياسة والمجتمع، ولم تكن الأصول الكردية في حد ذاتها حاجزًا قانونيًا يمنع الفرد من الصعود في الحياة العامة ، لكن هذا الاندماج الفردي قام داخل تعريف للجماعة السياسية يعتبر أن كل المرتبطين بالدولة برابطة المواطنة هم “أتراك” .

 

يمكن قراءة هذا التعريف بوصفه مفهومًا مدنيًا للمواطنة لا يميز بين الأصول ، وهذه إحدى نقاط قوته الممكنة. لكنه حمل تاريخيًا مشكلة أخرى عندما أصبح الانتماء السياسي المشترك متداخلًا مع هوية قومية ولغوية محددة . وهنا يظهر الفرق بين أمرين ليسا مترادفين: أن تستطيع الدولة دمج الفرد الكردي داخلها، وأن تستطيع إدخال الوجود الكردي الجماعي في تعريفها لنفسها ، فقد يكون المواطن متساويًا في حقه الفردي في العمل والترقي والانتخاب، بينما تبقى لغته أو ذاكرته أو خصوصيته القومية موضوعًا أكثر حساسية في المجال العام.

 

هذه إحدى العقد الأساسية في التجربة التركية . لقد نجحت الجمهورية بدرجات متفاوتة في إدخال الكردي الفرد إلى الدولة أكثر مما نجحت في إدخال الكرد، بصفتهم وجودًا ثقافيًا وقوميًا، إلى تعريف الدولة ، ولهذا لم يكن الخلاف تاريخيًا حول الجنسية وحدها ، بل حول المعنى الذي تحمله الجنسية : هل تكفي المساواة في الانتماء القانوني إذا كان المجال العام لا يعترف بصورة متوازنة بالتعدد اللغوي والثقافي الذي يحمله المواطنون؟

 

ولا يعني طرح هذا السؤال أن تركيا مطالبة بالتحول إلى دولة متعددة القوميات وفق نموذج دستوري محدد، أو أن عليها تبني كل التصورات التي تطرحها الحركة الكردية . للدولة مخاوفها المشروعة المتعلقة بوحدة أراضيها وأمنها، وللمجتمع التركي ذاكرة ثقيلة من أربعة عقود من العنف قتل فيها عشرات الآلاف من المدنيين والعسكريين والمقاتلين، ولا يمكن بناء سلام دائم بتجاهل آلام طرف لمصلحة آلام طرف آخر.

 

السلام الجاد لا يطلب من هؤلاء أن ينسوا، كما لا يطلب من الكرد أن ينسوا تجربتهم . بل يحتاج إلى دولة قادرة على نقل الطرفين من ذاكرة متعارضة إلى مستقبل سياسي مشترك.

 

وهنا تصبح فكرة المواطنة أهم من التسوية الأمنية نفسها ، فالمواطنة ليست فقط أن يحمل شخصان جواز السفر نفسه، بل أن يشعر كلاهما بأن القانون لا يطلب من أحدهما أن يكون أقل مما هو عليه لكي يصبح جديرًا بالدولة. يمكن للكردي أن يكون مواطنًا تركيًا كاملًا وأن يبقى كرديًا في الوقت نفسه، تمامًا كما أن الانتماء إلى الدولة لا يفترض محو اللغة أو الذاكرة أو الثقافة. والسؤال الذي ستواجهه تركيا في المرحلة المقبلة هو مقدار ما تستطيع توسيع هذا المعنى من دون أن ترى فيه خطرًا على وحدتها.

 

وقد يكون انتهاء العمل المسلح فرصة نادرة للقيام بذلك، لأن جزءًا كبيرًا من الحجة الأمنية التي أحاطت بالقضية طوال عقود يتراجع الآن. عندما كان الصراع المسلح مستمرًا، كان من السهل أن تختلط المطالبة الثقافية أو السياسية بشبهة العلاقة بالتنظيم المسلح، وأن يصبح الأمن المرجع الأول في تقييم النشاط السياسي . أما إذا انتهى التنظيم العسكري فعلًا ، فإن استمرار التعامل مع التعبير الكردي الطبيعي بمنطق الحرب يصبح أصعب تبريرًا.

 

وهنا لا يصبح السلام تنازلًا تقدمه الدولة إلى حركة هُزمت أو تخلت عن السلاح، بل فرصة للدولة نفسها كي تخرج من أسر الصراع الذي قيّد سياستها الداخلية طويلًا.

 

إن السلام ليس مصلحة كردية فقط ، فتركيا دولة إقليمية كبيرة، وقد أصبح مجال حركتها خلال السنوات الأخيرة أوسع من حدودها المباشرة ، و لها أدوار متشابكة في سوريا والعراق والبحر الأسود والقوقاز وشرق المتوسط، وتتعامل في الوقت نفسه مع علاقة معقدة مع أوروبا والولايات المتحدة وروسيا . وفي مثل هذا المحيط المضطرب، يصبح إنهاء نزاع داخلي استمر أكثر من أربعة عقود مكسبًا استراتيجيًا للدولة، لا مجرد معالجة لمسألة أقلية. وهذا يجعل المصالحة، إذا أُحسن بناؤها، جزءًا من قوة تركيا لا تنازلًا عن قوتها.

 

لكن القوة الخارجية لا تعفي من الأسئلة الداخلية ، وقد تكون الدولة أكثر قدرة على الحركة في الخارج كلما احتاجت إلى قاعدة داخلية أكثر استقرارًا وتماسكًا. فليس هناك تناقض بين أن تريد تركيا أن تكون قوة إقليمية مؤثرة وبين أن توسع في الداخل المساحة المتاحة لهويات مواطنيها. بل قد يكون نجاحها في إدارة تنوعها مصدرًا إضافيًا لقوتها الناعمة والسياسية في منطقة شديدة التنوع.

 

غير أن الوصول إلى ذلك يحتاج إلى أكثر من إنهاء حزب مسلح .

 

يحتاج أولًا إلى أن يتحول العمل السياسي الكردي إلى نشاط طبيعي لا تستدعي هويته الشك في شرعيته . ويحتاج إلى أن تكون المنافسة الانتخابية والبلديات والبرلمان أدوات حقيقية لمعالجة المصالح والخلافات . كما يحتاج إلى ألا يبقى النقاش حول اللغة والثقافة والتعليم والإدارة المحلية أسير العلاقة بين الدولة وحركة مسلحة سابقة، بل أن يدخل في السياسة العادية، حيث يمكن الاختلاف عليه والتفاوض بشأنه من دون العودة إلى منطق الحرب.

 

وهنا تصبح دولة القانون جزءًا لا ينفصل عن القضية الكردية، حتى لو كانت مشكلاتها لا تخص الكرد وحدهم. فالحقوق التي تنتقل من حماية القوة إلى حماية القانون لا تكون أكثر أمانًا لمجرد أنها كُتبت في قانون ، فقيمتها الحقيقية تتوقف على وجود قضاء مستقل يستطيع حمايتها، ومؤسسات تستطيع منع السلطة التنفيذية من تفسيرها أو تضييقها بحسب الظروف السياسية.

 

فالدولة التي لديها قوانين ليست بالضرورة ، بالمعنى الكامل ، دولة يحكمها القانون.

 

والفرق أساسي في الحالة الكردية ، فالتنظيم المسلح كان، بصرف النظر عن الموقف منه، يمتلك وسيلة قوة مستقلة ، فإذا انتهت هذه الوسيلة، تصبح المحكمة والبرلمان والبلدية والحزب والصحافة والمؤسسة المدنية هي الأدوات التي يفترض أن تحل مكانها. وإذا كانت هذه الأدوات ضعيفة أو معرضة للتدخل، يصبح الانتقال من السلاح إلى السياسة أكثر هشاشة ، ويعود الخوف من أن يكون أحد الطرفين قد تخلى عن أداة القوة قبل أن تكتمل أداة الحق.

 

ولهذا فإن إحدى القضايا الحساسة ستكون مستقبل الإدارة المحلية. فقد عرفت السنوات السابقة تدخلات حكومية في بلديات منتخبة، ولا سيما في المناطق الكردية، وتعيين أوصياء بدل بعض رؤساء البلديات المنتخبين على خلفية اتهامات مرتبطة بالإرهاب. وفي مرحلة ما بعد السلاح، سيكون من الصعب بناء ثقة مستدامة إذا بقي الناخب يشعر أن اختياره المحلي قابل للإلغاء إداريًا من المركز بدل أن يُفصل في الاتهامات عبر قضاء مستقل ومسار قانوني واضح.

 

لكن القضية لا ينبغي اختزالها في قائمة مطالب تقدمها جهة إلى أخرى ، فالمسألة أعمق: هل تستطيع الجمهورية أن تنتقل من إدارة التعدد إلى الثقة به ؟

 

لقد كان هاجس التفكك حاضرًا بقوة في تاريخ الدولة التركية، وهو مفهوم في ضوء سقوط الإمبراطورية العثمانية والحروب التي رافقت نشوء الجمهورية والتدخلات الخارجية المتكررة في المنطقة . ولذلك لا يمكن فصل الحساسية التركية تجاه القوميات عن ذاكرة تاريخية عميقة تتجاوز الصراع الكردي نفسه ، غير أن الذاكرة التي تفسر الخوف لا ينبغي أن تتحول إلى سبب لإدامته إلى الأبد. فالدولة الواثقة من نفسها لا تحتاج إلى اعتبار كل اختلاف اختبارًا للولاء.

 

وقد يكون هذا هو التحول الأصعب من تعديل قانون أو إطلاق سجين أو السماح ببرنامج لغوي ، إنه انتقال في الثقافة السياسية: من اعتبار الوحدة نقيض التعدد إلى اعتبار التعدد جزءًا من الوحدة.

 

ولا يعني ذلك إلغاء الهوية التركية أو التقليل من حق المجتمع التركي في الحفاظ على لغته وذاكرته الوطنية ، كما لا ينبغي أن تتحول المطالبة بالاعتراف الكردي إلى نفي للوجود القومي التركي أو إلى إنشاء هرم جديد للهويات. المطلوب ليس استبدال قومية بقومية، بل إنتاج مجال سياسي لا يحتاج فيه أحد إلى إنكار الآخر لكي يثبت نفسه.

 

ومن هنا تختلف هذه المرحلة عما سبقها ، فطوال سنوات الصراع كان بإمكان كل طرف أن يفسر إخفاقاته بوجود الطرف الآخر: الدولة تشير إلى السلاح لتبرر تشددها، والحركة تشير إلى تشدد الدولة لتبرر استمرار السلاح. أما إذا انتهى التحدي المسلح، فإن هذه الحلقة تفقد أحد عناصرها الرئيسية، وتصبح مسؤولية السياسة أكثر وضوحًا.

 

إذا لم تعد هناك بندقية منظمة تنازع الدولة احتكارها للقوة، فما الذي يمنع توسيع مساحة اللغة والثقافة والسياسة؟

 

هذا سؤال سيزداد ثقله كلما تقدم مسار نزع السلاح.

 

وفي المقابل، سيواجه العمل السياسي الكردي سؤالًا موازياً: هل يستطيع بعد زوال الحماية التي يوفرها تاريخ الصراع أن يتحول إلى قوة سياسية تعددية تنافس على برامج اجتماعية واقتصادية وديمقراطية تتجاوز الدفاع عن الهوية وحدها؟ فالقضية الكردية لا تختصر حياة المواطن الكردي ، فهو عامل وموظف ومزارع وطالب وامرأة وشاب وصاحب مهنة، وله مصالح في التعليم والصحة والأجور والتنمية والعدالة تلتقي في كثير من الأحيان مع مصالح مواطنين أتراك لا يشاركونه الهوية القومية.

 

وقد تكون إحدى أهم فرص السلام هي نقل العلاقة بين الكرد وبقية المجتمع التركي من علاقة جماعتين تتفاوضان عبر الدولة والسلاح إلى علاقة مواطنين يتنافسون ويتحالفون داخل السياسة بحسب مصالح متعددة ، عندئذ لا تختفي الهوية، لكنها تكف عن أن تكون الحدود الوحيدة التي تعرّف السياسة.

 

وهذا يتصل بما طرحه أوجلان نفسه عن الانتقال من القومية المغلقة إلى المجتمع الديمقراطي ، فإذا كانت الحركة قد بدأت مراجعة الشكل الذي حمل القضية عقودًا، فإن الدولة ليست مطالبة بأن تتبنى نظرية أوجلان بالمطلق، لكنها أمام فرصة لإثبات أن هناك مكانًا داخل الجمهورية لحقوق قومية وثقافية لا تحتاج إلى كيان مسلح كي يحميها.

 

قد يكون أقصى ما تستطيع تركيا الوصول إليه في المدى المنظور أقل كثيرًا من طموحات بعض التيارات الكردية. وربما تبقى الدولة شديدة الحساسية تجاه الفدرالية أو الحكم الذاتي الواسع أو أي صيغة تراها تهدد بنيتها الموحدة. لكن بين الدولة القومية المركزية الصلبة وبين إعادة رسم الحدود مساحة واسعة من الحلول الممكنة: حقوق لغوية وثقافية راسخة، إدارة محلية منتخبة، حرية تنظيم سياسي، مساواة في الوصول إلى المؤسسات، وقضاء يضمن هذه الحقوق للجميع.

 

وقد يكون النجاح التاريخي للمسار في أن يجعل هذه المساحة طبيعية، لا استثنائية.

 

فالكرد في تركيا ليسوا جماعة وافدة تحتاج الدولة إلى إيجاد مكان لها ، هم جزء من تاريخ البلاد ومجتمعها واقتصادها ومدنها، وقد أصبح التداخل السكاني والاجتماعي أعمق بكثير من أي تصور يرسم المجتمعين على خريطتين منفصلتين ، ولذلك فإن السؤال ليس كيف «تستوعب» تركيا الكرد كجسم خارجي، بل كيف تعيد تعريف المواطنة بحيث تعبّر بصورة أكثر راحة عما هو موجود أصلًا في المجتمع.

 

وإذا استطاعت ذلك، فقد يكون إنهاء الصراع المسلح انتصارًا لجميع الأطراف من دون أن يحتاج أحد إلى إعلان هزيمة الآخر ، فالدولة تكون قد استعادت الاحتكار الكامل للسلاح من دون حرب مفتوحة ، والحركة الكردية تكون قد نقلت قضيتها إلى السياسة ، والمجتمع التركي يكون قد تخلص من نزاع استنزف أجيالًا وموارد وثقة متبادلة.

 

أما إذا انتهى التنظيم وبقيت القضية تعامل أساسًا بوصفها ملفًا أمنيًا، فإن تركيا تكون قد نجحت في حل مشكلة حزب العمال أكثر مما نجحت في حل المسألة الكردية.

 

وهذا هو الفارق بين إنهاء تمرد وبناء سلام.

 

إنهاء التمرد يحتاج إلى تفكيك السلاح ، أما بناء السلام فيحتاج إلى أن يصبح حمله غير ضروري في وعي الجيل الذي سيأتي بعد من حملوه ، وهذا لا يتحقق بالقوة وحدها ولا بالمراسيم وحدها، بل عندما يشعر المواطن المختلف أن الدولة هي الضامن الأول لهويته وحقوقه، لا الجهة التي يحتاج إلى حماية هويته منها.

 

لذلك فإن الجولة المقبلة في تركيا لن تكون جولة السلاح، بل جولة المواطنة المتساوية وسيادة القانون والحقوق الثقافية والسياسية والثقة بالمؤسسات. وقد يكون الامتحان التركي، على صعوبته، أكثر وضوحًا من غيره: الدولة قائمة وقوية، مؤسساتها راسخة، حدودها غير موضع تفاوض ، والحركة الكردية تتراجع عن العمل المسلح ، ولذلك يصبح السؤال مباشرًا: هل تستخدم الدولة هذا التحول لتوسيع مفهوم المواطنة وإخراج الهوية الكردية من دائرة الاشتباه، أم تعتبر نهاية السلاح نهايةً للمشكلة نفسها؟

 

وفي هذا المعنى تختلف تركيا جوهريًا عن سوريا.

 

في تركيا، ينتقل الكرد من السلاح إلى السياسة داخل دولة موجودة وقوية. أما في سوريا، فإنهم ينتقلون من وضع مختلف تمامًا: من إدارة مناطق واسعة، وقوة عسكرية، ومؤسسات أمنية ومدنية، وموارد وأوراق تفاوضية، إلى الاندماج في دولة تعيد بناء نفسها وتستعيد سلطتها المركزية . ففي الحالة التركية تتخلى الحركة عن أداة ضغط عسكرية، لكن المواطن الكردي يبقى داخل دولة مستقرة لم تختف مؤسساتها أصلًا . أما في الحالة السورية، فإن ما يُسلَّم ليس السلاح وحده، بل جزء من سلطة سياسية ومؤسساتية كانت قائمة بالفعل على الأرض.

 

وهذا يجعل طبيعة المخاطرة مختلفة.

 

في تركيا، السؤال هو: ماذا ستعطي الدولة بعد أن حصلت على السلاح؟ أما في سوريا، فالسؤال أشد قسوة: ماذا سيبقى للكرد بعدما أعادوا إلى الدولة الأرض والسلاح والمؤسسات؟

 

تركيا مطالبة بأن تثبت أن إنهاء التمرد سيفتح باب الحقوق . أما دمشق فمطالبة بأن تثبت أن استعادة السيادة لن تعني استعادة المركزية القديمة بصيغة جديدة. وفي تركيا يمكن قياس التسوية بمدى توسيع الحقوق داخل دولة قائمة ؛ أما في سوريا فالمعيار أشد تعقيدًا، لأن الدولة نفسها لا تزال في طور إعادة تعريف شكلها وتوزيع السلطة فيها.

 

لهذا قد يكون الفرق بين الحالتين أن الكرد في تركيا يفاوضون على توسيع المواطنة، بينما يفاوض كرد سوريا على شروط العودة إلى الدولة.

 

والفرق ليس لغويًا.

 

ففي تركيا لا يطالب الكرد اليوم بإدارة دولة موازية قائمة فعلًا، بل يريدون أن تصبح الدولة المشتركة أكثر اتساعًا لهويتهم وحقوقهم. أما في سوريا فقد امتلك الكرد، خلال سنوات الحرب، درجة من الحكم الذاتي والقوة لا يمكن تجاهلها، وهم اليوم يحاولون تحويل جزء مما امتلكوه بالفعل إلى حقوق دستورية دائمة قبل أن تنتهي القدرة التي كانت تسمح لهم بفرضها.

 

ومن هنا تصبح المسألة السورية أكثر حساسية: تركيا حصلت على تراجع السلاح قبل أن تقدم التسوية الكاملة؛ أما دمشق فتستعيد فوق ذلك الأرض والمؤسسات والموارد والسيادة المباشرة. ولذلك فإن الخلل المحتمل في ميزان التنازلات أكبر في سوريا، ما لم يتحول الاعتراف بالهوية واللغة والمواطنة والإدارة المحلية إلى ضمانات دستورية لا تستطيع السلطة المركزية التراجع عنها متى تغيرت الظروف.

 

لكن الحالتين تلتقيان في نقطة واحدة حاسمة: لا قيمة تاريخية لإنهاء السلاح إذا بقي الحق محتاجًا إلى ميزان القوة الذي أنتجه.

 

فالاختبار في تركيا هو أن تصبح المواطنة أوسع من القومية الواحدة، والاختبار في سوريا أن تصبح وحدة الدولة أوسع من المركزية الواحدة. وفي الحالتين لا يُقاس السلام بما تستعيد الدولة من قوة، بل بما تستطيع أن تتخلى عنه من حاجتها إلى فرض الوحدة بالقوة.

 

إذا نجحت تركيا في ذلك، تكون قد حولت نهاية الصراع المسلح إلى بداية عقد سياسي جديد مع مواطنيها الكرد. وإذا نجحت سوريا في ذلك، تكون قد حولت استعادة الدولة إلى بناء دولة مختلفة عن تلك التي سبقت الحرب.

 

أما إذا فشلتا، فستظهر النتيجة بصورتين مختلفتين: في تركيا قد تنتهي مشكلة حزب العمال وتبقى القضية الكردية؛ وفي سوريا قد تنتهي استقلالية قسد وتبقى القضية الكردية أيضًا، ولكن بعد أن تكون أوراق القوة التي حملتها قد أصبحت أضعف.

 

فتركيا تواجه سؤالًا بعد أن حصلت على الهدوء: كيف ستملأه بالسياسة؟

 

أما سوريا فتواجه سؤالًا بعد أن استعادت القسم الأكبر من أدوات الدولة: هل ستستخدمها لبناء شراكة جديدة، أم لإعادة استيعاب الكرد في دولة مركزية استعادت قوتها؟

 

فالسلام الحقيقي في تركيا يبدأ عندما لا يحتاج الكردي إلى السلاح لكي يُعترف به، وفي سوريا يبدأ عندما لا يحتاج إلى الاحتفاظ بدولة داخل الدولة لكي يضمن ألا تفقد هويته وحقوقه مرة أخرى.

 

وهكذا تنتقل المسألة من سؤال: ماذا ستفعل تركيا بالهدوء الذي حصلت عليه؟ إلى سؤال أكثر خطورة: ماذا ستفعل سوريا بالقوة التي استعادتْها؟

 

 

شارك