بقلم : أمين السكافي
ليست المجتمعات وحدها من تتعب، بل الأرواح أيضًا. وهناك لحظة في تاريخ الشعوب يصبح فيها الصبر نوعًا من النزيف البطيء، ويغدو الاحتمال فعلًا يشبه المعجزة. وبيئة المقاومة في لبنان، شئنا أم أبينا، تعيش اليوم فوق هذا الحد الفاصل بين الصبر والانفجار؛ بين التحمّل الذي يشبه الزهد، والغضب الذي يشبه البركان الخامد تحت طبقات الرماد.
منذ عقود، وأبناء الجنوب اللبناني يُساقون إلى قدرهم كمن يُقاد إلى جلجلة لا تنتهي. كل حرب كانت تترك في أرواحهم ندبة، وكل اجتياح كان يقتلع جزءًا من ذاكرتهم، وكل هدنة كانت مجرّد استراحة قصيرة بين موتين. هؤلاء الناس لم يعرفوا من الدولة إلا بيانات الشجب، ولم يروا من العالم إلا ازدواجية المعايير، فحين تمددت النيران إلى بيوتهم، وحين صار أولادهم أهدافًا معلقة في سماء الطائرات، لم يجدوا سوى المقاومة لتقف بينهم وبين العدم.
ولهذا، فإن مطالبة هذه البيئة اليوم بالتخلي عن سلاحها فيما العدو لا يزال على الحدود، بطائراته وجرافاته وغطرسته ومجازره، لا تبدو بالنسبة إليهم نقاشًا سياسيًا باردًا، بل تبدو كأنها مطالبة لرجل ينزف بأن يتخلى عن آخر قطعة قماش يضغط بها على جرحه. أي منطق هذا الذي يطلب من قومٍ دفنوا أبناءهم للتو أن يسلموا أسباب قوتهم الوحيدة؟ وأي عقل سياسي يظن أن الذاكرة الجنوبية يمكن أن تنسى بهذه السهولة رائحة الدم المختلط بتراب القرى؟
إن الناس لا تتعلق بالسلاح حبًا بالحرب دائمًا، بل خوفًا من التكرار. خوفًا من تلك اللحظة التي يصبح فيها البيت بلا سقف، والطفل بلا أمان، والقرية بلا رجال. وهذه الحقيقة، مهما حاول البعض إنكارها أو السخرية منها، محفورة في وجدان الجنوب كما تُحفر أسماء الشهداء على شواهد القبور.
لكن الكارثة الحقيقية ليست فقط في ضغط الخارج، بل في ذلك الطعن البطيء الآتي من الداخل. من لغة سياسية متعالية تتحدث عن “العبء” و”المشكلة” و”الفائض” وكأن الحديث يدور عن أرقام في نشرات اقتصادية لا عن بشر اقتلعتهم الحرب من أسرّتهم. من إعلام يفتش أحيانًا عن أي فرصة لتحويل معاناة النازحين إلى مادة للسخرية أو التحريض أو التنظير الأخلاقي البارد. من مجتمع بدأ يتصرف مع النازح الجنوبي كأنه ضيف ثقيل لا ابن بيت أصابه الخراب.
أي قسوة هذه التي تجعل إنسانًا افترش الرصيف يُسأل عن كلفة إقامته؟ وأي انحدار أخلاقي يجعل بعضهم يناقش إن كان يحق للمهجر أن يدخل مدرسة أو مستشفى أو فندقًا؟ كأن الحرب نزعت عنه صفته الإنسانية، وكأن من فقد بيته ينبغي أن يفقد معه كرامته أيضًا.
ثم تأتي المشاهد الأكثر فجاجة: وفود لبنانية تذهب إلى واشنطن لتجلس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في المساحات السياسية ذاتها التي يحضر فيها الإسرائيلي، بينما الجنوب كان لا يزال تحت النار، والقرى لا تزال تنفض عنها غبار المجازر، والأمهات لا يزلن يبحثن في الركام عن بقايا صور أولادهن. هنا لا يشعر الناس بالخلاف السياسي فقط، بل يشعرون بالإهانة. يشعرون أن عذاباتهم تحولت إلى هامش، وأن دماءهم باتت تفصيلًا يمكن تجاوزه على مذبح “الواقعية السياسية” وكسب الرضى الأميركي.
والمشكلة أن الذين يمارسون هذا الضغط لا يدركون أنهم يراكمون في النفوس شيئًا أخطر من الغضب: الإحساس بالخذلان. والإنسان المقهور قد يحتمل الفقر، وقد يحتمل الحرب، لكنه حين يشعر أن الجميع تخلوا عنه، يصبح مستعدًا للذهاب إلى أقصى الاحتمالات، لأن الذي يفقد الإحساس بالأمان يفقد معه القدرة على الحسابات العقلانية الباردة.
إن اللعب على حافة الانفجار في بلد كلبنان ليس نزهة سياسية. فهذا الوطن الهشّ، المثقل بالطوائف والذكريات والجراح والتدخلات، لا يحتاج إلا إلى شرارة صغيرة كي يسقط في هاوية لا قرار لها. ومن يظن أن الضغط المتواصل على بيئة كاملة، نفسيًا واجتماعيًا وسياسيًا ومعيشيًا، يمكن أن يمر بلا ارتدادات، فهو لا يقرأ التاريخ، ولا يفهم طبيعة الشعوب حين تُدفع طويلًا نحو الزوايا المظلمة.
الحق يُقال: كفى. كفى استهتارًا بأعصاب الناس، وكفى تعاميًا عن حجم الاحتقان المتراكم في الصدور. لأن الأوطان لا تُحكم بالإذلال، ولا تُبنى بكسر البيئات الشعبية، ولا تُدار بمنطق الغالب والمغلوب. فحين يشعر الناس أن كرامتهم تُسحق، وأن تضحياتهم تُهان، وأن خوفهم يُستثمر ضدهم، يصبح الانفجار احتمالًا لا تهويلًا، ومصيرًا لا تهديدًا.
وعندها، لن يكون السؤال من انتصر ومن انهزم، بل: من بقي من هذا الوطن أصلًا بعد أن ابتلعته العتمة .

















Discussion about this post