الايرانيون في الحرب يستخدمون حتى القمامة

من اروع النوادر في الحروب وبرغم كل ما فيها من اضرار، نجده في ملفات تخلد في الذاكرة، وربما ليست للصواريخ والطائرات وغيرها، بل بقدرة المجتمع على تحويل حتى ما عند العدو إلى أداة وعي ومقاومة. ولعل من أكثر الصور دلالة على ذلك، تلك الحالة التي تتحول فيها حتى القمامة الفاسدة إلى وسيلة لكشف الخطر، لا لكونها مادة بحد ذاتها، بل لأنها تتحول إلى رمز، وإلى رد فعل اجتماعي واعٍ يفضح المستور

ما يجري في الداخل الإيراني، وفق هذا التصور، لا ينفصل عن هذه الفكرة. فحين تشتد الضغوط، وتتصاعد التهديدات، يبدأ الشارع بالتحول إلى جهاز استشعار حي، يلتقط الإشارات الدقيقة، ويربط بين السلوكيات والتوجهات، ويعيد قراءة المواقف بوعي مختلف. هنا لا تعود الحماقات مجرد تصرفات عابرة، بل تتحول إلى مؤشرات، وإلى إشارات إنذار تفضح أصحابها.

إن الاستعراضات الفارغة، والتصرفات المستفزة التي يقوم بها من يُشار إليهم برمزية ابن الشاه ومن يدور في فلكه من قمامة، لم تعد تمر كما في السابق. بل على العكس، أصبحت مادة غضب شعبي، وغضباً ذكياً، لا يكتفي بالرفض، بل يحول هذا الرفض إلى أداة فرز وتمييز. وكأن المجتمع، في لحظة اشتداد الخطر، يعيد تشكيل نفسه ليصبح أكثر حساسية تجاه أي خلل داخلي.

فهذا الغضب ليس فوضوياً، بل يحمل وظيفة واضحة: كشف العملاء والخلايا النائمة. فحين يبالغ البعض في الاستعراض، أو يتصرف بطريقة منفصلة عن وجدان الناس، فإن رد الفعل الشعبي يتحول إلى ما يشبه السونار الاجتماعي، يحدد موقع الخلل، ويكشف ما كان مخفياً. وهنا تصبح تلك التصرفات، التي ظن أصحابها أنها تعبير عن قوة أو نفوذ، سبباً في انكشافهم.

إن المفارقة تكمن في أن هذه القمامة السلوكية، إن صح التعبير، لا يتم التخلص منها بصمت، بل يجري حرقها رمزياً في وعي المجتمع، لتضيء ما حولها. وكأنها نار صغيرة تكشف الأجسام المختبئة في الظلام. فكل تصرف طائش، وكل استعراض غير محسوب، يتحول إلى ضوء كاشف، لا إلى قوة مضافة.

وبهذا، فإن الجبهة الداخلية لا تُبنى فقط عبر الخطاب الرسمي أو الإجراءات الأمنية، بل عبر هذا التفاعل الشعبي العفوي، الذي يمتلك قدرة عالية على الفرز والتمييز. فالمجتمع حين يشعر بالخطر، يطور أدواته الخاصة، ويعيد تعريف ما هو مقبول وما هو مرفوض، ويمنح نفسه دوراً رقابياً يتجاوز الأطر التقليدية.

وفي النهاية، يمكن القول إن قوة أي دولة في زمن الحرب لا تكمن فقط في ما تملكه من سلاح، بل في ما يمتلكه شعبها من وعي. ذلك الوعي الذي يحول حتى أبسط الأشياء، وأدنى التصرفات، إلى أدوات حماية. وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، فإنه لا يكتفي بالدفاع، بل يصبح قادراً على كشف الخطر قبل أن يتحول إلى تهديد حقيقي.

بقلم جليل هاشم البكّاء

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *