المخاوف الاستعمارية: حين يُطالب الاحتلال بتعطيل عجلة السلام في السودان وليبيا خدمةً لأمنه!

 

أشرف التهامي.

 

 

بينما تتطلع الشعوب المنكوبة في السودان وليبيا إلى بصيص أمل لإنهاء سنوات عجاف من الدمار والاقتتال، يأبى “الكيان الإسرائيلي” ومُنظّروه أن تُشرق شمس الاستقرار في هذين البلدين إلا وفق المقاسات الأمنية الخاصة بتل أبيب.

ففي مقال ترويجي لمنطق الوصاية والهيمنة، يخرج علينا العقيد الاحتياط الإسرائيلي “عيران ليرمان” من خلال تقريره الذي نشر على الموقع الرسمي لمعهد القدس للاستراتيجية والأمن (JISS) العبري ، ليملي على الإدارة الأمريكية ومبعوثها “مسعد بولس” شروطاً تعسفية، وكأن استقرار قارتين بأكملهما مجرد فرع صغير في غرفة العمليات الاستخباراتية للاحتلال، متناسين أن حق الشعوب في السلام والسيادة يعلو فوق أي ابتزاز أمني.

و قد جاء تقرير “عيران ليرمان” تحت الرابط: https://jiss.org.il/en/lerman-peace-in-sudan-and-libya-must-not-come-at-israels-expense/

1-تفنيد رؤية التقرير (لعيران ليرمان والمعهد): إجهاض مساعي السلام تحت ذريعة “الأمن القومي”.

ترتكز الرؤية التي قدمها العقيد (احتياط) عيران ليرمان باسم معهد القدس على رفض أي تسوية سياسية في السودان وليبيا إن لم تضمن خضوع هذين البلدين للمظلة الأمنية والمصالح الاستراتيجية للكيان الإسرائيلي.

· في السودان: يتخذ التقرير من خطر “التوسع الإيراني” والشبكات الإسلامية ذريعةً للتدخل في مسار التسوية، محذراً من أن أي اتفاق لا يقضي كلياً على الفصائل المعنية يشكل تهديداً مباشراً لمصالح تل أبيب، متجاهلاً المعاناة الإنسانية الهائلة للشعب السوداني في سبيل حياكة الهواجس الأمنية.

· في ليبيا: يبدي التقرير انزعاجاً عميقاً من التوازنات الإقليمية واتفاقيات السيادة البحرية (مثل الاتفاقية التركية الليبية)، بحجة تأثيرها المحتمل على تحالفات إسرائيل في شرق المتوسط مع مصر واليونان وقبرص، ليضع خطوطاً حمراء أمام أي توافق ليبي داخلي يخرج عن السيطرة الإسرائيلية-الغربية.

2-نقد ومحاسبة للتوجه الإسرائيلي المعرقل للاستقرار.

إن السياسة التي يتبناها معهد القدس (JISS) والعقيد عيران ليرمان حيال مساعي السلام في ليبيا والسودان تعكس نزعة استعمارية قائمة على تفكيك الدول وإبقاء بيئة الاستنزاف مشتعلة، حيث يرى الاحتلال في أي استقرار حقيقي أو حكم مدني مستقل تهديداً لنفوذه.

إن محاولة تكبيل الدبلوماسية الأمريكية باشتراطات تعجيزية تهدف بالأساس إلى إفشال أي تسوية لا تصب في مصلحة الهيمنة الإسرائيلية، وتعمل على وأد أي فرصة حقيقية لبناء مؤسسات وطنية مستقلة في الخطوط الخلفية للقارة الأفريقية والعالم العربي.

3-طريق الخلاص الحقيقي لشعوب السودان وليبيا بعيداً عن وصاية “معهد القدس” والاحتلال.

خلافاً لما يحاول عيران ليرمان ومعهد القدس فرضه من معادلات “السلام الفاشل” أو الوصاية الأمنية، فإن تحقيق الأمن القومي الحقيقي والاستقرار المستدام في السودان وليبيا لا يمر عبر بوابات الرضا الإسرائيلي ولا الخضوع للحسابات الجيوسياسية لتل أبيب. إن طريق الخلاص يكمن في:

1-السيادة الوطنية الخالصة: إرادة شعبية حرة تُقصي التدخلات الخارجية بكافة أشكالها، وتؤسس لشرعية منبثقة من الداخل وليست مفروضة من الخارج.

2-بناء مؤسسات الحكم المدني: إرساء قواعد ديمقراطية ومؤسسات وطنية تخضع للمساءلة الشعبية وتضمن العدالة والتنمية، وتغلق الأبواب نهائياً أمام استغلال الانقسامات.

3-السلام القائم على العدل: إن السلام الحقيقي في السودان وليبيا هو الذي يصنع رفاهة شعوبهما ويحفظ ثرواتهما ومقدراتهما، بمعزل عن ابتزازات “الأمن القومي المزعوم” للكيان الإسرائيلي ومراكز أبحاثه، ليبقى مصير هاتين الدولتين بيد أبنائهما وحدهم.

الخاتمة .

إن ما يطرحه معهد القدس الإسرائيلي للإستراتيجية والأمن ومفكرو الاحتلال من اشتراطات تعسفية ومحاولات لإجهاض فرص الاستقرار في السودان وليبيا، يكشف مجدداً عن العقيدة الاستعمارية للكيان الإسرائيلي الذي يقتات على إدامة الأزمات، وتغذية الفوضى، وقضم الأراضي العربية، وانتهاك السيادة الوطنية لشعوب المنطقة.

إن شعبي السودان وليبيا – شأنهما شأن كل شعوب أمتنا العربية الحية – يمتلكان الحق الاصيل والمطلق في العيش بسلام دائم، وتحقيق العدالة، وبناء مؤسساتهما الوطنية المستقرة تحت مظلة السيادة الوطنية الكاملة وبمعزل عن أي وصاية خارجية أو ابتزاز استخباري.

ومن هنا، تبرز الضرورة القصوى لإذكاء الوعي القومي واليقظة الاستراتيجية الشاملة لمناهضة هذه السياسات العدوانية المتجذرة على دماء الشعوب وتطلعاتها، مؤكدين أن مسار السلام العادل والمستدام لن يخطه المحتلون أو مراكز أبحاثهم، بل تصنعه إرادة الشعوب الحرة وحدها وهي تفرض سيادتها على كامل أراضيها ومقدراتها.

شارك