
خربشات من الذاكرة… وجوهٌ عبرت أمامي… وبقيت في الذاكرة
– الجزء الرابع
بقلم: أمين السكافي
كانت الساعة الثامنة صباحاً حين طُلب منا الخروج، واحداً تلو الآخر، في طابور طويل. لم أكن أعرف إلى أين نذهب، ولا لماذا يتعين علينا أن نسير بهذه الطريقة. كنت في الثانية عشرة من عمري تقريباً كما كنت قد أسلفت، في ذلك العمر الذي يفترض أن ينشغل فيه الطفل بألعابه وأصدقائه وأحلامه الصغيرة، لا بأن يقف أمام جنود يحتلون أرضه، ويتفحصون وجهه ووجوه أهله.
صعدنا الدرج المؤدي إلى الباحة، وهناك رأيت للمرة الأولى جنوداً إسرائيليين عن قرب. كانوا يقفون باسترخاء لافت، يراقبون الخارجين ويمعنون النظر في وجوههم، بحثاً عمّن كانوا يسمّونهم «المخرّبين»، فيما كنا نحن نطلق عليهم اسم الفدائيين.
لا أعرف لماذا استوقفني ذلك المشهد إلى هذا الحد. ربما لأنني كنت أحاول أن أستوعب كيف يمكن لهؤلاء الرجال أن يقفوا بكل هذه الطمأنينة في مكان لم يأتوا منه، وبين أناس لا يعرفونهم، بعدما قطعوا المسافة من فلسطين إلى صيدا، ومنها إلى بيروت، وكأن الطريق لم يكن أكثر من نزهة عسكرية طويلة.
كان في داخلي سؤالان لم أستطع الإجابة عنهما.
الأول: من أين جاءت كل هذه الثقة؟ هل كان انتصارهم قد منحهم هذا الاسترخاء، أم أن سهولة وصولهم إلى هذا المكان جعلتهم يشعرون بأن لا شيء يقف في طريقهم؟ كيف أمكن لجيش أن يعبر كل تلك المسافات، فيما كنا نسمع طوال سنوات عن الفدائيين وبطولاتهم وقدرتهم على مواجهة العدو؟
أما السؤال الثاني، فكان أكثر طفولية، وربما أكثر التصاقاً بذاكرتي.
كنت قد رسمت للجندي الإسرائيلي صورة مختلفة تماماً. فمن كثرة ما سمعنا عن قوته التي لا تُقهر، تخيلته رجلاً عملاقاً، فارع القامة، مفتول العضلات، حاد النظرات، يشبه أبطال أفلام هوليوود، وكأنه خُلق ليكون أقوى من سائر البشر. وفي المقابل، كانت صورة الفدائي في مخيلتي صورة الرجل الضخم، القوي، الذي تسبقه هيبته أينما حلّ.
لكن ما رأيته أمامي لم يكن كذلك.
كانوا شباناً عاديين، بأجساد عادية ووجوه لا تحمل شيئاً استثنائياً. للحظة، شعرت أن الأسطورة التي كبرت عليها لا تشبه الحقيقة التي أقف أمامها. كيف استطاع هؤلاء العاديون أن يصلوا إلى هنا، وأن يهزموا أولئك الذين تخيلناهم أشبه بالجبال؟
لم أكن أملك جواباً، ولم أكن أعرف يومها أن الحروب لا تُحسم بعضلات الرجال، ولا أن الصورة التي تصنعها الحكايات قد تكون أكبر بكثير من أصحابها. لكن ذلك السؤال بقي معي، وكبر معي، حتى بدأت أفهم أن القوة ليست دائماً في الجسد، وأن الهزيمة قد تبدأ أحياناً قبل أن يلتقي المتقاتلون، حين تنهار صورة القوة في نفوس أصحابها.
خرجنا من المكان، واجتزنا عشرات الجنود والآليات العسكرية المنتشرة في الطريق، حتى وصلنا إلى منزلنا.
كان البيت ينتظرنا بصورته التي لم نعرفها من قبل. زجاج محطم، أبواب وشبابيك مخلّعة، وأشياء مبعثرة في كل زاوية. بدا كأن عاصفة مرت من هنا، لكنها لم تحمل معها شيئاً، بل تركت الخراب خلفها. لم يكن هناك كهرباء ولا مياه، ولا أفران تعمل. ومع ذلك، كانت الحياة تبحث عن طريقها بين الركام.
تدبّرت والدتي طعاماً مما بقي في المنزل من مؤونة وحواضر. أتذكر تلك التفاصيل اليوم، وأشعر أن الأمهات في الحروب يملكن قدرة عجيبة على إخفاء خوفهن خلف أبسط الأفعال. قد يكون البيت مهدماً، وقد يكون الخطر على الأبواب، لكن الأم تظل تفكر كيف تطعم أبناءها، وكأن إعداد وجبة صغيرة هو آخر ما تستطيع فعله لتقول إن الحياة لم تنتهِ بعد.
غير أن نهارنا كان يخفي مشهداً آخر.
بعد قليل، بدأت أصوات مكبرات الصوت تتردد في المكان، تنادي بكلمات لم نفهمها في البداية: «بخر بخر». ثم بدأت الصورة تتضح. مُدّ حبل من محلنا إلى بوابة المدرسة المقابلة، وحبل آخر في أسفل الطريق بالقرب من البحر، لتُحصر المنطقة بينهما، ويُطلب من الرجال اللبنانيين والفلسطينيين، من الخامسة عشرة حتى الستين، التجمع داخلها ليؤمروا بالجلوس على الأرض في حر الظهيرة وبعدها في برودة الليل كانوا بالمئات .
كان الرجال يخرجون من الأزقة والمنازل. وجوه مألوفة وأخرى غريبة، رجال بثياب العمل وآخرون بملابس المنزل. كان المشهد يشبه استدعاءً جماعياً لا يعرف أحد أسبابه ولا نهايته. أتخيل اليوم ما كان يدور في رؤوسهم: هل سيعودون إلى بيوتهم؟ هل سيُعتقل أحدهم؟ وهل سيكون مجرد وجوده في المكان كافياً ليصبح موضع شبهة؟
ثم بدأت عملية الفرز.
كانت هناك آلية عسكرية تقف بين الرجال، يجلس فيها شخص لبناني أو فلسطيني، لا أعرف على وجه اليقين، لكنه كان يعمل مع الإسرائيليين. كان يخفي وجهه بقناع لا يظهر منه سوى عينين. رجل مجهول الهوية، يعرف الناس، وربما يعرفونه، لكنه اختار ألا يروه.
كلما مر أحد الرجال وتعرّف إليه ذلك المقنّع، أطلقت السيارة بوقها إشارةً إلى أنه مطلوب باعتباره من الفدائيين.
كان صوت البوق كافياً لتغيير حياة إنسان.
يتقدم الجنود نحوه، يطرحونه أرضاً، يقيّدون يديه، ويضعون كيساً على رأسه، ثم يسوقونه تحت ضرب أعقاب البنادق إلى الشاحنات التي تنقله إلى أماكن التحقيق والتعذيب.
كنت أراقب المشهد بعين طفل لا يفهم كل ما يجري، لكنه يشعر بقسوة ما يراه. رجل كان قبل لحظات يقف بين جيرانه وأهله، فإذا به يصبح مكبّل اليدين، مغطى الرأس، عاجزاً عن رؤية الطريق الذي يساق إليه. وربما كانت عيناه، خلف ذلك الكيس، تبحثان عن وجه مألوف، عن زوجة أو ابن أو أخ، عن أي شخص يستطيع أن يقول له إنه ليس وحده.
ما زلت أتساءل عن ذلك المقنّع. كيف استطاع أن ينظر إلى وجوه الناس ويشير إلى بعضهم؟ كيف أمكنه أن يسلّم أبناء بلده إلى من يحتل أرضهم، وهو يعرف أن إشارته قد تقودهم إلى التعذيب وربما إلى مصير لا عودة منه؟
لم أكن أعرف يومها المعنى الكامل للعمالة، ولا حجم السقوط الذي يمكن أن يصل إليه الإنسان حين يضع معرفته بأهله وأبناء بلدته في خدمة المحتل. لكنني أدركت، بفطرتي الصغيرة، أن هناك شيئاً أكثر إيلاماً من أن يعتقلك عدوك؛ أن يكون من يدلّ عليك واحداً من الذين يفترض أنهم يشبهونك وينتمون إليك.
ربما لهذا بقيت صورة المقنّع في ذاكرتي أكثر من صورة الجنود أنفسهم. فالجندي جاء بسلاحه، ولم يخفِ هويته ولا موقعه. أما ذلك الرجل، فكان يعرف أن وجهه لو ظهر بين الناس لربما لم يستطع النظر في عيونهم مرة أخرى.
كبرتُ بعد ذلك، ومضت السنوات، وتبدّلت الوجوه والرايات، لكن مشهد الرجال الواقفين في ذلك الطابور لم يغادرني. كلما استعدت ذلك الصباح، أعود طفلاً في الثانية عشرة، أراقب مصائر الرجال وهي تتغير مع صوت بوق، وأحاول أن أفهم كيف يمكن للإنسان أن يكون بهذه القسوة على إنسان آخر.
لم أكن أعرف أن بعض المشاهد لا تنتهي عندما نغادر المكان، وأن هناك صوراً تسكن الذاكرة وتنتظر العمر كله حتى نفهمها.
لقد علّمني ذلك النهار، قبل أن أتعلم من الكتب والتجارب، أن الاحتلال لا يكتفي باحتلال الأرض، بل يحاول أن يحتل العلاقات بين الناس، وأن يحوّل الخوف إلى سلاح، والثقة إلى فخ، والجيرة إلى مصدر للريبة.
ومنذ ذلك الصباح، بقيت الوجوه في ذاكرتي؛ وجه الجندي الذي جاء من بعيد، ووجه المقنّع الذي كان بيننا، ووجوه الرجال الذين خرجوا من بيوتهم أحراراً ولم يعرفوا إن كانوا سيعودون إليها.
فبعض الوجوه لا نعرف أسماء أصحابها، لكننا لا ننساهم. وبعض الخيانات لا تحتاج إلى أن نعرف صاحبها، لأن أثرها يبقى في الذاكرة أطول من عمر أصحابها.
يتبع…



