الغائب الذي لا يغيب… الفكرة التي صارت دستوراً

 

الحلقة الخامسة

 

 

كتب رياض الفرطوسي

 

في مطلع 1970 ألقى الإمام الخميني، وهو يومها منفيٌّ في النجف، دروساً عن الحكومة الإسلامية. لم يتحمس لها كثيرون، حتى في أوساط الحوزة، ولم تكن بين العناوين الكبرى للنقاش. بعد تسع سنوات سقط الشاه، وصارت تلك الدروس أساساً لنظام الحكم في إيران.

 

حميد دباشي أستاذ إيراني في جامعة كولومبيا، قدّم في كتابه (لاهوت الاستياء) قراءة للأسس الفكرية للجمهورية الإسلامية وفي كتاباته الأخرى قراءة مهمة للثورة، وهي أن تيارات متعددة، يسارية وقومية ودينية، التقت فيها، ورأى كل منها في الإمام الخميني عنواناً جامعاً قبل أن تتضح التفاصيل. وكان علي شريعتي، المفكر الإيراني، قد سبق الثورة بجيل من الأفكار، فأعاد قراءة التشيع بوصفه رسالة عدالة واحتجاج، وهيّأ جمهوراً شاباً للغة التغيير.

 

وفكرة ولاية الفقيه، بصيغتها الدستورية، كانت انتقالاً كبيراً في التطبيق. الفقيه في التراث كان مفتياً وقاضياً ووليّاً على من لا وليّ له. أما أن يتولى تدبير شأن الدولة بصلاحيات واسعة نيابة عن الإمام، فهذا ما رآه أنصاره استكمالاً منطقياً لدور الفقيه، ورآه آخرون من أهل العلم اجتهاداً جديداً يحتاج إلى نقاش.

 

وقد تنوعت مواقف المدارس العلمية من الفكرة: فمدرسة النجف حافظت في الغالب على رؤية تحصر ولاية الفقيه في الشؤون الحسبية وتحفظ للأمة دورها، وتبنى آخرون في قم الصيغة الأوسع. ووُجد داخل قم نفسها اجتهاد مغاير، كان أبرز وجوهه الشيخ حسين علي منتظري، الذي كان قريباً من الإمام الخميني ثم تباعد عنه في تقدير حدود السلطة. وفي هذا درس عن طبيعة الدول التي تقوم على فكرة: حين يُحسم تفسير الفكرة، يتغير موقع من يفسرها.

 

وبعد رحيل الإمام الخميني، جرى تعديل دستوري عام 1989 غيّر بعض شروط القيادة وصلاحياتها. وهنا نصل إلى ما سماه فيبر «روتنة الكاريزما»: حين يرحل صاحب الحضور الاستثنائي، تبقى المؤسسة بحاجة إلى قواعد تنتج قيادات جديدة. وهذا الاختبار أصعب من الثورة نفسها، لأن الثورة لحظة والمؤسسة امتداد.

 

في الحلقة القادمة نصل إلى السؤال الأخير: ماذا بعد؟ كيف يبدو مستقبل الأجوبة الثلاثة في طهران والنجف وبيروت وبغداد؟ وهل يولد جواب رابع؟

 

الفكرة التي كانت هامشية صارت دستوراً، وبقي على الدستور أن يجيب عن أسئلة الاستمرار.

شارك