في الجنوب اللبناني، لا تنبت الحكايا على الورق، بل تنبت في التراب. هناك، حيث يمتزج عرق الفلاحين بزيت الزيتون، وتختلط رائحة التبغ بأنفاس الأمهات الصابرات، يُكتب الصمود كل يوم بحبر من وجَع وكرامة.
للزيتون ذاكرة لا تشيخ
شجرة الزيتون في الجنوب ليست شجرة. هي جدّة معمّرة شهدت كل الغزاة وماتوا هم وبقيت هي. جذورها ضاربة في الأرض مثل أهلها، لا تقتلعها دبابة ولا يحرقها فوسفور. كلما قصفت إسرائيل حقلاً، عاد الفلاح في الصباح التالي ليغرس غصناً جديداً، كأنه يقول للعالم، (نحن هنا، وسنبقى) . الزيت الذي يُعصر في معاصر الجنوب ليس مجرد مؤونة، هو دموع الفرح الممزوجة بالملح، هو صبر السنين الذي يضيء البيوت حين تنقطع الكهرباء عن كل لبنان إلا عن قلوبهم.
في جنوب العز شتلة التبغ كفّ الأم الخشن
في الحاكورة الصغيرة، تنحني امرأة جنوبية مع بزوغ الفجر لتقطف أوراق التبغ. كفّاها تشققا من الشمس والبرد، لكنهما لم ترتجفا يوماً. شتلة التبغ هي رغيف أطفالها، وهي مهر بناتها، وهي الكفن إذا ما أستشهد أبنها. علّموها أن (التبغ مرّ) ، لكنها تعلّمت من الجنوب أن المرّ هو الذي يصنع الرجال. تعلّق الشتلات على الحبال، فتصبح البيوت رايات خضراء ترف في وجه الحصار. هذه ليست زراعة، هذه مقاومة يومية بصمت، بلا كاميرات ولا خطابات.
في لبنان فصول أربع ولكن للجنوب فصل لا يمكن أن يكون له مثيل في الجمال ففي أرض الجنوب الشهداء يكتبون موسم لا ينتهي.
في الجنوب، للموت طعم آخر. الشهيد لا يُزفّ بالبكاء وحده، بل بالزغاريد والأناشيد. كل قرية فيها ساحة للشهداء، وكل بيت فيه صورة معلّقة على الجدار، وكل أم تخبّئ (بدلة العرس) لأبنها، فإن لم يلبسها عريساً، لبسها شهيداً. هم الذين رووا الزيتون بدمهم فازداد عطاءً، وهم الذين جعلوا شتلة التبغ تنتصب أكثر كلما إنحنى متعب.
في الجنوب قصة صمود ووصيّة الأرض
يسألون (كيف تصمدون؟)
والجواب بسيط كرغيف الخبز لأن الأرض أمّنا، والأم لا تُترك. لأننا ورثنا من أجدادنا أن الذي يترك أرضه يموت مرتين. نُقصف، فنبني. نُهجّر، فنعود. نُجرَح، فنضمد جراحنا بالزعتر والتراب ونكمل.
يا جنوب، يا سيد الأوجاع والعنفوان..
زيتونك يصلّي، وتبغك يقاتل، وشهداؤك ينامون قريري العين لأنهم يعرفون أن الحقول التي سقوها بدمهم، ستزهر مرة أخرى، ورقة تبغ، وحبّة زيتون، وقصيدة حرية لها عنوان واحد الكرامة والصمود
نضال عيسى


















Discussion about this post