
صناعة الإنسان أولاً
كتب رياض الفرطوسي
إن نقطة البداية الحقيقية لأي إصلاح جاد تكمن حتماً في تفكيك طريقة التفكير ذاتها، وهو ما تنبّهت إليه حتى بعض أعمق المدارس النقدية الغربية كمدرسة فرانكفورت للأبحاث الاجتماعية في ألمانيا بزعامة أعلامها أمثال تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر. فقد قدم هؤلاء مفكرون نقداً جذرياً للحداثة الغربية نفسها، مبينين كيف تحول العقل البشري من أداة للتحرر إلى ( عقل أداتي ) مسطح وظفته منظومة الاستهلاك لتدجين الإنسان. هذا النقد يمنحنا إقراراً بأن أزمة الوعي ليست حكراً علينا، بل هي مأزق عالمي تجاوزته الأمم الحية عبر إعادة بناء ذاتها من الداخل.
من مظاهر العمران إلى بناء الإنسان :
حين نتأمل التاريخ الإنساني، نجد أن الحضارات الكبرى لم تنهض صدفةً، بل عبر مخاضات عسيرة وتجارب استثنائية:
التجربة الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية: لم تقتصر النهضة الألمانية على إعادة إعمار الحجر والمدن المدمرة، بل انطلقت من نقد ذاتي عميق ومراجعة شاملة لطريقة التفكير الفلسفي والسياسي، لتثبت أن بناء الإنسان المعاصر يسبق بناء المصانع.
النموذج الياباني: تحولت تلك الإمبراطورية العريقة من ركام الهزيمة العسكرية إلى قوة حضارية هائلة عبر المزج الذكي بين الأصالة المعنوية والتقنية الحديثة، مركزة على العقل الجمعي والتعليم كأداة لصناعة الإنسان.
النموذج الأمريكي: وعلى النقيض من التاريخ العريق لأمم الشرق، تمثل التجربة الأمريكية حضارة حديثة نسبياً ذات عمر قصير، استطاعت تكثيف قوتها عبر تجميع الموارد والتركيز على البراغماتية والمؤسسات، لكنها تعاني اليوم من أزمة فراغ روحي ومعنوي تجعل نموذجها قاصراً عن تقديم إجابات لأسئلة الوجود الكبرى.
مراحل التغيير: من الإرهاصات إلى البرامج الجذرية
إن أي حركة تغيير جذرية لا تحدث بين عشية وضحاها، بل تخضع بالضرورة لمراحل تاريخية مدروسة:
مرحلة الإرهاصات ونقد الواقع: وهي المرحلة التي تتعدد فيها الأصوات الناقدة وتتعالى الأسئلة المقلقة حول مأزق الواقع القائم. تاريخياً، شهدت الثورة الفرنسية وقبلها عقوداً من التخمر الفكري والتنويري، وكذا الثورة الإيرانية التي سبقتها عقود من الخطابات والمراجعات الفكرية والنقدية التي مهدت للانتقال.
مرحلة تجميع القوة وتوجيه البوصلة: لا يمكن لأي مشروع إصلاحي أن ينجح دون تجميع الطاقات والموارد الفكرية والمادية في نقطة تقاطع واحدة تخدم غاية الإنسان.
حتمية البرامج قبل التغيير: تعلمنا التجارب الكبرى أن الفوضى لا تُحدث تغييراً، وأن أي حركة تغيير جذرية لابد أن تسبقها حركة برامج؛ فالفكرة الخالصة تحتاج إلى خطط وبرامج عمل عملية دقيقة تؤسس لمفاهيم الحرية والعمل والمساواة من داخل هويتنا لا باستيرادها.
إن إصلاح المجتمع يبدأ من إدراك أن الإنسان هو الغاية الأسمى والأداة في آن واحد؛ وحين تُبنى البرامج على وعي نقدي راسخ، يصبح التغيير ليس ممكناً فحسب، بل حتمياً وصانعاً لتاريخ جديد يشبهنا.



