صهوة الوعي وبناء الأوطان: قراءة استراتيجية في جذور التاريخ وواقع السياسة المعاصرة

 

 

بقلم/ الكاتب والباحث السياسي

الشيخ عدنان صگر الخليفه

رئيس إتحاد القبائل العراقية

 

تمثل هذه الأطروحة تحولاً فكرياً واعياً بعيداً عن حالة العاطفة السطحية التي كبّلت العقل السياسي لعقود، لتضع أمام النخب والشعوب قراءةً استراتيجيةً صريحةً تستند إلى حقائق التاريخ وسنن الواقع؛ فحين نتأمل المجرى التاريخي الطويل للعلاقة بين بني إسرائيل والرسالات الإلهية المتعاقبة، نجد أن التدفق الهائل للأنبياء والرسل بالمئات والآلاف عبر العصور لم يكن إلا دليلاً على الرحمة الإلهية من جهة، وعلى انحراف متجذر وعناد نفسي عصيّ على التقويم من جهة أخرى، إذ لم تزد تلك النُّذُر والمعجزات القوم إلا تمارداً ونكثاً للمواثيق، وما يترتب على هذا الفهم العقدي هو حقيقة سياسية قطعية مفادها أن من لم يحترم ميثاق الخالق الجليل ولم يراعِ حرمة أنبيائه المؤيدين بالوحي لن يحترم عهوداً أو معاهدات وضعية أُبرمت في كواليس المصالح السياسية الحديثة. وهذا الإدراك للسنن التاريخية يتكامل مع فهم الجوهر الذي قامت عليه المنظومة الدولية المعاصرة عقب الحربين العالميتين؛ إذ لم تُبنَ المخططات الدولية وتحديد الحدود لتثبيت غايات روحية مجردة أو للوصول بالشعوب إلى معارج الرقي المثالي، بل قام النظام العالمي على منطق الواقعية السياسية واقتسام النفوذ لضمان تفوق القوى الكبرى وإبقاء الأقاليم المستضعفة تحت وطأة الاستهلاك والتبعية، مما يفرض التمييز الحاسم بين الغاية التعبدية الفردية للإنسان وبين الوظيفة النفعية للدولة التي وُجدت كإطار واقعي لحماية الأرواح وإدارة الموارد وصيانة الحدود. وعلى ضوء هذا التطور المفهومي يظهر الانتقال التاريخي لقاعدة وضع اليد القانونية من نطاقها الفردي المتمثل في حيازة الملكية وإحياء الأرض وعمرانها إلى النطاق السيادي والمؤسسي الشامل للدولة الوطنية الحديثة، حيث أصبحت الدولة بحدودها النافذة وقوانينها المنظمة بمثابة واضع اليد الأكبر على مجالها الجغرافي، لتأخذ دور الأب والراعي المباشر لأبناء العائلة الكبرى، وهنا تنبثق القاعدة العرفية والشرعية الخالدة القائلة بأن ما يحتاجه البيت يحرم على الجامع، مما يجعل أقدس الواجبات السيادية مقصورةً على كفاية الداخل وتوفير الأمان والخدمات والكرامة لأبناء الوطن أولاً، ويعتبر منح المقدرات الوطنية للخارج على حساب حرمان الشعب انتهاكاً صارخاً للحقوق ومخالفة للفطرة والشرع. ومن هذا المنطلق العقلي والديني لا يُقبل منطقاً ولا شرعاً إجبار مجتمع يفتقر لأدوات القوة والردع على خوض معارك غيره أو الاكتواء بأتون الصراعات العابرة للحدود تحت طائلة الشعارات العاطفية، لا سيما وأن النصوص الدينية الصريحة نهت بحزم عن إلقاء النفس في التهلكة، وهي معضلة تتضاعف مرارتها في المشهد العراقي بسبب تآكل بنية الدولة بفعل المحاصصة الحزبية وتجزئة القرار الوطني بين القوى المتسلطة، مما جعل الأولوية المطلقة تنحصر في ترميم البيت الداخلي وإعادة بناء المؤسسات السيادية. وفي الختام يبقى اختبار المصداقية لأصحاب الشعارات مرهوناً بالقدرة على التوحد والتصدي الميداني من خلال تشكيل كتلة بناء موازية قوية تمتلك الاقتصاد والتقنية والقوة على أرض الواقع لمواجهة الخصوم الذين يُدار صراعهم ببراغماتية وتكاتف صلب، أما الاستمرار في إطلاق الشعارات العريضة مع بقاء الفرقة والانقسام والضعف فليس سوى استغلال مكشوف لمشاعر الشعوب وزجّ بها في أتون المهالك دون وجه حق.

شارك