الشاعرة غنوة مصطفى عبر “لهاث الضوء ” والأسئلة الأنطولوجية
“الشاعر هو فيلسوف، والشعر هو مركز المعرفة ومحيطها، كما يرى [شيللي] و[كولريدج].
“الكتابة هي ذلك المكان المحايد الذي تضيع فيه كل الهويات.”
رولان بارت
على سبيل النص الشعري
يكتسي التعامل مع النص الشعري عمومًا ومع الأسئلة الأنطولوجية، خصوصيته من طبيعة الشِّعر المكثّفة في حدِّ ذاتها ذلك أنّ” طبيعة الشعر الخاصة تتوسل بلغة خاصة ليس مهمتها البيان، فالبيان متروك للخطابة والنثر، لانَّ لغةَ الشعر إجماليةٌ محلها الشعور الإنساني المبهم الذي ليس شرطًا فيه أن يكون واضحًا. الوضوح ضد الشعر في المقام الأول “(1)
هل الذهاب إلى الشعر هو ذهاب الى المستحيلات.. أم هو محض علامة لوجود يتمم غموضه المتواصل؟
يُمثل الشعر سؤالاً وجودياً عميقاً يتجاوز الوظيفة الجمالية، حيث يسعى للكشف عن ماهية الكينونة، والتوتر بين الوجود والعدم، وصراع الإنسان مع العالم.
على سبيل اللغة الشعرية
في عالم اللغة الشعرية، تتخلى الكلمات عن حريتها كجنود ينزلون عن صهوة الوضوح، ليرووا بجسد الغموض حكاياً تتجاوز السطور والمعاني المباشرة ويروا الإيحاء يجول في بستان الدلالات قاطفاً لزهرة قد لا تُرى بالعين، والتلميح يداعب الأذن بلفتةٍ أو لمحةٍ تحتاج إلى فك شفرتها.
من هذا المنطلق تكمن خصوصية التعامل مع النص الشعري، بوصفه نصًا مكثَّفًا قد يخفي أكثر ممَّا يبدي على طريق المستحيل فهو الوجه الآخر للأنطولوجيا .
«لهاث الضوء»
يشكّل «لهاث الضوء» للشاعرة ” غنوة مصطفى ” الصادر عن دار أعراف للنشر والطباعة والتوزيع سورية – طرطوس – تجربة شعرية تنبض بحساسية عالية، حيث تتقاطع الذات مع أسئلة الوجود، وتتحوّل اللغة إلى مساحة للبحث عن المعنى وسط عتمة ممتدة إلى مالا نهاية.
ويمثّل «لهاث الضوء» رمزًا مكثفًا للتعايش، الرغبة، والعطش الوجودي، متجاوزًا المعنى الفيزيائي للهاث إلى دلالات نفسية وفلسفية عميقة أو التعب من السعي وراء الرغبات وجنون الأسئلة..، هي أشبه بحالة انعدام الوزن .. فاللهاث في الشعر هو تجسيد للمصير الإنساني كوجود دائم اللهث وراء ماءٍ لا يُدرك ، وتحويل اللغة إلى مساحة لتجربة الوجود والعدم.
ويمكن في هذا السياق استحضار التصور التأويلي عند بول ريكور الذي ينظر إلى النص بوصفه بنية دلالية مفتوحة تنتج معناها عبر تعدد مستويات القراءة، لا عبر الإحالة المباشرة على التجربة.
لغة شفافة مشبعة بالإيحاء
في هذا الديوان، تتكئ “غنوة مصطفى ” على لغة شفافة مشبعة بالإيحاء، حيث تتوالد الصور الشعرية من رحم التجربة الذاتية، لكنها سرعان ما تنفتح على أفق إنساني أرحب.
فالنصوص ليست مجرد بوح فردي، بل هي محاولة لإعادة ترتيب الفوضى الداخلية، واستنطاق الصمت، وتفكيك لحظات الألم التي تتحول – بفضل الشعر – إلى طاقة جمالية قادرة على منح القارئ لحظة تأمل عميقة.
فلسفة ” الضوء”
في هذا الإطار تتمحور فلسفة ” الضوء” في الأنطولوجيا الشعرية حول “الضوء” كصورة جوهرية للكينونة، حيث يتجاوز كونه ظاهرة فيزيائية ليصبح كشفاً للوجود وحقيقته، حيث لا ينطفئ الضوء تمامًا، لكنه لا ينقذ أحدًا من الظلام .
حيث نلاحظ العلاقة جدلية بين ثالوث العتمة والضوء والظل، فلعبة الحضور والغياب بين هذا الثالوث تتخذ شكلا عضويًا فالعتمة تشير بدورها إلى الضوء والضوء يوحي كذلك بالظل.
“الوجد والكشف”
ويرتبط الضوء بالشعر في كونه يمنح الأشياء (الكثيفة) وجودها، ويجعل الوجود قابلاً للإدراك والإشراق، وهو ما يوازي في الفلسفة الصوفية “الوجد والكشف”، وهو ما يربط بين العقل الفلسفي والذوق الروحي.
والأنطولوجيا الشعرية تبحث في جوهر الكينونة والوجود عبر اللغة، وتجعل من الشعر كشفاً للوجود الأصيل، تماماً كما يرى [هيدغر] في ربطه الشعر بسؤال الكينونة.
وعلى هذا، فالإنسان هو الكائن الذي يوجد بالمعنى وللمعنى. فالإنسان معنى بدرجة أولى، فهو يحيا في عالم من المعاني التي تصنعها معجزة اللغة.
عنوان مفعم بالدلالة
” لهاث الضوء “عنوان مفعم بالدلالة، عنوان ظاهره البساطة وباطنه التباس يفتح التأويل على احتمالات شتى، وكثيرًا ما كان العنوان مبعث قلق والتباس تجاذبه إرادتان: إرادة نفعية تواصلية وإرادة جمالية فنية.
العنوان كعتبة انزياح من المادي إلى الميتافيزيقي:
إن عتبة العنوان “لهاث الضوء” لا تشتغل بوصفها تسمية جمالية فحسب ، بل باعتبارها انقلابًا دلاليًا على مفهوم الضوء ذاته.
وهنا يمكن القول :إن النص لا يبدأ من اللغة بل من ” حالة الارتقاء داخل اللغة ” حيث يصبح الضوء ليس ما يُرى ، بل ما يُرى به ، إنه انتقال من فوضى الجسد إلى حواس الإدراك ، أي من الخارج إلى الداخل، من الطقس إلى الوعي .
إن عبارة “لهاث الضوء ” تؤسس لما يمكن تسميته باللهاث الانطولوجي، حيث لا يلهث الجسد، بل تتجدد الكينونة نفسها .
ضمن هذا النسق، لا تعود اللغة أداة تمثيل للواقع بل تتحول إلى آلية لتفكيكه وإعادة تشكيله. ويتجلى ذلك في كلمة “اللهاث “في الثقافة الإنسانية ليس مجرد لهاث عادي، بل مادة رمزية تختلط فيها المتعة بالعتمة، والصفاء بالغواية، وحين يضاف إليه الضوء والمحو، تصبح العلاقة بين الذات والعالم علاقة تقوم على انكسار البصيرة أو انتفائها، وعلى رغبة لا تهتدي إلا بذاتها.
تخوم الكون الشعري
وتبدو ملامسة تخوم الكون الشعري الذي تنحته نصوص هذه المجموعة دعاة للتأمل عبر عنوانها ” لهاث الضوء ” باعتبار أن العنوان فعل كتابي يجاوز فيما يجاوز الزمن والإرادة والمقصدية، فهو بوصفه نصًا موازيًا إشكالي بطبيعته، كما يؤكد جرار جنيت: ((يطرح التعريف نفسه عدة مشاكل تقتضي بذل مجهود من أجل التحليل…))
غير أن الشاعرة، ومنذ العنوان، لا تتوقف عند هذا العنوان، بل تعيد تشكيله من الداخل حين تجعل موضوعها «لهاثُ الضوء»، وكأن الضوء ليس ضوءاً بل هو جسد الشاعرة وروحها، أو هو التجسيد الحسي لدهشة الحب حين يبلغ ذروته في لحظة السقوط، وهذا يعكس مقولة ” موريس بلانشو ‘القصيدة تكتب شاعرها’.
عتبة العنوان
وهكذا يفتتح النص بعتبة العنوان حيث تعد القارئ للدخول في عالمٍ يتداخل فيه الحسي بالرمزي، والمادي بالمتخيل، والزمن الشخصي بزمن الأشياء.
جاء لهاث الضوء للشاعرة غنوة مصطفى مشروعًا شعريًا سموقًا ما، وتمايزًا إنسانيًا كبيرًا على مستوى التشكيل والرؤية الدلالية، بل تجلّت الشاعرة في رصد فتوحات الصمت والتأمل في الحياة.
المتن الشعري
أما المتن الشعري الذي ترسم معالمه نصوص هذا العمل الإبداعي وتحدّد المفيد من سماته الفكرية والجمالية في آن، فإنه يقوم على تيمتين أساسيتين تشكَلان محوري القول الشعري، إذ تأخذ علاقتهما أشكال التوازي أو التحاور أو التقاطع وقد وزّعت الشاعرة – ببراعة واقتدار قصائدها بينهما.
الإهداء الشعري
يُمثل الإهداء الشعري عتبة نصية جوهرية تتجاوز الوظيفة الإهدائية التقليدية إلى تشكيل رؤية وجودية (الضوء والوجود) و يعد الإهداء دالاً وجودياً، أو “معادلاً للذات” يجسد قلق الكينونة، ولا يقل أهمية الإهداء في دلالته عن اسم المؤلف و العنوان، لأنه يشكل عنصرًا مساعدًا لاقتحام النص فهو « …أحد المداخل الأولية لكل قراءة ممكنة للنص… »(2)
فتقول في الإهداء: “إلى الروح التي سكنتني حياة وأورقت فيَّ قصائد أمل رغم الجراح النازفة ..إلى الضياء ومساحات النور التي أشعلت حلكة الليل وأعادت للنبض موسيقاه.”
يتحول الإهداء من عتبة خارجية إلى “نص موازٍ” يفتح آفاق القراءة، حيث يصبح “الضوء” معادلاً للبقاء الوجودي في مواجهة الـ “العدم” والغياب، موثقاً تجربة الشاعرة الذاتية والكونية.
وتبدو الذات الشاعرة من خلال هذا الإهداء منصتة لهسيس الحياة، وأنينها المتواصل في عالم لا يرحم الضعفاء.
يأتي الإهداء نصفه حقيقة ونصفه مجاز أو هو إهداء حقيقي يفضي إلى المجاز ،حين تقول: لهاث الضوء يسرد كذبةً سقطت/ بوهم حقيقةٍ حُبلى/ فلا تستعجلوا أبدًا / غدًا سأعود بعد الموت.”
بوصلة التلميح
وبتلميح يمر كنسيم بصمت قد يكون عبر استعارة مكنية أو مجاز مرسل، فالشاعرة تقول « لهاث الضوء يسرد كذبةً سقطت/ بوهم حقيقةٍ حُبلى/ » لا تتحدث عن مجرد لهاث، بل عن عمق هائل من الأحاسيس والمشاعر، لأن التلميح بوصلة خفية تشير إلى معانٍ مغروسة في أعماق الذات، يحتاج فكها إلى رَويّة وتأمل.
وعن طريق هذه الإيحاءات التي تتسلل إلى الروح دون استئذان يأتي الإيحاء الأعمق في قولها : “وبأصابع من لهفةٍ خبرت جنون المقصلة / خطفت أنينًا للورق / هنا، تعبير كثيف، يشير إلى لحظةٍ تتجرد فيها الحياة من عنفوانها القديم، ويصبح المتعبون على تخوم النور، وتصبح العاطفة فعلاً يتدحرج من قمم اليقين نحو جنون الأسئلة وترش سحرًا من جنون الأخيلة.
عطور الإيحاءات
في الخلوة حيث الضوء يغفو على وسادة الظلّ، تنبتُ الكلمات مثل براعم الأسرار المكنونة، تفوح منها عطور الإيحاءات ويندلق من رحيقها حنين التلميحات.
تقول: ” يسيطر في امتداد الظلّ في شغبٍ/ يتمتم سحره الغافي على شفةٍ/ فيشهق في دمي قمرٌ/ ويزهر ملء أوردتي/ بالحانٍ خيالية / وبعد سؤاله عشرا / يغادرني على عجلٍ/ يطير النومُ من جفني/ فأغدو صرخةً تعدو تسابق في الصَّدى سفراً وتسكنني كفوضى الصمت منسيا.”
هنا في قلب الشعر، حيث تجوس الروح خلجات اللغة، تستقرئ الإيحاءات والتلميحات لترى النور من عتمة الصمت المهيب.
تتواصل الإيحاءات والتلميحات لتضع العلاقة العاطفية في سياقها الأكثر هشاشة، سياق الأزمنة التي تصبح فيها التجارب الإنسانية أكثر ميلا للانكسار منها للتماسك، وترتل آية المنفى بنزف دمها.
و”تهب الحياة ببعض عشقٍ/ ما تيسر من جنون/وبكل ما اوتيت من حلمٍ ومن صبر اليقين /وبكل ما أوتيت من ذاك الشقاء.”
وهنا، يصبح فعل «تَهبُ» مفتاحًا دلاليًا بالغ الأهمية، إذ تحيل “قلق الهواجس” على ألف هوية، وألف شريعة ، في ابتعاد جال أطراف الثريَّا “،انجذاب صاعد، ورعشة خفيفة أكثر مما تحيل على السقوط القاسي.
قبلة الضوء الأولى
من هذا المنطلق، الرعشة ليست انحدارَا بل انجذابٌ تتولاه لحظةُ ضعفٍ إنساني، رغبةٌ خفيفةٌ، تشبه ارتجاف فراشة في قبلة الضوء الأولى، لتتخذَ الجملةُ كلُّها إيقاعًا ينساب من حافة اللهفة نحو شعلةِ الرغبة، في توازنٍ بين الضعف والتوق، بين الهشاشة والوله.
التيه الوجودي وتشظي الذات
يُجسّد هذا اللهاث في الشعر الحديث حالة من التيه الوجودي وتشظي الذات، حيث تتحول القصيدة إلى ساحة صراع بين سوداوية الواقع (جنون الضوء/الضوء الكاشف للمآسي) والبحث عن كينونة مفتقدة.
إن ديوان «لهاث الضوء» أفرغ علينا أربعَ وأربعين قصيدةً أشبه بلهاث عاشقة يتيمة تسافر بالصدى كلما صادفتها دوائر السكون، كل لهثة بوقع جمرة، تحترق فينا دون أن تشتعل، جوهر هذا اللهاث بسيط في نبعه ورؤياه، لكنه عميق أيما عمق في ظله وضوئه، في مائه وجنون أسئلته يحفر فينا، وفي الزمن والتاريخ والوجود.
مساءلة الهوية
ومضمون هذه الرؤيا أن الشاعرة” غنوة مصطفى ” بصوتها الشعري الحزين تتقصى انحناءات الحروف؛ تقتفي هديل الحمام وتمزق سجن حنجرتها في زمن عز فيه القصيدُ، وقامت الكلمة حائرة ومترددة مساءلة للهوية.
هكذا ينفتح الديوان على سياق إنساني أرحب يمتد ليلامس الوجود.. فكيف عرَّت “كلمة الكاتب/ة ” مجاهل هذا الوجود؟
“إلى متى ومتى سنعلم أننا بشرٌ وأننا في غيِّنا هائمون “…؟
إن تلك الأسئلة وغيرها تستعر في ذهن القارئ، فلا يجد بداً من الغوص في تضاعيف القصائد الكلاسيكية الشكل والحداثية الروح بحثاً عن إجابة شافية وسط هذا الفراغ الوجودي.
الأنا المعاصرة والآخر الحداثي
لعل السؤال الحداثي الآن، يطرح «إشكاليًا» باعتباره سؤالا يتأسس على استدراج مجهول الذات كنص إبداعي معاصر، يتجاوز حدوده البنيوية ويؤسس في نفس الوقت تماهيه في تفاعله الفني /الجمالي، ضمن حركية تحتمل امتلاك الرؤية بين الأنا المعاصرة والآخر الحداثي.
تعتمد الشاعرة لغة حداثية متمردة، تمزج بين الرمزية، الرغبة في التجاوز، واللاطمأنينة، ما ينتج قصيدة من “ماء وضوء” مفتوحة تطرح تساؤلات أنطولوجية حارقة حول الموت، الزمن، والانكسار.؛ مما يذكرنا بعبارة نيتشه البليغة:” من يمتلك سببًا يعيش من أجله ، يستطيع تحمّل العيش بأي طريقة كانت .”
حيث تقول : “ماءٌ إذا همس الضياءُ له ..عرجا معًا للأفق وانطلقا
فيه انكسارٌ إنْ تلبَسه ..في نشوةٍ من عشقه شبقا
الطبيعة الأم
تتماهى هذه الشاعرة بالطبيعة الشامية, وكأنها هي الطبيعة البشرية, التي تضاهي الطبيعة الأم في الخصوبة, والعطاء, والمفاجآت, بها/ معها تخرج عن صمتها وخوفها وعتمتها وقلقها وهدوئها, وبقصيدة “لن يضل سبيلا تخاطب فيه سيد الوجود قائلةً :
“كم يشتهي قلبي إليك سبيلا .. خذ من دمي وأضئ لدربك ليلا
يا سيّدَ الأوهامِ في نزف الرؤى .. كن في دمي إني غدوت قتيلا
فيضُ الهوى في مقلتيك تبسّمٌ .. نجمي بكفّك لن يضلَ سبيلا”
فوضى الحواس و متاهاتِ الرغبة
تتوه الشاعرة العاشقة وتجنحُ سفينتُها في فوضى الحواس و متاهاتِ الرغبة، وأمام سطوةِ العشق ، تنهكها الحيرة/وساوس الموت/اللهب المجنون/فوضى الحروب/ طوفان الأسئلة/ ، فتضيع منها سبل المفردات, وتغدو عاجزةً على القول ، قول يليق بحبها, كي تستحضرها فيه, وتخفِّف به من وطأة الغياب حيث تقول :
” حَيرى تغادرني حالاً وتنكرني.. تغدو بباصرتي صخبًا ويستعر
وساوس الموت في حبٍّ تشاغلني.. ورغبةٌ سكنت تجتاح تعتصر
ماذا أقول وهذا القلب تسكنه.. فوضى الحروب فلا يجدي بي الحذرُ
طوفانُ أسئلتي توًا يقامرني.. ولغزُه هوسٌ ما انفك يندحرُ ”
لا تعمل الرغبة هنا كعنصر تزييني، بل كـ “كيمياء للرؤيا” تعيد هيكلة الزمن والمكان، ولغز الموت لتقدم زمنًا تأمليًا صامتًا يواجه الموت بطوفان الاسئلة.
وبلغة من نور ونار تقول في قصيدة مولاي:
“أشعل ضلوعي أيا مولاي واحييني.. نورٌ بناركَ تحيي زهرَ تشريني
ليت المسافاتِ إذْ ما جئتَ تَقطَعُها.. كانت كما رفِّ طرفٍ فيه تأتيني
أشقى وأشقى بناري بتُّ مشتعلا.. ونارُ عشقي لهيبٌ كالبراكينِ ”
المشهدية
النار في هذه المشهدية هو نور الحياة، حيث يمثل الوجود نوعًا من المنفى الاختياري أو البحث الدائم في المجهول، ناقضًا بناءه الذاتي للاستنارة.
والشعر الوجودي هو شعر “الحالة الاستثنائية” التي تعري واقعاً ملتبساً، باحثة عن معنى في عالم مادي ومتسارع.
تُزاوج بين الذاتي والوطني، بين الرمزي والواقعي، بين الصوت الفردي والنداء الجماعي تقول :
لا تهادن هذه أرضٌ بكت … فاسقها غيثًا بطوفان الغضبْ
واملأ الأمداء حرفً بيّنًا … في بلاغٍ من بيانٍ مقتضبْ
لا تهادن صوب هاتيك الربى …جلَّنارٌ ضجّ وهجًا في طلبْ
التحرك بين اللفظ والمعنى
وفي ضوء المناهج التأويلية والرمزية والسيميائية، يتضح أن شعرية ” غنوة مصطفى” تتحرك في الشفيف العميق من اللفظ والمعنى، من الواقع بكل عناصره، ومن ترائيات المخيلة التي تنتج العلائق صورًا شعرية تتعالق فيها الأعماق الجوانية مع الأبعاد الأنطولوجية في عتب لا يخلو من البعد الميتافيزيقي تقول:
من ذا يبوح للشمس في عتبٍ.. قد خاننا قبسٌ إذأ جاء ينكسرُ
خفف خطاك على وادٍ يضيقُ بنا …إنَّا هرمنا ونجمُ الصبحِ ينهمرُ
حلم اليقظة
فماذا بين انكسار الضوء وحياد القصيدة وبين حركة النجوم وصمت القصيدة؟ وماذا بين لهاث الضوء والحب والطبيعة وبين نجم الصبح الحاضر من المخيلة؟ وكيف تناغم شظف العيش وكرامة المبدع وحلم اليقظة مع أحلام مراكب الموت؟
وعبر “أحلام مراكب الموت” تحاول الشاعرة أن تستثير الاحلام والهمم معاً من خلال العرض الوثائقي الشعري لما هو مؤلم ومر.
فتعكس حياة الشاعرة والشعراء صراعاً مستمراً بين “الحاجة إلى لقمة العيش” و”الحفاظ على كرامة الكلمة” ‘إذ تكشف الشاعرة عن تلك المعاناة وتعتبرها أزمة أزلية، تمزج بين شظف العيش وكرامة المبدع، حيث يتحول الشعر من رسالة فنية إلى معركة للبقاء.
وفي بؤرة هذا الواقع، تواجه الشاعرة كما يواجه الشعراء ضغوطاً مادية، ونفياً، وتهميشاً ثقافياً، مما يضطر بعضهم لخيارات خانقة بين الهجرة، أو التبعية، مع تراجع تقدير الشعر وقيمته في الحياة المعاصرة.
صوت العويل وحياد القصيدة
إن صوت العويل وانكسار الضوء وحياد القصيدة واكبها، جدليًا، حياد من نوع آخر تدينه الشاعرة، بدءاً من الذات التي تتفاعل بسلبية وحياد مع الفقر والفقراء، والظلم والظلماء وتكتفي بمجرد اللهاث، وها هي الشاعرة تدعوها إلى الفعل:
” يا لقمة العيش قد أفنيتني غرقًا… صوت العويل ضنى روحي فأرهقها
خلاصة القول:
تطلق الشاعرة “غنوة مصطفى ” لهاثها للريح بعد أن أودعت في “لهاث الضوء” قصائد مكتوبة بمداد القلق، مُعلنة تمرّدها على زيف الواقع ووعوده المُعلّبة، فيتحوّل الديوان إلى كونٍ شعريٍ مكثّف، ينقسم إلى محورين كجناحَي طائرٍ يحلّق بين فلسفة الوجود ومرارة السؤال الاجتماعي.
في سؤالها الأنطولوجي العميق تعيد الشاعرة “غنوة مصطفى ” سؤال الشعر إلى كنه القصيدة ، مشرعة أبواب المعنى على سؤال لا نهائي ومبحرةً في وجع الذات و انجراحاتها.
اللغة عند غنوة مصطفى ” ليست وسيلة للتعبير فقط، بل أداة لإعادة تشكيل الوجود، ونصوصها الشعرية ليست خطابًا سياسياً مباشراً، بل سؤال فلسفي مموّه في صور بلاغية ممّا تجعل من الاستعارة والرمز وسيلة للتفكير في قضايا تتجاوز الحدث الآني نحو التأمل في المصير الإنساني.
إنها تجربة شعرية لا تقف قصيدتها عند إدراك مكامن خصوبتها استكشافًا للتفاصيل المنتجة جمالها، ولا تقف عند قدرتها على تغيير مزاجك عبر خطابها الشعري المتميز، ولا تقف عند حدود قدرتها على المقاومة، مقاومة الأشكال القديمة للشعر متجاوزتها إلى شكلها الخاص الذي يمكنك أن ـترى أنها تجمع بين نظامين أساسيين للقصيدة يتبلوران في شكليها الأبرز: العمودي والتفعيلي، محطمة الحدود بينهما ومنتجة سبيكتها الشعرية الخاصة.
وأخيراً، الشعر يجرح الوجود والأشياء والمعاني ليكشف عن دمها وأسرارها فهو جرح الوجود” ولا يتطابق الشعر إلا مع الأفكار اليقظة، الشغوفة بالمجهول، والمنفتحة أساسا على الصيرورة، فليس هناك من شعر إلا حيث يكون ثمة خلق وإبداع مطلق”، وأن العمل الفني ” رسالة” ملتبسة أساسيًا، فهو مجموعة مدلولات في دالٍّ واحد .
على سبيل الختم
إن الشاعرة في “لهاث الضوء” تؤمن أن الضوء هو الحق والخير والنور والفضيلة والاصلاح والبياض، وأن العتمة تمثل الباطل والشر والظلام والرذيلة والفساد والسواد.
فدائرة الصراع تبقى تدور في إطار الحق المخلوع المقطوع الذي ما انفكت الشاعرة تبحث عنه في القصائد كلها وكأن المجموعة الشعرية قصيدة واحدة، تستثمر حركة الضوء والعتمة وتوظفها للتدليل بطابعه الانساني الذي يرتكز على رؤية حقة وأنطولوجيا فكرية واعية.
خلاصة القول
إن ” لهاث الضوء ” للشاعرة: غنوة مصطفى ” لا ينتمي إلى الغزل ولا إلى التصوف بمعناهما التقليدي، بل إلى منطقة ثالثة هي الكتابة الحدّية التي تذيب الفواصل بين التجربة الجسدية والتجربة الروحية.
إنها تجربة تجعل من الحب تجربة معرفية، ومن الجسد سؤالًا فلسفيًا، ومن النور بنية وجودية، وليست وصفًا للحب، بل محاولة لكتابة، ما يحدث للروح حين تُضاء من الداخل أكثر مما تُضاء من الخارج.
في هذا الإطار، تبقى “القوة الخلاقة للإبداع تنفلت من كل تحديد، لتظل في نهاية التحليل لغزًا لا تمكن صياغته وقوله” في حضرة “لهاث الضوء”.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش
1-محمّد خطاب، استطيقا التصوف عند محيي الدّين بن عربي، رؤية للنشر والتوزيع، ط 1، مصر 7112 ، ص.191
2عبد الفتاح الحجمري عتبات الكتابة: البنية و الدلالة . منشورات الرابطة الدار البيضاء 1996 ص-30
آل نصفان يواصل تألقه.. والصفا يحتفي بذهبية المملكة وبرونزية عبدالرحمن في الإسكواش
آل نصفان يواصل تألقه.. والصفا يحتفي بذهبية المملكة وبرونزية عبدالرحمن في الإسكواش كتبت : مروة حسن حقق لاعب نادي الصفا محمد آل نصفان إنجازًا جديدًا لرياضة النادي، بعد تتويجه بلقب...

















Discussion about this post