سلسلة التثقيف السياسي الصادرة عن دار الشعب للنشر
من هم “الفلول”؟ تفكيك مفهوم سياسي مُلتبس وإعادة ضبطه ضمن معايير قانونية لا انفعالية
أصبحت كلمة “الفلول” في السياق السوري المعاصر توصيفًا واسع الاستخدام، لكنه في الوقت نفسه فقد دقته المفاهيمية وتحول تدريجيًا إلى أداة تصنيف اجتماعي وسياسي فضفاضة. المشكلة هنا ليست في وجود مفهوم “فلول” بحد ذاته، بل في التمدد غير المنضبط له بحيث بات يُستخدم لتغطية طيف واسع من الفئات دون تمييز بين الانتماء البنيوي للنظام السابق وبين الوجود الوظيفي أو الاجتماعي داخل الدولة.
لفهم الإشكال بدقة، يجب أولًا العودة إلى التعريف السياسي-القانوني للمصطلح.
أولًا: التعريف العلمي الممكن لمفهوم “الفلول”
في العلوم السياسية المقارنة، يمكن تقريب مفهوم “الفلول” إلى أحد المعاني التالية:
1. بقايا النخبة الحاكمة (Ruling Elite Remnants)
وهم الأشخاص الذين كانوا جزءًا من مركز القرار السياسي أو الأمني أو الاقتصادي، وامتلكوا سلطة تأثير مباشر على السياسات العامة.
2. شبكات النفوذ المرتبطة بالنظام السابق (Regime Networks)
وهي ليست فقط أفرادًا بل منظومات مصالح داخل الدولة والاقتصاد والأمن.
3. الفاعلون الذين مارسوا دورًا في تثبيت النظام عبر أدوات قمع أو فساد ممنهج
مثل الأجهزة الأمنية العليا، القيادات الحزبية المؤثرة، أو كبار المتورطين في هندسة القرار القسري.
بالتالي، “الفلول” ليسوا كل من عاش أو عمل تحت سلطة دولة سابقة، بل فئة محددة ترتبط بالسلطة الفعلية لا بالوجود الإداري العام.
ثانيًا: الخلط الشائع في الحالة السورية
في الحالة السورية، حدث تضخم مفهومي حاد، حيث تم خلط أربع طبقات مختلفة:
1. أعضاء حزب البعث (رقم حزبي أو انتساب واسع)
وجود نحو 2.6 مليون منتسب لا يعني تلقائيًا انتماءً أيديولوجيًا أو سلطويًا.
في كثير من السياقات السلطوية، كان الانتساب:
شرطًا وظيفيًا
أو بوابة إدارية
أو إجراءً شكليًا لضمان الاستمرار الوظيفي
إذًا: العضوية الشكلية ≠ انتماء سياسي فعلي.
2. موظفو الدولة (مدير، إداري، معلم، مهندس…)
هؤلاء يمثلون جهاز الدولة الإداري (Civil Service)، وهو:
لا يُصنف في العلوم السياسية كجزء من “النخبة الحاكمة”
بل كـ “الدولة المستمرة” (State Continuity)
بالتالي: الموظف ليس بالضرورة جزءًا من منظومة القمع أو السلطة.
3. رجال الأعمال المرتبطون بالدولة
هنا يصبح الأمر أكثر تعقيدًا.
هناك فرق بين:
اقتصاد يعمل داخل دولة مركزية (حتى لو فاسدة)
وبين “اقتصاد ريعي-شبكي” مرتبط بالأمن والامتيازات
لكن حتى هنا، لا يمكن التعميم:
بعضهم كان مضطرًا للتعامل مع البنية القائمة لضمان النشاط الاقتصادي
وآخرون كانوا جزءًا من شبكات احتكارية فعلية
التصنيف يجب أن يكون سلوكيًا لا انتسابيًا.
4. المجتمع ككل ضمن الدولة السابقة
وهنا يحدث الانحراف الأكبر: اعتبار المجتمع كله “فلولًا” يؤدي إلى:
تفريغ المفهوم من أي قيمة تحليلية
تحويله إلى أداة إقصاء جماعي
خلق قابلية لإعادة إنتاج الاستقطاب نفسه
ثالثًا: لماذا يحدث هذا التوسع في الاستخدام؟
يمكن تفسير ذلك عبر ثلاثة عوامل رئيسية:
1. الاقتصاد السياسي للانتقام الرمزي
بعد التحولات السياسية، تميل بعض القوى إلى:
استخدام تصنيفات واسعة لتبرير الإقصاء
تحويل “الفلول” إلى فئة وظيفية سياسية
2. غياب تعريف قانوني دقيق
عدم وجود:
قانون عدالة انتقالية واضح
أو محاكمات فردية دقيقة يؤدي إلى تعميم الاتهام بدل تخصيصه
3. سهولة التعبئة الخطابية
المصطلحات الفضفاضة تُستخدم سياسيًا لأنها:
سريعة التأثير
منخفضة الكلفة التحليلية
عالية القدرة على الحشد
رابعًا: نحو تعريف قانوني صارم لمفهوم “الفلول”
إذا أردنا تحويل المفهوم إلى أداة قانونية بدل أداة سياسية، يجب حصره في معايير واضحة مثل:
معيار 1: الموقع الوظيفي في هرم السلطة
القيادات الأمنية العليا
صناع القرار السياسي المباشر
رؤوس شبكات القمع أو التوجيه الأمني
معيار 2: الفعل وليس الانتماء
المشاركة الفعلية في انتهاكات حقوقية أو فساد ممنهج
وليس مجرد العضوية أو الوظيفة
معيار 3: الدليل الفردي
لا يمكن إدراج شخص ضمن “الفلول” دون:
ملف فردي
أدلة محددة
مسار قضائي
معيار 4: استبعاد الانتماء الشكلي
العضوية الحزبية الشكلية لا تُعد معيارًا
الوظيفة المدنية لا تُعد معيارًا
خامسًا: الخلاصة التحليلية
مصطلح “الفلول” في حالته الحالية في سوريا يعاني من تضخم مفاهيمي (Conceptual Inflation)، أي أنه توسع خارج حدوده التحليلية ليشمل:
موظفين
منتسبين شكليين
فئات اقتصادية عامة
وحتى شرائح اجتماعية واسعة
وهذا الاستخدام:
غير علمي
غير قابل للتطبيق القانوني
ويخلق خطر إعادة إنتاج الإقصاء الجماعي بدل العدالة الانتقالية
خلاصة نهائية
إذا أردنا مقاربة دولة حديثة أو مسار عدالة انتقالية جاد، يجب تحويل مفهوم “الفلول” من توصيف جماعي غامض إلى تصنيف قضائي فردي قائم على الفعل والدليل والموقع السلطوي الحقيقي.
بدون ذلك، يتحول المصطلح من أداة تحليل إلى أداة صراع اجتماعي مفتوح، وهو ما يهدد استقرار أي عملية انتقال سياسي لاحقة.
إعداد مجموعة من الباحثين في دار الشعب للنشر
الإشراف
حسين راغب الحسين
مدير الدار

















Discussion about this post