الرذيلة تأكل وجه الإنسانية

بقلم: الكاتبة والمربّية فاطمة يوسف بصل

ثمة وحوشٌ لا تسكن الغابات، ولا تحتاج إلى أنيابٍ تنهش بها فرائسها؛ فهي تسكن بعض النفوس، وتتغذّى على ضعف الضمائر، وتقتات من خيبات الآخرين. إنّها الرذيلة حين تتسلّل إلى الإنسان، فتأكل من روحه قطعةً بعد أخرى، حتى لا يبقى من ملامحه الإنسانية سوى وجهٍ مستعار، يبتسم في العلن، بينما يخفي في أعماقه خرابًا لا تراه العيون. وما أشدّ فظاعة أن يصل الإنسان إلى مرحلةٍ لا يعود فيها محتاجًا إلى قناعٍ يخفي به قبحه، لأنّه اعتاد قبحه حتى ظنّه جمالًا! فالمأساة الحقيقية ليست أن يسقط الإنسان في وحل الرذيلة، بل أن يفقد إحساسه بالوحل، وأن يمشي فوق أنقاض قيمه مزهوًّا بانتصاراتٍ لا وجود لها إلا في خياله.
إنّنا نعيش زمنًا اختلطت فيه الوجوه بالأقنعة، وتبدّلت فيه أسماء الأشياء حتى صار القبح يبحث عن لغةٍ تبرّره، والخيانة ترتدي ثوب الذكاء، والانتهازية تتزيّن باسم الواقعية، والنفاق يتخفّى خلف دبلوماسيةٍ باردة. لم يعد الشرّ دائمًا وحشًا مكشوف الأنياب، بل أصبح قادرًا على ارتداء ربطة عنق، وإلقاء الخطب عن النزاهة، والتحدّث عن المبادئ بلسانٍ لا يعرف من الحقيقة سوى حروفها. وهنا تكمن خطورة الرذيلة؛ فهي لا تكتفي بإفساد السلوك، بل تحاول إعادة تعريف الفضيلة، حتى يصبح الشريف غريبًا في مجتمعٍ اعتاد المساومة، ويصبح صاحب الضمير متّهمًا لأنّه رفض المشاركة في مسرحية الزيف.
إنّ الرذيلة لا تبدأ دائمًا بجريمةٍ عظيمة، ولا تدخل النفس من أبوابها المشرّعة دفعةً واحدة؛ فقد تولد من كذبةٍ صغيرة، أو نظرة حقد، أو غيرةٍ مسمومة، أو كلمةٍ تُقال لتشويه سمعة إنسان، أو موقفٍ نتخلّى فيه عن الحقّ لأنّ الباطل أكثر نفعًا لنا. ثم تتكاثر تلك البذور في تربة الأنانية، وتتمدّد جذورها في أعماق الروح، حتى تتحوّل إلى غابةٍ من القسوة، لا تجد فيها الرحمة طريقًا، ولا يستطيع الضمير أن يرفع صوته. فالإنسان لا يسقط دفعةً واحدة، بل يتنازل عن جزءٍ من نقائه في كلّ مرة يختار فيها مصلحته على حساب كرامة غيره، حتى يأتي اليوم الذي يكتشف فيه أنّه خسر نفسه في سلسلةٍ من التنازلات التي ظنّها عابرة.
والمؤلم أنّ بعض البشر لا يكتفون بارتكاب الخطأ، بل يبرعون في صناعة الأعذار له، وكأنّهم محامون يدافعون عن فساد أرواحهم أمام محكمة الضمير. يظلمون ثم يتحدّثون عن العدالة، يخونون ثم يرفعون شعارات الوفاء، يكسرون خواطر الآخرين ثم يتظاهرون بالرقة، ويطعنون الغائبين ثم يوزّعون النصائح عن الأخلاق. إنّهم لا يخشون أن يكونوا سيّئين بقدر ما يخشون أن تنكشف حقيقتهم؛ فكلّ ما يعنيهم هو الصورة التي يرسمونها في عيون الناس، لا الحقيقة التي تسكن أعماقهم. وهكذا تتحوّل الحياة إلى مسرحٍ كبير، يتقن فيه البعض تمثيل الفضيلة، بينما يتولّى الآخرون دفع ثمن الخديعة.
ولعلّ أخطر أشكال الرذيلة أن تتحوّل إلى ثقافةٍ تُورَّث، وسلوكٍ يُصفَّق له، ومنهجٍ يُكافأ أصحابه. حين يُمنح الوصوليّ مكانةً لا يستحقّها، ويُقصى النزيه لأنّه لا يجيد التملّق، ويُحاصر الصادق لأنّ كلمته تزعج أصحاب المصالح، عندها لا نكون أمام خللٍ أخلاقيّ فرديّ فحسب، بل أمام منظومةٍ مقلوبةٍ تُعيد إنتاج الانحطاط وتمنحه شرعيةً زائفة. وما أشدّ خطر مجتمعٍ يُكافئ من يجيدون التلوّن، ويعاقب من يتمسّكون بثبات المبادئ! ففي مثل هذا المجتمع لا يموت الحقّ لأنّه ضعيف، بل لأنّ كثيرين يختارون الصمت حين يصبح الدفاع عنه مكلفًا.
إنّ الأخلاق ليست زينةً نعلّقها على جدران حياتنا، ولا كلماتٍ نردّدها في المناسبات، ولا صورةً جميلةً نعرضها أمام الآخرين؛ إنّها البنية العميقة التي يقوم عليها وجود الإنسان. هي أن تحفظ كرامة من لا يستطيع الدفاع عن نفسه، وأن تنصف من تختلف معه، وأن تردّ الأمانة ولو لم يراقبك أحد، وأن ترفض تشويه سمعة إنسانٍ حتى لو كان غيابه فرصةً سهلةً للنيل منه. الأخلاق هي أن تكون عادلًا حين تستطيع أن تظلم، وصادقًا حين تنقذك الكذبة، ومتواضعًا حين تمنحك السلطة وهم التفوّق. إنّها امتحان الإنسان في غياب الرقيب، حيث لا شهود سوى ضميره، ولا قاضٍ سوى الحقيقة.
وما أكثر الذين يخلطون بين القوة والبطش، وبين الهيبة والتسلّط، وبين احترام الناس والخوف منهم! يظنّ أحدهم أنّ ارتفاع صوته دليل مكانته، وأنّ قدرته على كسر الآخرين برهان قوّته، وأنّ امتلاك النفوذ يمنحه حقّ العبث بمصائر من هم دونه. لكنّ القوة التي لا يرافقها عدلٌ تتحوّل إلى استبداد، والسلطة التي لا يحكمها ضمير تصبح سلاحًا موجّهًا إلى الإنسان، والنجاح الذي يُبنى على إهانة الآخرين ليس نجاحًا، بل سقوطٌ مزيّنٌ بأضواء زائفة. فالإنسان العظيم لا يُقاس بعدد الذين يخشونه، بل بعدد الذين يشعرون بالأمان في حضرته.

ثمّة رذيلةٌ أخرى أكثر خفاءً، هي رذيلة التشفّي بآلام الآخرين. أن يرى المرء إنسانًا يتعثّر في طريقه، فيمدّ يده ليدفعه نحو الهاوية بدل أن يساعده على النهوض؛ أن يستغلّ لحظة ضعفه ليُشعره بصغره؛ أن يحوّل وجعه إلى حكايةٍ يتسلّى بها الآخرون. أيّ فراغٍ روحيّ هذا الذي يجعل الإنسان يجد لذّته في انكسار إنسانٍ آخر؟ وأيّ قسوةٍ تلك التي تجعل الدموع مشهدًا للشماتة بدل أن تكون نداءً للرحمة؟ إنّ القلوب التي لا ترتجف أمام وجع الآخرين تكون قد فقدت شيئًا من إنسانيتها، مهما ازدانت أصحابها بمظاهر الوقار والاحترام.
ولا يمكننا أن نتحدّث عن الرذيلة من دون أن نتوقّف عند الخيانة؛ تلك الطعنة التي لا تأتي دائمًا من عدوّ، بل قد تخرج من يدٍ وثقنا بها، أو قلبٍ منحناه أسرارنا، أو لسانٍ ظننّاه مأمنًا. فالخيانة ليست مجرّد نقضٍ للعهد، بل اعتداءٌ على المساحة الآمنة التي يبنيها الإنسان في داخله حين يثق بغيره. وهي تكشف معدن صاحبها أكثر ممّا تكشف ضعف من تعرّض لها. فليس كلّ من خُدع ساذجًا، وليس كلّ من خان ذكيًّا؛ أحيانًا يكون الوفاء أعلى درجات الوعي، وتكون الخيانة أعمق درجات العجز الأخلاقي.
وإذا كان للإنسان أن يخطئ، فليس من العيب أن يتعثّر، بل العيب أن يتّخذ من سقوطه وطنًا، وأن يرفض الاعتراف بخطئه، وأن يحوّل كبرياءه إلى جدارٍ يمنعه من العودة إلى الطريق الصحيح. فالرذيلة لا تعني مجرّد ارتكاب الخطأ، بل الإصرار عليه، وتزيينه، والدفاع عنه، والتفنّن في تكراره. أمّا الفضيلة فتبدأ من لحظة صدقٍ مع الذات، حين يجرؤ الإنسان على مواجهة صورته الحقيقية، وينزع عنها مساحيق التبرير، ويعترف بأنّ في داخله ما يحتاج إلى إصلاح. فالاعتراف بالخطأ ليس هزيمةً للكرامة، بل استعادةٌ لها من قبضة الغرور.
ومع كلّ هذا السواد، لا ينبغي أن نمنح الرذيلة انتصارًا كاملًا، فالعالم لم يفقد آخر نوافذ الضوء. ما زالت هناك نفوسٌ تقاوم التلوّث، وقلوبٌ تحفظ الودّ في زمن الجحود، وأيدٍ تمتدّ بالعطاء دون انتظار مقابل، وألسنةٌ تقول الحقّ ولو دفعت ثمنه عزلةً أو خسارة. هؤلاء لا يصنعون ضجيجًا حول فضائلهم، ولا يحتاجون إلى منصّاتٍ ليعلنوا نقاءهم؛ فهم يتركون أخلاقهم تتحدّث عنهم، ويؤمنون أنّ قيمة الإنسان لا تكمن فيما يجمعه من مكاسب، بل فيما يرفض أن يفعله كي لا يخسر نفسه. إنّهم أشبه بنوافذ صغيرة في جدارٍ طويل من العتمة، يذكّروننا بأنّ الإنسانية، مهما أثقلتها الرذائل، لا تزال قادرةً على النهوض.
إنّ مواجهة الرذيلة لا تبدأ بإصلاح العالم من حولنا، بل بمحاسبة الإنسان الذي يسكن داخلنا. أن نراجع كلماتنا قبل أن نجرح بها أحدًا، وأن نزن مواقفنا قبل أن نخون بها حقًّا، وأن نسأل أنفسنا في كلّ منعطف: هل نتصرف لأنّنا أصحاب مبدأ، أم لأنّ المصلحة تقودنا؟ فليس المطلوب أن ندّعي الكمال، بل أن نحافظ على يقظة الضمير، وألّا نسمح للأنانية بأن تصبح قانونًا، ولا للغرور بأن يتحوّل إلى هوية، ولا للمصلحة بأن تبتلع آخر ما تبقّى فينا من رحمة.
ليست أخطر الكوارث أن تتصدّع المدن، أو تنهار الحضارات، أو تخلو خزائن الأرض من كنوزها؛ فكلّ ذلك يمكن أن يُعاد بناؤه ما دام الإنسان يحتفظ بضميره. أمّا حين ينهار الداخل، وتُهدم القيم، ويصبح الظلم وجهة نظر، والخيانة شطارة، والرحمة ضعفًا، فهنا تبدأ النهاية الحقيقية؛ لأنّ الحضارة التي تفقد أخلاقها تشبه جسدًا يحتفظ بمظهر الحياة بينما تتآكل أعضاؤه في صمت. إنّ الرذيلة لا تقتل الإنسان حين تسلبه ماله أو مكانته، بل حين تجعله يتخلّى عن إنسانيته وهو يظنّ أنّه يربح العالم.
فلنحذر أن نكو من أولئك الذين يلمّعون وجوههم أمام المرايا، فيما أرواحهم غارقةٌ في عتمةٍ لا تصل إليها الأضواء. ولنتذكّر أنّ الزمن قد ينسى الأسماء، وأنّ المناصب تزول، وأنّ المظاهر تتساقط كما تتساقط أوراق الخريف، لكنّ الأثر الأخلاقيّ يبقى شاهدًا على حقيقة صاحبه.
فليس أشدّ رعبًا من إنسانٍ فقد إنسانيته، إلا إنسانٍ فقدها ولم يعد يدرك أنّه فقدها؛ فالأول يعرف سقوطه، أمّا الثاني فقد اتّخذ من الهاوية عرشًا، ومن الرذيلة تاجًا، ومن تشويه وجه الإنسانية انتصارًا!

شارك