من أين أنت

من وين أنت

 

في سوريا كان السؤال يومًا بسيطًا جدًا: “من أين أنت؟”

 

كنا نسمعه في التعارف، في الجامعة، في العمل…

ثم يمرّ كأنه لم يكن. لم يكن يسبق الإنسان، ولم يكن يختصره.

 

أنا شخصيًا عشت سنوات طويلة مع أصدقاء لم نعرف فيهم لا طائفة ولا مذهب ولا خلفية.

وبعد وقت طويل فقط نكتشف ذلك بالصدفة… دون أن يغيّر شيئًا في العلاقة.

كان المعيار واضحًا وبسيطًا: الأخلاق، السلوك، الكفاءة، والاحترام.

 

اليوم، وبشكل صادم، تغيّر وزن السؤال.

 

أصبح يُطرح أحيانًا كأنه مدخل للناس قبل أن يكون مدخلًا للتعارف: “من أين أنت؟”

 

لم يعد سؤال فضول، بل سؤال #فرز_مبكر، وكأن الهوية تُختصر في جغرافيا قبل أن يُسمح لك أن تكون شخصًا كاملًا.

 

المشكلة ليست في السؤال نفسه…

بل في ما أصبح يعنيه.

حين تتحول الجغرافيا إلى هوية، والطائفة إلى معيار ثقة، والخلفية إلى حكم مسبق، فنحن لا نتحدث عن مجتمع طبيعي، بل عن مجتمع يُعاد تقسيمه أفقيًا بصمت، قطعة فوق قطعة.

 

النتيجة ليست مجرد انقسام اجتماعي، بل تشوّه عميق في “اقتصاد الثقة”:

فرص تُمنح خارج الكفاءة،(لا يمكنك أن تحصل على فرصة لأنك من هنيك)

شبكات مغلقة،

وحياة عامة تتآكل فيها الفكرة الأساسية للمواطنة.

 

أنا أقولها بوضوح:

 

عندما يصبح “من أين أنت؟” أهم من “من أنت؟”،

 

فنحن نبدأ بخطوة حقيقية نحو تفكك المجتمع من الداخل، حتى لو لم نسمّ ذلك صراحة.

 

وهذه ليست مبالغة… بل إشارة إنذار مبكر، إذا تأخرنا في فهمها سنجد أنفسنا ندفع ثمنها متأخرين جدًا.

 

#شادي_احمد

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *