قراءة نقدية: ” ثنائية الحبيب والقصيدة على خريطة الحنين والشوق”:
(في جغرافية القلب تختبرالمشاعر حنينا وشوقا)
القصيدة :”أنتَ قصيدتي”
الشاعرة:الهام عيسى (سوريا)
الناقدة: جليلة المازني (تونس)
القراءة النقدية: ” ثنائية الحبيب والقصيدة على خريطة الحنين والشوق”:
أ- في قراءة للعنوان: “أنتَ قصيدتي”
أسندت الشاعرة الهام عيسى عنوانا لقصيدتها “أنتَ قصيدتي” و باستخدام أسلوب انزياحي دلالي قائم على الكناية كنت الحبيبة عن حبيبها بالقصيدة وجعلته يتماهى مع القصيدة لتصبح كلمات القصيدة المعادل الموضوع للحبيب في لحظات الفراق او وسيلة عن عمق العاطفة.
فالحبيب يصبح مُلهما للقصيدة فتصبح القصيدة وسيلة تعبير قوية عن الوجد.
انها ثنائية الحبيب والقصيدة.
وفي هذا الاطار فان الشاعرة قلبت موازين العلاقة بين العاشق والمعشوق لتصبح الحبيبة عاشقة والحبيب معشوقا.
ب – التحليل: ” ثنائية الحبيب والقصيدة على خريطة الحنين والشوق”:
القصيدة محكومة بثنائية الحبيب والقصيدة والتي تعكس ثنائية الحنين والشوق:
1- تجليات الحنين من خلال ثنائية الحبيب والقصيدة:
أ- ثنائية الحبيب والقصيدة:
تمثل ثنائية الحبيب والقصيدة العصب النابض قي تاريخ الادب فالحبيب والقصيدة مثنى بصيغة المفرد:
– القصيدة كوسيلة للبوح والوصال:
لطالما كانت القصيدة الملاذ الآمن للشاعر للتعبير عن مشاعره فهي “الرسالة” التي يحملها طيف الحبيب او الوسيلة السحرية لكسر قيود الزمان والمكان.
يقول المتنبي معبرا عن حنينه و شوقه للقاء:
وإني لأهوى النوم في غير حينه// لعل لقاء في المنام يكون
– الحبيب ك” قضية ” شعرية:
لم يكن الحبيب مجرد شخص في القصيدة العربية بل تحول الى رمز للجمال المطلق والكمال والصفاء.
ومن خلال وصف الحبيب ومحاسنه يبرز الشاعر/ ة براعته/ ها اللغوية والصور البيانية لتصبح القصيدة عملا فنيا يخلد هذا الجمال عبر العصور.
– الانصهار والتوحد بين الحبيب والقصيدة (1) :
يرى النقاد ان “الحدود تتلاشى أحيانا بين الحبيب والقصيدة في الوجدان الإبداعي ليصبح الحبيب هو القصيدة ذاتها وتصبح القصيدة هي الكيان الذي يحمل ملامح الحبيب ونبضاته. فالكلمات تُصاغ لتكون بمثابة خيوط تنسج منها صورة الحبيب في ذهن المتلقي”.
وبهكذا انصهار وتوحد بين الحبيب والقصيدة تصبح القصيدة المعادل الموضوعي للحبيب ومن خلالها ينسج القارئ في ذهنه ملامح الحبيب على خريطة الحنين اليه.
ب – الحنين من خلال ثنائية الحبيب والقصيدة:
تستهل الشاعرة قصيدتها بمعادلة بين ابتسامة الحبيب ويقظة قصيدتها . وبالتالي معادلة بين الحبيب(في ملمح الابتسامة) والقصيدة التي تستجيب (تستيقظ قصيدتي) ..انها ثنائية المثير والاستجابة في علم النفس السلوكي.
فالقصيدة كائن حي ينام ويستيقظ .واليقظة حياة ووجود .
ان الشاعرة تجعل من القصيدة كيانا يحمل ملامح الحبيب ونبضاته.
فالابتسامة في وجه الحبيبة ليست مجرد حركة عضلية عابرة بل هي لغة صامتة تحمل أعمق معاني العاطفة وتنبض بالمشاعر ولها وقع السحر .
ان هذا الوقع الساحر أيقظ قصيدتها لتتغنى بجمال ملامحه لتجعل القارئ ينسج في ذهنه صورة الحبيب.
ولعل هذه الابتسامة التي تستيقظ لها قصيدتها هي ما يصطلح عليه بالابتسامة الحقيقية في لغة الجسد التي تعكس الدفء والقبول وتتسم بظهور تجاعيد حول العينين وتحرك عضلات الوجه بشكل لا ارادي وتدل على مشاعر صادقة من السعادة والودّ.
والابتسامة الحقيقية والصادقة توصف ب”ابتسامة دوشين” نسبة للعالم الفرنسي “غيوم دوشين” الذي درس تعابير الوجه العاطفية (1862):
عينان مبتسمتان + فم مبتسم =ابتسامة صادقة.
تقول الشاعرة:
على وقع ابتسامتكَ..
تستيقظ قصيدتي
تتخطى محلقة فوق مقلتيكَ
والابتسامة كما يعبر عنها البعض هي “مثل المطر لا تسقط الا لتزهر في الأعماق”
ان ابتسامة الحبيب تنعش أعماق الحبيبة وتزهر عندما تستيقظ قصيدتها لتتغزل بابتسامته بما هي مشحونة بالدفء والعاطفة والسعادة والحب وبكل الاحاسيس والمشاعر.
ان وقع الابتسامة قد استخدمت فيه الشاعرة تراسل الحواس فوقع الابتسامة الذي هو حسي استمتعت به بحاسة السمع وحاسة البصر.
لقد استخدمت أسلوبا انزياحيا دلاليا قائما على صورة بيانية موظفة الإستعارة والاستعارة هي تشبيه حُذف أحد طرفيه فحذفت الشاعرة المشبه وهو القصيدة او الحبيب(لانهما واحد) وأبقت على المشبه به فتقول :
سيل نهر يروي شراييني
سنابل قمح تحيا على نبضكَ
أذوب كقبلة بفم غيمة
تختزن معانيكَ وعليك تدليني
وباستخدام ضمير المتكلم المفرد المتصل (قصيدتي/ شراييني ) تشي الشاعرة للقارئ انها تعيش تجربة بُعْد عن حبيبها وفراق لتصبح القصيدة متماهية معه .
فهي المعادل الموضوعي له.. انها تروي عطشها اليه وتتغذى عليه في غيابه .انها مصدر متعتها وحافظة معانيه .
فالقصيدة هي “القلب الحافظ واللسان اللافظ” لهذا الحبيب الذي صنعت منه أسطورة.
فالقصيدة هي تعبير عن حنينها لماض سعيد لحبيب مازالت تعيش على وقع ابتسامته .
وباستخدام أفعال في صيغة المضارع المرفوع الدال على الدوام والاستمرارية (تستيقظ/ تتخطى/ ترويني/ تحيا/ أذوب/ تختزن/ تدليني..) تقلب موازين مفهوم الحنين لتجعله يعيش معها في الحاضر من خلال القصيدة التي تتماهى مع الحبيب ومن خلال الماضي الذي يتحد مع الحاضر ايمانا منها بزمن لا يقبل التشظي وبوجود شامل يرفض التجزئة. فهو الماضي الحاضر.
وفي هذا الاطار فان الشاعرة تتقاطع مع علماء النفس الذين يرون ان الحنين هو “أداة” نستخدمها لترميم نقص نشعر به في الحاضر وليكون هذا الشعور صحيا يجب ان نستخدمه ك”محفز” يعيننا على العيش بوعي أكبر في الحاضر والتعامل مع المستقبل بأمل لا ك”سجن” نختبئ فيه هربا من الواقع”(2)
وبالتالي فالشاعرة قد جعلت القصيدة تتماهى مع الحبيب على خريطة الحنين فيكون الحنين لوقع ابتسامته أداة ومحفزا لها يُعينها على العيش بوعي أكبر في الحاضر وبأمل أكبر مع المستقبل.
ان الحنين الى الماضي قد منح الشاعرة حضورا ذهنيا وامتنانا والهاما للحفاظ على من تحب فكانت القصيدة التي تتماهى مع الحبيب وبالتالي فالذات الشاعرة(الحبيبة)
تعزز الابتسامة التي تشعر بالحنين اليها لكي تزداد فرص استمرار الاستمتاع بها في المستقبل.(3).
وبالتالي فهذا الحنين ينصهر مع الشوق على خريطة الحبيب والقصيدة:
2- تجليات الشوق من خلال ثنائية الحبيب والقصيدة:
باستخدام تناص داخلي مع العنوان (انتَ قصيدتي) وهو أسلوب انزياحي ايقاعي قائم على التأكيد بتلك الترديدة (أنتَ أنتَ قصيدتي) على انصهار الحبيب مع القصيدة.
والشاعرة في ذلك تضفي جمالية على معمار القصيدة حين تعيد ترديد العنوان بوسط خريطة القصيدة وهي في نفس الوقت تُحدث ايقاعا داخليا توقظ على وقعه مشاعر القارئ لتذكره ان الحبيب والقصيدة متحدان.
ان هذا الانصهار بين الحبيب والقصيدة ترسمه الشاعرة على النصف الثاني من خريطة المشاعر المتمثل في الشوق.
انها تثير مشاعر الشوق التي تعيشها في الحاضر وتجسدها القصيدة. تقول الشاعرة:
فانت َانتَ قصيدتي..
ما تهجيتُ سواها ولا مشتْ غيرها درابيني..
حروف اسمكَ تساقطت …
وعلى وقع عزف الشوق غنتْ عصافيري
عبرت غيمتنا اعتبارها..
واعتبرتْ من سيل الغيوم نياشيني
لقد صدّرت الشاعرة المقطع الثاني من القصيدة بتكرار العنوان وكررت “أنت أنت” حتى تقنع القارئ بانصهار الحبيب مع القصيدة.
وفي هذا الاطار استخدمت الشاعرة أفعالا في صيغة الماضي (ما تهجيت/ ولا مشت/ تساقطت/ غنت/ عبرت/ واعتبرت..) لتوهم القارئ حينا أنها تتحدث عن ماض وعن حدث وقع وانتهى قبل زمن التكلم وحينا آخر تثير الفضول العلمي للقارئ للبحث عن دلالة صيغة الفعل الماضي لعله يتوصل الى انّ علماء اللغة العربية يروْن ان الفعل الماضي قد يخرج عن دلالته الأصلية ليؤدي معان سياقية وبلاغية متعددة منها معنى :
– الاستمرارية والثبات ليُستخدم أحيانا للدلالة على صفات دائمة لا تنقطع (مثل قوله تعالى: “وكان الله عليما حكيما”) (4)
فعلم الله وحكمته مستمران وثابتان في الزمان ماضيا وحاضرا ومستقبلا .
وفي هذا الاطار قد يستفيق القارئ متكئا على:
– مُؤشر باحَتْ به الشاعرة (وعلى وقع عزف الشوق غنت عصافيري) لدعم مشاعر الشوق التي تعبر عن الشوق حاضرا ومستقبلا.
وفي هذا السياق فإن صيغة أفعال الماضي تخرج عن دلالتها الأصْلية لتعبّر عن :
-الاستمرارية في الغناء .
– الاستمرارية في نفْي التهجي لسواه “ما تهجيتُ سواك” لتجعل التهجي حكرا عليه دون سواه بصفة دائمة ومستمرة.
– الاستمرارية في تواتر تساقط حروف اسمه بقصائدها التي لا يمكن ان تستغني عن ذكر اسمه الذي يُلهمها مشاعر الشوق لتكتب القصيدة.
وفي التراث و الأدب يتغنى الشعراء بذكر اسم الحبيب أو الحبيبة بالقصيدة صراحة ليؤكدوا صدق العشق وشغفهم به.
يقول قيس ابن الملوح:
اذا خدرت رجلي أبُوح بذكرها// ليذهب عن رجلي الخدور فيذهب
وتعود الشاعرة (الحبيبة) لتبث شوقها بالقصيدة قائلة:
على كؤوس الخمر قابضة روحي…
قافية تقتفي أثركَ بين قواميسي
مرايا الصمت تحفظ تقاسيم وجهكَ
ووشوشات الروح تجمع بقاياها
ترفل تيها في غفو المسافات
كخرائط حزن تندب ملاييني
وتتحول الشاعرة من صيغة الماضي الدال على الاستمرارية استثناء الى قاعدة الاستمرارية باستخدام صيغة المضارع المرفوع (تقتفي/ تحفظ/ تجمع/ ترفل/ تندب) لتستمرّ في بث شوقها للحبيب .
وكل الأفعال قائمة على الحركة بما لها من دلالة الحيوية وشدة شوقها الى الحبيب فأضفت عليها حركية جعلتها تشخص القافية لتقتفي أثره في قواميس اللغة .
واقتفاء الأثر لا يقوم به إلا عليم أو مُضطرّ لتحقيق هدف ما:
– الحبيبة عليمة بكل القواعد اللغوية والبلاغية للتعبير عن مدى شوقها اليه .
– الحبيبة مضطرة لأنها جعلت الحبيب يتماهى مع القصيدة.
وهل أكثر من انها لعبت على المفارقات فجعلت للصمت مرايا تخلد تقاسيم وجهه شوقا اليه
وجعلت للروح وشوشات تحدّثها عن ملامحه لتنعم بها في غيابه .
فالحبيبة قد دفعتها شدة الشوق اليه الى ايهام نفسها بان الغياب هو مجرد غفوة سرعان ما قد تتحول الى حضور و لقاء (ترفل تيها في غفو المسافات).
ان هذا الشوق الكبير جعلها تهديه وجْدها ومُهجتها (أهديكَ وجدي ومهجتي):
+ وجدي: انها اختارت من الهدايا ماله علاقة بالوجدان والمشاعر.
ويُقصد بالوجد في الحب حسب علماء اللغة “فرط الشوق والمحبة وهو حالة من التعلق العميق التي تسيطر على القلب وتجعل الحبيب في حالة تفكير دائم ومستمر فيمن يحبّ وقد يقترن أحيانا بأسى أو حزن ناتج عن شدة التعلق”.
وكأني بالحبيبة وهي تهديه وجدها تُسْقط فرط شوقها عليه لعل عدوى الشوق تصيبه .
ان هذا الاسقاط يتبعه تبرير منها عند وصف حالتها بعده ( بعدك ما أدركت خرائطي/ ولا على طور خط الزمان نحوك أثر يدليني..)
انها تعيش حالة التيه والضياع زمانا ومكانا ..انه القلق الوجودي الذي تعيشه. وكاني بها ترثي حالها في غيابه.
+ مهجتي: والمهجة هي الروح والروح بها تحيا وبدونها تموت وبالتالي فهي تهديه حياتها .
ان شوقها اليه يجعلها تتخلى عن روحها لصالحه ..انها تموت ليحيا.. انها مفارقة مدهشة بين موتها وحياته.
ان الشاعرة الحبيبة قد جعلت من القصيدة مرآة تعكس مدى شوقها للحبيب فتدرجت من التغني به الى الانتشاء واقتفاء أثره في القواميس والى منحه حياتها وانتهت الى رثاء نفسها حين استبدّ بها اليأس الى حد الصراخ فتقول:
ناديتك ..صراخ.. يملأ السمع
تسمع سماواتي فما هطلت الا
دمعا يغطيني..
ان لوعة الفراق وشدة الشوق جعلها تناديه كانها تستنجد به لينتشلها من لوعة الفراق وشدة الشوق وتصرخ صراخا بلغ السماوات..
بيد ان هذه السماوات لم تستجب لها ولم تتعاطف معها .
لقد ختمت الشاعرة قصيدتها بقفلة مدهشة كسرت بها أفق انتظار القارئ باستخدام مفارقة بين المنشود والموجود. فبينما كانت تنشد غيثا نافعا تجود به السماوات ليروي شوقها كان هطول السماوات دمعا غزيرا يغطيها وكأن القدر تحالف ضدها ولم يرحم لا حنينها ولا شوقها .
وخلاصة القول فان الشاعرة الهام عيسى في قصيدتها “أنتَ قصيدتي” قد استطاعت ان توحد بين الحبيب والقصيدة لتدعم قول أحدهم :” في جغرافية القلوب لا تقاس الخرائط
طولا وعرضا وانما تختبر المشاعر حنينا وشوقا فكانت القصيدة المعادل الموضوعي للحبيب وهي المرآة التي تعكس الحبيب حنينا وشوقا اليه.
والشاعرة هنا ترتقي بقصيدتها نحو العالمية لتعانق الشاعر الكبير محمود درويش في قوله:
لا شيء يثبت أني أحبك// غير الكتابة.
سلم قلم الكاتبة الهام عيسى الموسوم بقطبيْ الحبيب والقصيدة على خريطة الحنين والشوق.
بتاريخ :19/ 05/ 2026
المراجع :
الانصهار بين الحبيب والقصيدة digilib.uinsa.ac.id(1)
(2) موقع اسلام ويب نات- كيف يفسر علماء النفس علاقة الحنين بالحاضر؟
(3) نوريان كابورال-هل من الممكن ان يفوتنا الحاضر؟ – 5 مارس 2026
(4) دلالة الفعل الماضي على المستقبل- علي فركوس
============================================
أنتَ قصيدتي: (الهام عيسى)
على وقع ابتسامتكَ..
تستيقظ قصيدتي
تتخطى محلقة فوق مقلتيكَ
سيل نهر يروي شرايين
سنابل قمح تحيا على نبضكَ
اذوب كقبلة بفم غيمة
تختزن معانيكَ وعليك تدليني
فانت َانتَ قصيدتي
ما تهجيتُ سواها ولا مشتْ غيرها درابيني
حروف اسمكَ تساقطت
وعلى وقع عزف الشوق غنتْ عصافيري
عبرت غيمتنا اعتبارها
واعتبرتْ من سيل الغيوم نياشيني.
على كؤوس الخمر قابضة روحي…
قافية تقتفي اثركَ بين قواميسي
مرايا الصمت تحفظ تقاسيم وجهكَ
ووشوشات الروح تجمع بقاياها
ترفل تيها في غفو المسافات
كخرائط حزن تندب ملاييني
اهديكَ وجدي ومهجتي
وما اعترى
فالنفس تشعل انفاسي
ودمع الدهر يسليني
بعدك ما ادركت خرائطي
ولا على طول خط الزمان
نحوكَ.. أثرٌ يُدليني
ناديتك ..صراخ.. يملأ السمع
تسمع سماواتي فما هطلت الا
دمعا يغطيني















Discussion about this post