
سقوط الترامبية وتيار ثالث بدأ يتشكل
كتب أحمد رفعت يوسف
في أعنف زلزال ضرب الحزب الجهوري، منذ فضيحة ووترغيت، التي أدت إلى استقالة الرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون، في العام 1974، جاءت انتخابات التجديد النصفي، في الولايات المتحدة الأمريكية، لتسقط الحزب الجمهوري، والرئيس ترامب، وتياره الذي يعبر عن جناح قوي من الدولة الأمريكية العميقة.
لم يخسر الحزب الجمهوري الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ فقط، وإنما خسر ولايات كانت تعتبر تقليديا من معاقله القوية، مثل تكساس وساوث كارولينا ونورث كارولينا وكانساس.
أما الأسباب الرئيسية لهذا الزلزال الانتخابي، فهي داخلية وخارجية عديدة:
** اتساع الفجوة بين وعود الرئيس ترامب الاقتصادية والسياسية، وما رآه الشعب الأمريكي على الأرض بعد عامين من إدارته.
** ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة والرسوم الجمركية، رغم تعهدات ترامب خلال حملته الرئاسية، بمعالجة التضخم، وتحسين القدرة الشرائية للأميركيين.
** فشل العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، في تحقيق الأهداف، وإطالة مدة الحرب، وشعور قطاعات واسعة من الشعب الأمريكي، بأن الرئيس ترامب كان أداة بيد نتنياهو، وانعكاس ذلك على حياة المواطن، والاقتصاد الأمريكي والعالمي، بسبب ارتفاع أسعار الوقود، والنقل، والأسمدة، والمواد الغذائية.
** كما أعطى تدخل الإعلامي الأمريكي الشهير تاكر كارلسون، للحديث عن تزايد تهديدات ترامب بتوجيه ضربة نووية لإيران، بهدف دفع مسؤوليها للرضوخ للشروط الأمريكية لوقف الحرب، واستثمارها في الانتخابات، أعطى نتائج عكسية، بسبب المخاوف من نتائجها السلبية على بلادهم، ومن رد انتقامي ليس فقط من إيران، وإنما من استخدام الخطوة الأمريكية، كمبرر لاستخدام السلاح النووي في أماكن أخرى في العالم، مثل أوكرانيا أو كوريا الجنوبية.
هذه النتائج والمؤشرات، تؤكد أنها لم تكن تصويتاً لصالح الحزب الديمقراطي، رغم أنه المستفيد الأول منها، بقدر ما كانت احتجاجاً على سياسات ترامب وتوجهات تياره، الذي ظهر في أعقاب السقوط اليمين الأمريكي المحافظ، وأفكاره ومشاريعه.
كما أنها ليست إيذاناً، بعودة هذا اليمين الأمريكي، للسيطرة على السياسات الأمريكية، وإنما بداية لظهور تيار ثالث، بدأ يتشكل، وسيتبلور مستقبلاً، عبر صناديق الاقتراع، وإيصال النواب، وحكام الولايات، ولاحقاً الرؤساء إلى البيت الأبيض.
أحد أبرز ملامح هذا التيار، هو تراجع تأثير اللوبي الصهيوني، وهو ما ظهر واضحاً، في فشل مرشحين كباراً كانوا يحظون بدعمه، مثل دارلين جراهام ،اخت السيناتور الصهيوني ليندسي جراهام، الذي توفي قبل عدة أشهر.
يقابل ذلك، ارتفاع تأثير الصوت العربي والإسلامي، وهو ما ظهر في فوز العديد من المرشحين من أصول عربية وإسلامية، هو الأكبر والأقوى في تاريخ الانتخابات الأمريكية، أبرزهم الطبيب من أصل مصري، عبد الرحمن السيد، الذي فاز بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، والصومالية إلهان عمر (المؤيدة لإيران) التي تمكنت من تجديد انتخابها في الكونغرس، والفلسطينية عبير قواس، التي انتخبت في مجلس ولاية نيويورك، والطبيب الأمريكي من أصل مصري آدم حموي، الذي فاز بمقعد في مجلس النواب في نيوجيرسي، ورشيدة طليب، من أصل فلسطيني، التي فازت للمرة الخامسة عن الحزب الديمقراطي في مجلس نواب ميشيغان، أما الضربة الأكبر، فكانت فوز عباس علوية، بعضوية مجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان، وهو ابن الجنوب اللبناني، وعاش طفولته في حي السلم في بيروت، أي أنه ابن بيئة حزب الله اللبناني.
وهناك فائزين لم تسلط الأضواء عليهم كثيراً، منهم الأمريكي من أصل سوري إبراهيم حماده، الذي فاز بمقعد في مجلس النواب عن الحزب الجمهوري بولاية أريزونا، وهو مؤيد للرئيس ترامب، ودارياليزا أفيلا شوفالييه، وهي ابنة عائلة مسلمة من المهاجرين الدومينيكان، وفازت في ولاية نيويورك، وأندريه كارسن، وهو أمريكي مسلم، تمكن من تجديد انتخابه في ولاية إنديانا.
هذا يؤكد، أن تأثير اللوبي الصهيوني، يكون في النخب، وقد بدأت تخف سطوته، لكن تأثيره ضعيف على الناخب الأمريكي، عندما يذهب إلى صناديق الاقتراع.
مع هذه النتيجة، سيتحول الرئيس ترامب إلى رئيس مشلول، رغم أن الدستور الأمريكي، يتيح له اتخاذ قرارات، واستخدام حق الفيتو، ضد أي قانون أو قرار يتخذه الحزب الديمقراطي، ولا يحظى بتأييده، لكن هذه الصلاحيات للرئيس، يقابلها صلاحيات للكونغرس، وخاصة في المحاسبة، والتحقيق، وإقرار الموازنات، والقوانين.
كما أنه وأد لأحلام وطموحات ترامب، بأن يصبح الأب الروحي للحزب الجمهوري، بعد انتهاء ولايته الرئاسية بعد عامين، وإبقاء سيطرته على الحزب، خاصة في اختيار المرشحين للرئاسة، والمناصب الرئيسية في الإدارات، وإبقاء الرئاسة في أسرته، عبر ترشيح ابنته أو صهره، وابنه مستقبلاً للرئاسة، وبشكل يحوله إلى ملك غير متوج، للولايات المتحدة الأمريكية.
كما من غير المستعبد، أن تتم محاولة لفتح ملفات جزيرة إبستين، وتورط الرئيس ترامب فيها، وحتى عزله من منصبه، كما حدث مع الرئيس ريتشارد نيكسون، في العام 1974.
أحمد رفعت يوسف



