بلقنة العقل وتجريف الذاكرة الحضارية: من الانحياز الفلسفي الغربي إلى هندسة “الدولة الوظيفية” في المنطقة العربية

 

 

إعداد/الكاتب والباحث السياسي

عدنان صگر الخليفه

رئيس إتحاد القبائل العراقية

 

الملخص (Abstract):

تسعى هذه الدراسة النقدية الأكاديمية إلى تفكيك جذور الهيمنة المعرفية الغربية وآلياتها في صياغة تاريخ الفكر والفلسفة، بدءاً من المنطلقات المؤدلجة لمؤرخي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الذين عملوا على احتكار العقلانيّة وتجريد الشرق والحضارات العربية والإسلامية من دورها التأسيسي الأصيل. كما ترصد الدراسة كيف تحول هذا “الانحياز الفكري” إلى غطاء أيديولوجي ومشروع استعماري ميداني، عمل على تجريف الجسد الجغرافي والسياسي للمنطقة العربية، وتقسيمها إلى دويلات وكيانات وظيفية مقطوعة الجذور، وصولاً إلى ظاهرة “الاستعمار بالوكالة” وتوظيف المال السياسي لطمس الهوية والثقافة الأصيلة. وتستنتج الدراسة أن استعادة السيادة الحضارية لا تتأتى إلا عبر نقد هذه المفهومات المترجمة، وبناء وعي فكري مستقل يستند إلى العمق التاريخي العريق لأرض الرافدين والحواضر التاريخية الكبرى.

 

المحور الأول:

بلقنة العقل والإبستمولوجيا المنحازة (قراءة نقدية في تفكيك تاريخ الفلسفة)

تكشف المراجعات النقدية المعاصرة لمناهج كتابة الهستوريوغرافيا أي بمعنى (علم مناهج وطرق كتابة التاريخ وتدوين رواياته) عن وجود انحياز هيكلي أصيل في بنية الفكر الغربي الحديث، تمثل في محاولة تجريد الحضارات الشرقية والإفريقية من حقها التاريخي في تأسيس العقل والعقلانية البشرية. لقد شهدت الفترة الممتدة بين عامي 1780 و1830م عملية إعادة هيكلة مبرمجة لتدريس التاريخ الفكري؛ حيث صاغ فلاسفة ومؤرخون ألمان أمثال كريستوف ماينرز (1747–1810م) وديتريش تيديمان (1748–1803م) أطروحات استُبعدت بموجبها إسهامات آسيا وإفريقيا من الرواية التأسيسية للفلسفة، وحُصر الإبداع المعرفي حصراً في الفضاء الأوروبي باعتباره معجزة استثنائية مقطوعة الجذور عما قبلها. ويتجلى هذا المنزع الاستعلائي في كتابات مؤرخي الفلسفة الغربيين خلال القرن التاسع عشر، ولا سيما في طروحات ويلهلم ويندلباند (1848–1915م) في كتابه الشهير «مبادئ في تاريخ الفلسفة» الصادر عام 1892م، الذي وضع تقسيمات هرمية تفاضلية بين الأمم؛ فجعل الإغريق صانعين للفلسفة، وأربع أمم أوروبية أخرى (الإيطاليون، الألمان، الإنجليز، والفرنسيون) راعية لتطورها، متوجاً الفلسفة الألمانية الكلاسيكية على يد إيمانويل كانت (1724–1804م) وغيورغ فيلهلم فريدريش هيجل (1770–1831م) كأعلى مرحلة بلغها الوعي الإنساني، في حين تم وضع باقي شعوب الأرض في خانة المستهلك المتلقي. إن هذا الإجراء لم يكن مجرد قراءة تاريخية عابرة، بل كان عملية بلقنة أي بمعنى (تفتيت وتجزئة الجسد المعرفي والفكري للإنسانية إلى كيانات معزولة ومتصارعة) صريحة للعقل الإنساني، أُحلت فيها القومية الغربية محل الزمن والتاريخ، وأُسس من خلالها لـ إبستمولوجيا أي بمعنى (نظرية معرفة وتبين لكيفية تشكل العقل وحقيقته وسُبل وصوله إلى اليقين) منحازة، ولـ مركزية أوروبية أي بمعنى (انحياز فكري واستعلاء يجعل من الثقافة الغربية معياراً وحيداً وأوحداً لقياس وتقويم حضارات العالم) تبرر الهيمنة وتُقصي الآخر. وفي المقابل، نجح باحثون معاصرون أمثال بيتر ك. ج. بارك في كتابه الصادر عام 2013م، وكاترين كونيغ-برالونغ عام 2019م، في تعرية هذا التحيز وتوثيق كيف أعادت النخب الأكاديمية الغربية صياغة التاريخ لخدمة التمدد الاستعماري.

 

المحور الثاني:

الجذور التاريخية المصادرة (من بلاد ما بين النهرين إلى بغداد العباسية)

إن هذا القطع المصطنع في التاريخ الفكري استهدف بالأساس طمس الأسبقية التاريخية التي شكلتها حضارات الشرق القديم والحضارة العربية والإسلامية. فقبل أن تتبلور المفهومات في الفكر الغربي، كانت أرض الرافدين في العراق القديم عبر الحضارات السومرية والبابلية والأشورية قد وضعت اللبنات الأولى للفلسفة القانونية والأخلاقية والتنظيم الميداني للمجتمعات، من خلال التشريعات المكتوبة التي أرساها الملك السومري أورنمو (2112–2095 ق.م) والشريعة البابلية الشهيرة للملك حمورابي (1810–1750 ق.م) التي أسست لمفاهيم العدالة، والملكية، وإدارة الدولة. كما شكلت العلوم البابلية في الرياضيات والفلك والرصد الكوني الحاضنة الحقيقية التي استند إليها الفكر الإغريقي لاحقاً. ولم يقف هذا العطاء عند حدود العصور القديمة، بل امتد عبر المشروع الحضاري العربي والإسلامي الذي لاتزال بغداد العباسية تشهد على أوج عطائه الفكري منذ تأسيس “بيت الحكمة” في عهد الخليفة هارون الرشيد (766–809م / 149–193هـ) وتطويره على يد المأمون (786–833م / 170–218هـ)؛ إذ لم يكن العلماء والمفكرون العرب مجرد ناقلين أو شارحين للتراث القديم كما حاولت الأدبيات الاستعمارية اختزاله، بل كانوا مؤسسين فعليين للمنهج التجريبي في العلوم، والفلسفة القانونية، وعلوم العمران البشري. برز في هذا المضمار قمم فكرية شامخة أمثال أبو يوسف يعقوب الكندي (801–873م / 185–256هـ) مؤسس الفلسفة العربية، وأبو نصر الفارابي (874–950م / 260–339هـ) المعلم الثاني وباني فلسفة المدينة الفاضلة، وأبو علي ابن سينا (980–1037م / 370–428هـ) المجدد في المنطق والإلهيات والطب، والحسن ابن الهيثم (965–1040م / 354–430هـ) واضع المنهج التجريبي والعلمي الحديث، وصولاً إلى عبد الرحمن ابن خلدون (1332–1406م / 732–808هـ) مؤسس علم الاجتماع وفلسفة العمران البشري، وهم العلماء الذين انتشلت مصنفاتهم أوروبا من عصور ظلامها وشكلت المادة الخام لنهضتها الحديثة عبر مدرسة طليطلة ومترجمين غربيين اعتمدوا كلياً على النتاج العربي مثل جيرارد الكريموني (1114–1187م).

 

المحور الثالث:

الهندسة الاستعمارية وتجريف جسد الأمة (من التفتيت إلى الكيانات الوظيفية)

لم يكن هذا التهميش الفكري مجرد ترف أكاديمي، بل كان أداة تمهيدية وغطاءً أخلاقياً وظفته القوى الاستعمارية لتبرير احتلال المنطقة وتفكيك بنيتها الجغرافية والسياسية. فقد اقترن الادعاء باحتكار العقل والمدنية بعملية تجريف واسعة النطاق لجسد الأمة العربية والإسلامية، تمثلت في إزاحة مفهوم الاتصال والتكامل الحضاري الممتد بين عواصم الفكر التاريخية، وإبداله بحدود مصطنعة قطعت الشرايين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. يتجلى هذا الفعل الميداني في اتفاقية سايكس-بيكو (1916م / 1334هـ) الصامتة بين الدبلوماسي البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا جورج بيكو، والتي تُوجت لاحقاً بـ مؤتمر سان ريمو (1920م / 1338هـ) لتجزئة المشرق العربي. لقد جرى تقسيم المنطقة إلى دويلات ومساحات جغرافية ذات حدود هشّة، صُممت بنيوياً لمنع قيام أي مشروع نهضوي مستقل، ولإبقاء هذه الكيانات في حالة صراع داخلي وانشغال دائم بالأزمات الهيكلية، مما جرّد الحواضر التاريخية الكبرى كبغداد والقاهرة ودمشق من أبعادها القيادية والإشعاعية، وحصرها في نطاقات ضيقة تُدار وفق حسابات التبعية للمركز الغربي. وقد نبه مفكرون عرب معاصرون لهذا التجريف الهندسي، في مقدمتهم عالم الجغرافيا السياسي جمال حمدان (1928–1993م) في موسوعته «شخصية مصر»، والمفكر الجزائري مالك بن نبي (1905–1973م) الذي صاغ مفهوم «القابلية للاستعمار» وكيفية تفكيك البناء الاجتماعي للشرق.

 

المحور الرابع:

“الاستعمار بالوكالة” وتوظيف المال لطمس الهوية

امتدت آليات التجريف في العصر الحديث لتأخذ شكلاً أشد خطورة يتمثل في “الاستعمار بالوكالة”، حيث جرى اصطناع وترسيخ كيانات وطفرات طارئة تدين ببقائها واقتصادها ونشأتها الفكرية للغرب. تُستغل الفوائض المالية والموارد الاقتصادية السيادية في هذه الكيانات لا لبناء قاعدة علمية وصناعية ذاتية أو دعم التكافل الحضاري لأبناء المنطقة، بل لتمويل أيديولوجيا أي بمعنى (منظومة الأفكار والعقائد التوجيهية التي تخدم مصالح سياسية وفئوية محددة) الغزو الثقافي وتغريب المجتمعات أي بمعنى (سلخ المجتمعات عن أصولها وإبعادها عن بنيتها القيمية والثقافية الأصيلة). وتعمل هذه الأطراف على استئجار الخبرات والموارد الأجنبية لإنشاء مجتمعات هجينة تُفرغ الوعي الجمعي من مضامينه الأخلاقية والرسالية، بالتوازي مع ممارسة أقصى درجات القمع المادي والفكري ضد الشعوب الأصيلة. إن الهدف الأساسي لهذا الدور الوظيفي هو محاولة إزاحة الحواضر التاريخية الكبرى وطمس إرثها العريق، لصالح نماذج استهلاكية تعمل كشرطي محلي يحمي المصالح الغربية ويضمن إبقاء المنطقة في حالة تبعية معرفية واقتصادية كاملة. وهو ما فضحه ونقده باستفاضة المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد (1935–2003م) في كتابه التأسيسي «الاستشراق» الصادر عام 1978م، والمفكر المغربي محمد عابد الجابري (1935–2010م) في مشروعه «نقد العقل العربي»، حيث كشفا كيف أُعيد تشكيل العقل العربي وتدجينه لخدمة المركزيات الأجنبية.

 

المحور الخامس: استعادة الوعي الفكري والسيادة الحضارية:(الخاتمة والرؤية المستقبلية)

 

إن تفكيك هذه المنظومة المعرفية والسياسية المركبة يُبين أن طمس الفلسفة والتاريخ الحضاري العربي والإسلامي كان شرطاً أساسياً لإنجاح الاستعمار المعرفي أي بمعنى (الهيمنة الفكرية التي تلغي الموروث الحضاري الأصيل وتفرض النموذج الثقافي الغربي كبديل دائم) ودوام أدواته. ومن هنا، فإن الاستجابة الفاعلة لتحديات الراهن لا تتأتى عبر استهلاك المفهومات المترجمة أو الانصياع للهندسة الاستعمارية، بل تبدأ من استعادة الوعي الفكري المستقل، وإعادة التأسيس لـ أنتولوجيا أي بمعنى (علم مباحث الكينونة وحقيقة وجود الأمة الأصيل وجوهر هويتها) حضارية متجددة، وتأصيل القناعة بأن الحق التاريخي المترسخ في أرض الرافدين والشرق هو أصل ثابت لا يمكن للطفرات الطارئة أو المال المأجور أن يمحوه. إن الكيانات الوظيفية المصطنعة تظل رهينة الأدوار والمصالح التي أنشأتها وتزول بزوالها، في حين تبقى الشعوب الحية ذات العمق التاريخي والثقافي الأصيل هي الرافعة الحقيقية لاستعادة السيادة الوطنية والنهوض الحضاري الشامل.

 

18 تشرين الاول 2026

شارك