
جمر الوعي وسور السلطة: قراءة في فلسفة الانتظار ومآلات الحراك الشعبي في العراق
بقلم/الكاتب والباحث السياسي
الشيخ عدنان صگر الخليفه
رئيس إتحاد القبائل العراقية
يشهد المشهد السياسي والاجتماعي في العراق مفارقة عميقة بين نصوص دستورية تكفل حق التظاهر والتعبير عن الرأي، وبين واقع تنفيذي وأمني تحوّلت فيه إدارة الدولة إلى هندسة أمنية تهدف حصراً إلى حماية ديمومة بقاء الأحزاب المتسلطة. لقد تركت انتفاضة تشرين 2019 درساً عميقاً في عقيدة السلطة، مؤداه استحالة السماح بتكرار مشهد خروج الشارع عن السيطرة. ومن هنا، فرضت المنظومة الحاكمة حصاراً مشدداً وتقطيعاً لأوصال الجغرافيا وتطويقاً للساحات، لتبدو تلك المساحات وكأنها زنزانة سجن كبرى يشترط لدخولها اجتياز شروط قاسية وتجريد المواطن من أبسط مقتنياته، وهو ما يعكس هلع السلطة الوجودي واستفزازها المتعمد لكرامة الشارع.
ورغم قسوة هذه الإجراءات، أثبتت الذكرى السنوية للانتفاضة حقيقة ساطعة تتمثل في فشل الجهات والأحزاب التي ادعت معارضة السلطة أو زعمت قدرتها على قيادة الشارع وثورته. فقد أظهر الشارع بوعيه المستقل أن هؤلاء “المتسلقين” لا يملكون أي ولاية حقيقية على الجماهير، بل هم باحثون عن مكاسب ومغانم شخصية على حساب دماء الشهداء وتضحيات الشباب. لقد لفظ الشارع الجميع، سواء من يديرون السلطة اليوم أو من يحاولون استثمار غضبها، مؤكداً رفضه الشامل للطبقة السياسية برمتها.
في مواجهة هذا الطوق الأمني، أثبت الشارع العراقي أنه شعب “ولّاد” لا يهزم، تشبه حركته جريان الماء فوق الصخور؛ مهما بلغت صلابة التحصينات، يجد الماء دائماً منفذاً ومساراً لاختراقها. وقد تجلى هذا النضج في التمسك الأسطوري بالسلمية المطلقة. رغبةً من المتنفذين وأصحاب الأغراض في جرّ الانتفاضة إلى مربع العنف المضاد واللا سلم لتبرير القمع، حافظت العقلية الشعبية المحترمة على سلمية الاحتجاج، مسقطة بذلك كل الذرائع الأمنية ومحافظة على نقاء البوصلة والأهداف الوطنية.
لقد أدرك الشباب المنتفض بحسّ حضاري رفيع أن الانجرار خلف الصدام الدموي المفتوح يخدم أجندات الخصم، ففضلوا “الانتظار المدروس” والعمل التنظيمي والتوعوي الصامت بعيداً عن استنزاف الدماء المجانية. فالحكمة الشعبية تراهن على الصبر المبني على الدراسة والتحليل لتحقيق الأهداف الكبرى، بدلاً من التسرع وضياع الجهود. هذا التحول الاستراتيجي يعني أن النيران الظاهرة قد تخمد أحياناً، لكن “الجمر تحت تراب الأوهام” يظل مشتعلاً، يتغذى على خيبات الأمل والإخفاقات المتراكمة.
أخيراً، سقطت تماماً كل اتهامات الشيطنة والتخوين والتبعية الخارجية التي روجت لها السلطة ومأجوروها لتبرير قمع المحتجين؛ فأثبت الحراك أنه عراقي الأصل والمنهاج والفكر، بلا أجندات خارجية سوى الانتماء المطلق للوطن. إن هذا الوعي العميق والاستراتيجية الصامتة يؤكدان أن إرادة الشعب العراقي قادرة على صياغة مستقبلها بحكمة واقتدار.
25 تشرين الاول 2026



