حرب هرمز..هل تشكل نهاية لعصر البترودولار وحلف الغرب..؟

كتب د . رائد المصري

 

كشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، التصدُّعات العميقة في هيكل النظام العالمي، فهي ليست حرباً، بمنطق مواجهة عسكرية تقليدية في الجغرافيا المعقدة لكل منطقة غرب آسيا، بل أنَّ هذه الحرب الكبرى في منطقة الشرق الأوسط، يبدو أنها عَبثت بعقيدة الأمن التي ربطت العواصم العربية والغربية بالولايات المتحدة الأمريكية لعقود طويلة، فمنذ بداية سبعينيات القرن الماضي، وُلد نظام “البترودولار” كصفقة تاريخية بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، قائمة على النفط مقابل الحماية، وهذا الإتفاق كان العمود الفقري للهيمنة الأمريكية في العالم كلّه، وأصبح بموجبه الدولار هو العملة الرسمية للطاقة في العالم، ممَّا أعطى واشنطن نفوذاً إستراتيجياً وإقتصادياً واسعاً، والوصول إلى هذه اللَّحظة الخطرة في إدارة النزاع ومنها مضيق هرمز لم يكن نتيجة قوة إيران فقط، بل نتيجة سوء تقدير الأمريكيين، الذين نجحوا بإلحاق خسائر كبيرة بإيران، لكنهم فشلوا إستراتيجياً بسبب صلابة طهران في هذه الحرب.

 

اليوم، يرى أبرز الخبراء الغربيين في مجالات التاريخ والسياسة والعلاقات الدوليّة، أنّ إعادة فتح مضيق هرمز، يجب أن يكون هدفاً أساسياً، دون أن يبقى تحت سيطرة إيران أو بشروطها، فهذه الأزمة شكَّلت حالة طوارئ إقتصاديّة عاجلة، وإختباراً جيوسياسياً طويل الأمد، إذ عطّل إغلاق إيران للمضيق شرياناً حيوياً، يمرّ عبره ما يُقارب خُمس النفط والغاز الطبيعيّ المُسال في العالم، فإرتفعت أسعار السلع الأساسية، وزاد خطر الركود التضخّميّ حول العالم، فباتت القضيّة مُلحّة ليس فقط للجهات الفاعلة في الإقليم، بل للإقتصاد العالميّ بكلِّيته، وهنا لا بدَّ من التذكير في سياق تاريخيّ للأزمة اليوم، بسيطرة البرتغاليّين على هرمز أوائل القرن السادس عشر، وفرضهم ضرائب على التجارة الدولية، حتّى طُردوا بجهود مشتركة فارسيّة بريطانيّة، واليوم تسعى إيران إلى تكرار هذا الدور، من خلال ترسيخ مكانتها، مطالِبةً بالإعتراف بحقوقها في تنظيم حركة الملاحة، وفرض الضرائب عليها عبر المضيق كجزء من أيّ إتفاق سلام في المستقبل، وسيشكِّل ذلك إنتصاراً إستراتيجياً كبيراً لإيران، يقوِّي هيمنتها على دول الخليج المجاورة، ويُعزِّز نفوذها على التجارة العالميّة بشكلٍ محْكم، وهو أمر غير مقبول غربياً، إذ يجب أن يبقى المضيق مفتوحاً وبعيداً عن أي سيطرة أحاديّة.

 

لذا، فإن ما نراه اليوم، يبدو أنه يدلُّ على إنتهاء صلاحية هذه المعادلة القائمة على الحماية، فالحلفاء في منطقة الشرق الأوسط، إختاروا الحياد الصامت في هذه الحرب، مدْركين أنَّ المظلَّة الأمنية العسكرية الأمريكية، لم تعُدْ قادرة على حمايتهم، أو إعتراض مسيَّرات إيران وصواريخها، التي كبَّدت المنطقة خسائر فادحة، فمشهد إستهداف القواعد الأمريكية، أَفقدَ الثقة في القيادة الأمنية الأمريكية، كما أن تداعيات الحرب الراهنة تجاوزت الميدان العسكري، وضربت النظام المالي العالمي، فسلاح الدولار بدأ يرتدُّ على صانعيه، وجاء مقترح طهران بربط المرور بمضيق هرمز، بالتداول عبر عملة “اليوان” الصينية، ليس كمجرد حيلة تستخدمها في الحرب، بل ربما إستجابة لتوجُّه عالمي من أجل تفكيك هيمنة الدولار. وهنا يُقصد بـ”البترودولار”، هي تلك التي تشكِّل عائدات من مبيعات النفط بالدولار الأميركي في كافة أنحاء العالم، ويقصد بذلك أيضاً، على أنه الأموال الفائضة من إيرادات الدول النفطية، التي يُعاد إستثمارها في البلدان الصناعية المتطورة، وضمن هذه الفئة فائض عائدات النفط، التي تُستثمر في السندات الأميركية وبخاصة من قبل دول الخليج، وهناك مَن يركِّز على فكرة تسعير النفط بالدولار الأميركي، في مفهومه لما يسمَّى بالبترودولار.

 

تسعير النفط بالدولار

وهنا لا بدَّ من ذكر ثلاث حقائق بالعودة الى النفط وتسعيره بعملة واحدة سواء بالدولار أو غيره، الأولى، هي أنه سيكون له المشكلات نفسها، فالتحوُّل عن الدولار بسبب أية مشكلة إلى عملة أخرى مثل اليورو، لن يحل هذه الأزمات، كون كلّ العملات الأخرى لها التعقيدات نفسها.

الثانية، ما يتعلَّق بتسعير النفط باليوان الصيني في بورصة شنغهاي، وهذا لا يعني أنَّ هناك تسعيراً للنفط بغير الدولار، فقد أثبتت الدراسات، أنَّ تسعير النفط في بورصة شنغهاي، هو مرآة لِما يحدث لتسعير النفط بالدولار في بورصة دبي، بعد إعتبار الفرق الجغرافي والنوعي للنفط، أي بما معناه، أنَّ النفط لا يزال يُسعّر بالدولار، وما يحدث في بورصة شنغهاي، هو مجرَّد تحويل للعملة من الدولار الى اليوان الصيني.

 

الحقيقة الثالثة، هي أنّ تسعير النفط بالدولار شيء، والحصول على الإيرادات بعملات أخرى شيء آخر، فالنفط الإيراني أو الروسي يُسعَّر بالدولار في كلِّ الحالات، ولكن الشركات الروسية والإيرانية تحصل على إيراداتها بعملات أخرى، مثل اليوان الصيني، وهذا لا يعني أنَّ النفط الإيراني أو الروسي يُسعّران بعملة اليوان الصيني، بل أن كل ما هنالك، أنه يتمّ تحويل القيمة الدولارية الى اليوان الصيني، وهنا لا بدَّ من ذكر حقيقة تارخية، وهي أن النفط العراقي واللِّيبي لم يُسعرا بغير الدولار، وإنما كانت حكومة صدام ومعمر القذافي تستلمان العائدات، وبموافقة أميركية، بغير الدولار.

 

إنَّ عائدات النفط وفوائضه تتذبذب مع أسعاره، ولهذا أي حديث عن إجمالي إيرادات النفط، يتطلَّب النظر الى أسعاره، فالأسعار الحالية اليوم، تعني أن هناك إرتفاعاً كبيراً في “البترودولار”، أما إذا كان الأمر يتعلَّق بإيرادات النفط التي تتم إعادة تدويرها في الإقتصاد الأميركي، فهناك إرتفاع ملحوظ في الأعوام الأخيرة، سواء عبر الإستثمار في سندات الخزانة الأميركية، أو الإستثمار في الولايات المتحدة الأميركية، وهنا يجب التفريق بين الوضع في سبيعينات القرن العشرين، عندما ظهر مفهوم “البترودولار”، وبين ما يعيشه العالم اليوم، وبصورة عامة، إنخفض دور “البترودولار” سواء كقيمة التجارة الدولية بالنفط، أو إستثمارات الدول النفطية، وذلك بسبب الزيادة الضخمة في القطاعات الأخرى، وإقتصادات الدول المختلفة، وبخاصة الآسيوية منها، ففي السبيعنيات، كانت إقتصادات الدول النفطية الخليجية بسيطة، وقدرتها على إستيعاب الإستثمارات العالمية ومواردها البشرية محدودة وضعيفة، لذلك كان من الطبيعي مع الزيادة الضخمة في الإيرادات، أن تتم إعادة تدوير إيرادات النفط في الإقتصاد العالمي، وبخاصة في الولايات المتحدة، في وقت كانت قدرة هذه الأموال أكبر بكثير من الوقت الحالي.

 

أما الآن، فالوضع يختلف تماماً، حيث شهدت هذه الدول تطوراً هائلاً، بزيادة القدرة في إقتصاداتها بشكل كبير على إستيعاب الإستثمارات، وتطوَّرت مقدراتها البشرية في إدارة إستثمارات ضخمة حول العالم، ومن أبرز الأدلة على ذلك، الصناديق السيادية لدول الخليج، التي أصبحت من أكبر الصناديق على مستوى العالم، لهذا السبب، لا يمكن القول أن هناك إنخفاضاً في دور البترودولار، بالنظر إلى حجم إستثمارات دول الخليج في السندات الأميركية، وفي الولايات المتحدة بصورة عامة، حتى مع زيادة إستثماراتها في الدول الآسيوية، أما إذا تمَّ النظر إلى البترودولار على أنه تسعير النفط بالدولار، فإنَّ النفط سيُسعَّر بالدولار في كل الحالات، لأنه ليس هناك من بديل، إنطلاقاً من توفُّر ثلاثة شروط، تشكِّل المحددات في تسعير النفط عالمياً، وهي ما جعلت الدولار الأميركي العملة المهيمنة تاريخياً، ولم تتوافر مجتمعة في عملات أخرى، مثل الريال السعودي أو اليورو أو اليوان بصورة كاملة، وهذه الشروط تتمثَّل أولها في توافر السيولة، بحيث يجب أن تكون العملة متوفِّرة بكميات كبيرة يَسهُل الوصول إليها في الأسواق المالية العالمية، ليتمكن المشترون والمورِّدون من التعامل بها بسلاسة، دون نقص أو صعوبة في الحصول عليها، وثانيها، إنخفاض الذبذبة مقارنةً بالعملات الأخرى، إذ يجب أن تكون قيمة العملة مستقرَّة نسبياً مع تقلُّبات محدودة، حتى لا يؤدِّي تسعير النفط بها إلى أخطار كبيرة على الأسعار أو الإيرادات، بسبب تغيُّرات سعر الصرف اليومية أو السريعة، أما الشرط الثالث، فهو يتعلَّق بالقَبول العالمي، أي يجب أن تكون العملة مقبولة ومستخدمة على نطاق واسع في التجارة الدولية، بحيث يَثق بها جميع المنتجين والمستهلكين، ويتم التعامل بها دون قيود، وهذه الشروط توافرت تاريخياً، ولا تزال تتوافر في الدولار الأميركي، ولا تتوافر في العملات الأخرى، ممَّا جعله العملة الرئيسة لتسعير النفط.

 

الحوكمة المستقبلية لإدارة النزاع

يرى بعض الخبراء، أنّ هناك إستحالة في إعادة الوضع كما كان قبل الحرب الكبرى في إقليم الشرق الأوسط، بسبب إنهيار الثقة بين الدول، وبسبب الأطر القانونيّة الحاكمة والناظمة، كإتّفاقيّة الأمم المتّحدة لقانون البحار، التي باتت ناقصة اليوم، لأنّ جهات فاعلة رئيسية بما فيها إيران والولايات المتّحدة، لم تصادق عليها، إذ إعتمدت إيران على إدّعاءات قانونيّة تاريخية لتبرير تنظيم حركة الملاحة، فسهَّلت لها هذه الحرب تنفيذ هذه الادّعاءات عملياً، كما أن إقتراح مشروع السلام المقدَّم من إيران هدفه إضفاء طابع رسميّ على هذه السلطة، وإدخال نظام ضرائب مشترك على الشحن مع سلطنة عُمان، وهو ما يحذِّر منه خبراء دوليون، بأنّ مثل هذه التسوية ستكافئ إيران على إستخدام القوّة، وتقوّض مبدأ حرّية الملاحة عالمياً.

لكن يبدو أن هناك طرح إستراتيجي دولي جديد ومفصَّل، يجمع بين الجاهزيّة العسكريّة، والدبلوماسيّة المتأنية، بنفس مؤسساتي طويل الأمد، بهدف إعادة فتح مضيق هرمز لردع القوة الإيرانيّة، وإرساء إطار مستدام للحوكمة المستقبليّة، إستناداً إلى سوابق تاريخيّة كإتّفاقيّة مونترو، التي تنظّم الوصول إلى البحر الأسود، وإتّفاقيّة القسطنطينيّة، التي تضمن حرّية الملاحة عبر قناة السويس، فيقترح الباحثون والخبراء لمضيق هرمز، إتّفاقيّة دولية جديدة، يُصنَّف بموجبها ممرّاً مائيّاً محايداً ومفتوحاً دائماً أمام كل حركات الملاحة التجاريّة، تُعهد إدارته إلى كيان دوليّ جديد، إسمه شركة مضيق هرمز، ويضمّ الدول الساحليّة الثماني، ومن بينها إيران، بالإضافة إلى قوى بحريّة خارجية كبرى، مثل الولايات المتّحدة والصين والهند واليابان وكوريا الجنوبيّة، وربّما دول أوروبيّة أيضاً، تتولّى مسؤوليّة ضمان المرور الآمن، وصيانة البنية التحتيّة، وإدارة نظام رسوم منظّم بشكل جماعيّ، تُستخدم عائداته لتمويل خدمات مشتركة، كإزالة الألغام وأنظمة الملاحة، فمن خلال منح إيران حصّة في هذا النظام كمشارِكة ومستفيدة، يتعزَّز ضمان عدم قدرة أيّ دولة على الهيمنة على المضيق، أو فرض شروطها على الآخرين.

 

يخلص الخبراء، إلى أنّ إعادة فتح مضيق هرمز، تتطلّب أكثر من عمل عسكريّ فوريّ، ضمن إستراتيجية متماسكة، تجمع بين القوّة والدبلوماسيّة والإبتكار المؤسّساتي، بهدف منع إيران من تحقيق نصر إستراتيجي، مع توفير مسار مستدام للمضي قدماً، لكن الأهمّ من ذلك، أنّ هذه الإستراتيجية لا تعتمد على تغيير النظام في إيران، بل تسعى إلى مقاربة تستفيد منها جميع الأطراف بما فيها إيران، من إبقاء المضيق مفتوحاً، فالرسالة الأساسيّة واضحة، وهي أنه يجب إعادة فتح المضيق بشروط تحافظ على الإستقرار الإقتصادي العالمي ومبدأ حرّية الملاحة، بما يضمن عدم قدرة إيران على فرض شروط السلام.

 

وإذا نظرنا إلى كل الدول النفطية التي طالبت تاريخياً بأن تستلم إيراداتها بعملة غير الدولار، نجد أن ذلك لم يكن تطوراً طبيعياً للتخلص من الدولار الأميركي وتقليص دوره العالمي، وإنما كانوا مضطرين إلى ذلك بسبب العقوبات الأميركية والأوروبية، لا سيما العراق وليبيا وإيران وفنزويلا وروسيا، حيث لا فائدة من غستلام إيرادات النفط بالدولار إذا لم تكن هناك إمكانية للشراء من الأسواق الأميركية، ناهيك عن أن الولايات المتحدة هي التي طردت هذه الدول من النظام المالي العالمي، ومن أنظمة المدفوعات التي تسيطر عليها الولايات المتحدة، والتحوُّل عن الدولار في هذه الدول النفطية لم يكن إختيارياً.

 

وتشير البيانات إلى إنخفاض دور الدولار في التجارة العالمية، ولكنه لا يزال مسيطراً، جزء كبير من هذا الإنخفاض يعود إلى العقوبات الأميركية المفروضة على مجموعة من الدول، والجزء الآخر يعود إلى وجود اليورو كعملة عالمية، ويأتي من بعدها اليوان الصيني، أي بمعنى آخر أنه إذا رفعت الولايات المتحدة الحظر والعقوبات عن هذه الدول النفطية، فإن دور الدولار الأميركي في التجارة الدولية سيزيد، لذلك يمكن القول إن الأمر لا يزال تحت السيطرة.

 

جيوبوليتيك الطاقة

أخيراً وبخلاصة القول عن الدولار بعد أزمة هرمز، فهناك آراء متناقضة حول العالم لم تستقر على ثبات بعد، كونها الأزمة التاريخية الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، فقد تسهم في تحجيم دور البترودولار والدولار نسبياً، بسبب تبنِّي دولاً عدة في العالم النموذج الصيني، المتمثِّل في ربط مصادر الطاقة بالأمن القومي، لتلافي مشكلات النقص في إمدادات الطاقة وغيرها، وهذا يجبر دول العالم كما تفعل الصين، على الإنكفاء ذاتياً وتطوير مصادر الطاقة المحلية بغضِّ النظر عن الكِلفة، عبر تطوير مصادر النفط والغاز والفحم المحلية، والتوسُّع في الطاقة الشمسية والمائية والهوائية والوقود الحيوي، وفي بناء المفاعلات النووية، ولكن غالبية هذه الجهود سترفع الطلب على الغاز الطبيعي حتماً، لأنَّ المهم في النهاية هو تطوير مصادر الطاقة محلياً، وهذا يعني إنخفاض الطلب العالمي على نفط دول أوبك بلس، ومن ثم إنخفاض كمية البترودولار، ولكن بالنَّظر إلى الطلب الهائل على الطاقة في العقود القادمة، فإنَّ الطلب على الغاز سيكون قوياً، ممَّا سيدعم تجارة الغاز المسال العالمية بصورة كبيرة، التي قد تكون أحد أسباب إغلاق مضيق هرمز، وبنظر الخبراء، فإنَّ أزمة هرمز لن تُنهي عصر البترودولار، ولكنها قد تحجِّمه مؤقتاً لمصلحة دور الطاقة الغازية، ولكن بما أنَّ البعض يعتبر الغاز ضمن البترول بمفهومه العام، فإنَّ مفهوم “البترودولار” سيبقى على كلّ الحالات، وبالتالي هناك خطوات بدأت توضح الرغبة في إزاحة الدولار من قبل الدول المستهلكة للطاقة، فالهند على سبيل المثال، بدأت بتسوية معاملاتها بالروبية، والصين وظَّفت عملة اليوان الرقمي في صفقات نفطية عابرة للحدود، حيث يتمّ إستغلال الترابط المالي كسلاح مضاد للعقوبات الأمريكية، هذا التحول يسمَّى “جيوبوليتك الطاقة”، هو ما يُنذر بإنهيار تدريجي للميزة التنافسية التي تمتَّعت بها واشنطن لمدة 50 عاماً أو أكثر.

 

في المقابل يرى البعض من الخبراء، أن هناك بديل جاهز، فبينما تنشغل الولايات المتحدة الأمريكية بإدارة الحرب، تواصل الصين بناء ما يُمكن تسميته بالسلام الإقتصادي، بشكل موازي من خلال البنك الآسيوي للإستثمار، ومبادرة الحزام والطريق، حيث نجحت بكين بالتغلغل في نسيج الدول المتحالفة تاريخياً مع أمريكا، فالصين اليوم، ليست مجرَّد مشتري للنفط، بل هي أكبر مستثمر ووسيط سياسي، وتأخذ دورها كقوة ناعمة لإعادة تشكيل النظام الإقتصادي العالمي، دون الدخول في صراعات عسكرية، بل هي تستخدم البنية التحتية والتكنولوجيا، كبديل عن المنصات العسكرية، وبرأي هؤلاء فإنَّ العالم الآن يتَّجه نحو تعددية الأقطاب، وأمام عملية إعادة توزيع للقوة، وإن بدا أنه غير مفاجيء لواشنطن، حيث تلوح في الأفق سيناريوهات عدة أولها التشرذم، بحيث تنقسم أسواق الطاقة العالمية، ما بين كتلة الدولار مقابل كتلة اليوان، ممَّا يُنهي عصر العولمة الموحّدة، مع سيناريو تدويل الممرات المائية، وإجبار واشنطن على القبول بشراكة دولية في إدارة الممرات المائية مثل مضيق هرمز، بعد فشل التحالفات الفردية، لكن السيناريو الأقرب في حال ظلَّ العناد الأمريكي، هو دخول المنطقة في حرب إستنزاف طويلة الأمد، تصبُّ في مصلحة بعض القوى الأقليمية، وفي النهاية تؤدِّي إلى إنسحاب مهين وتدريجي لأمريكا، يشبه سيناريو أفغانستان والعراق.

 

البترودولار، الذي تعمْلَق على أنقاض أزمة السبعينات، يعتبره البعض أنه قد يلفظ أنفاسه على أعتاب إيران، من خلال مؤشرات عدة تتكشف، فرفض دول حلف الناتو مثل إسبانيا وسويسرا وبريطانيا وإلمانيا، وحلفاء آسيا مثل اليابان، للإنجرار خلف الولايات المتحدة الأمريكية، ليس موقفاً عرضياً، بل مؤشرٌ خطير وإعلان عن ولادة نظام جديد، لن تكون فيه الهيمنة الأمريكية مستدامة، بل خيار مُكلف لن يستطيع العالم دفع كلفته، بحيث قال المؤرخ الأمريكي “ألفريد ماكوي”، إن ما يحدث الآن في مضيق هرمز يشبه لحظة السويس، وأنه سيشهد نهاية الهيمنة الإمبراطورية، وسيختبر قدرة العسكرة الصغرى وإستخدام أدوات أقل كلفة لمواجهة القوى العظمى. إذ لا تبدو الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، مجرَّد محاولة لإسقاط نظام سياسي غير متوافق معهما، بقدر ما هي محاولة لإحكام السيطرة على موارد الطاقة، التي تغذِّي الإقتصاد الصيني تحديداً، لذا فإن أهمية مضيق هرمز تكمُن حالياً، في قدرته على خنق حركة الطاقة العالمية بما لها من تداعيات، وتشمل كل أوصال الإقتصاد العالمي القائم على النفط والغاز بالأساس، وخطورة إغلاق المضيق، لا تقف عند صادرات الطاقة فقط، بل تمتدُّ إلى كلِّ واردات دول الخليج تقريباً، وهو ما يؤكِّد تأخُّر هذه الدول، في خلق حالة كاملة من التكامل الإقتصادي والسيادي، والأخطر من ذلك أنَّ إغلاق المضيق، خنق إمدادات الأسمدة على نحو بات_إذا لم يتم التوصل لاي إتفاق_ يهدِّد الإنتاج الزراعي العالمي، وربما ينتهي بزعزعة الإستقرار الإجتماعي خصوصاً في الدول الأكثر فقراً، ولم يكن الوصول إلى هذه اللَّحظة الخطرة نتيجة قوة إيران، بقدر ما كان نتيجة سوء تقدير الأمريكيين، الذين نجحوا عسكرياً بإلحاق خسائر كبيرة بإيران، لكنهم فشلوا إستراتيجياً بسبب صلابة الإيرانيين في هذه الحرب.

 

رائد المصري أستاذ محاضر في الفكر السياسي والعلاقات الدولية. صحافي لبناني وكاتب

رائد المصري

 

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *