كتب / سعيد فارس السعيد
في ظل التصعيد العسكري المستمر على الجنوب اللبناني، واستمرار الغارات والدمار والنزوح والقلق الشعبي، تبرز مجموعة من الأسئلة الجوهرية التي باتت تُطرح يوميًا داخل لبنان والمنطقة:
هل توجد مؤشرات فعلية على رغبة إسرائيلية:
بالانسحاب من الجنوب اللبناني؟
بوقف خرق السيادة اللبنانية والاعتداءات اليومية؟
بتبادل الأسرى؟
بعودة أهالي الجنوب إلى ديارهم؟
بترسيم الحدود؟
وبالوصول إلى اتفاق أو معاهدة سلام تضمن الأمن والاستقرار للطرفين؟
الحقيقة أن المشهد الحالي لا يُظهر حتى الآن وجود اتفاق نهائي مكتمل أو قرار سياسي حاسم، لكنه يُظهر بوضوح وجود حراك تفاوضي وضغط دولي متزايد باتجاه الانتقال من مرحلة الحرب المفتوحة إلى مرحلة التهدئة والتفاهمات الأمنية والسياسية التدريجية.
ففيما يتعلق بالانسحاب من الجنوب اللبناني، تبدو هناك إشارات متكررة ضمن الوساطات الدولية إلى إمكانية انسحاب إسرائيلي مقابل ترتيبات أمنية جديدة، تشمل انتشارًا أوسع للجيش اللبناني وضمانات تتعلق بأمن الحدود. إلا أن إسرائيل ما تزال تربط أي انسحاب كامل بما تعتبره “ضمانات أمنية طويلة الأمد”، وهو ما يجعل هذا الملف معلقًا بين التفاوض والميدان.
أما بشأن وقف خرق السيادة اللبنانية والاعتداءات اليومية، فمن الواضح أن هناك جهودًا أمريكية وفرنسية وأممية لتثبيت وقف إطلاق النار ومنع توسع الحرب، لكن الوقائع الميدانية حتى اللحظة تؤكد أن الغارات والاختراقات لم تتوقف، ما يعني أن التفاهمات السياسية لم تصل بعد إلى مرحلة التنفيذ الحقيقي.
وفي ملف الأسرى، تبدو فرص التوصل إلى تفاهمات أكثر واقعية مقارنة ببقية الملفات، خاصة أن تاريخ الصراع اللبناني – الإسرائيلي شهد أكثر من عملية تبادل سابقة، كما أن هذا الملف غالبًا ما يُستخدم كبوابة لبناء الثقة وفتح المسارات التفاوضية الأوسع.
أما عودة أهالي الجنوب إلى قراهم وبلداتهم، فهي تمثل أولوية إنسانية ووطنية كبرى، لكن تحقيقها يرتبط بشكل مباشر بوقف النار الفعلي، وانتهاء العمليات العسكرية، وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار وإعادة الإعمار. فلا يمكن لأي شعب أن يعيش بكرامة تحت القصف والخوف والنزوح الدائم.
وفي ما يخص ترسيم الحدود، يبدو أن هذا الملف هو الأكثر قابلية للحل، خصوصًا بعد تجربة ترسيم الحدود البحرية سابقًا. وهناك قناعة دولية متزايدة بأن تثبيت الحدود البرية بشكل نهائي قد يكون مفتاحًا أساسيًا لتخفيف احتمالات الانفجار العسكري المستقبلي.
أما السؤال الأكبر والأكثر حساسية، فهو المتعلق بإمكانية الوصول إلى اتفاق أو معاهدة سلام شاملة بين لبنان وإسرائيل.
الواقع أن المنطقة كلها تشهد تحولات كبرى، وهناك حديث متزايد عن ترتيبات إقليمية جديدة ومسارات تفاوض غير مسبوقة، لكن الوصول إلى سلام رسمي وشامل ما يزال يواجه تعقيدات داخلية وإقليمية عميقة، سواء داخل لبنان أو على مستوى الصراع الأوسع في المنطقة.
ومع ذلك، فإن ما يمكن قوله بوضوح اليوم هو أن استمرار الحرب المفتوحة لم يعد يخدم أحدًا، وأن الشعوب المنهكة بالدمار والقتل والنزوح باتت تبحث عن الأمن والاستقرار والكرامة قبل أي شعارات أخرى.
فالسلام الحقيقي لا يُبنى بالقصف، ولا بالتهجير، ولا بتدمير القرى والبيوت، بل ببناء دولة قوية، وحدود واضحة، وعدالة تحفظ كرامة الإنسان وحقه بالحياة الآمنة.
ويبقى الأمل أن تنجح الجهود الدولية والإقليمية في منع الانفجار الكبير، وأن يتمكن لبنان من استعادة سيادته الكاملة، وعودة أبنائه إلى أرضهم، وبناء مستقبل أكثر استقرارًا لجميع شعوب المنطقة.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل
في قضايا الأمن الاجتماعي والوطني والقومي
“صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.”

















Discussion about this post