
كيف انتصرت إيران في الحرب
ملاحظة..
أعددت هذا التقرير ليلا لأنشره هذا الصباح وصباحاً فوجئت بقرار ترامب بالغاء قراءه الضربة على ايران وهذا يعزز تقريري.
——————————
في التحليل السياسي والاستراتيجي، يجب ان تنظر الى الامور بدون عواطف، وحتى نستطيع قراءة الصورة بشكل صحيح، علينا النظر إلى عمقها، وليس إلى ظاهرها، ومعرفة مسارات واتجاهات الأحداث، وليس تفاصيلها، ولذلك علينا أن نتوقف عن الاستماع إلى فوضى تصريحات ترامب، وأوهام نتنياهو، والاستماع إلى ما يقوله الجنرالات، والمفكرون الاستراتيجيون، وقوانين الصراعات والحروب.
الحقيقة التي لا يجرؤ ترامب وإدارته، والكونغرس والأوساط السياسية، وحكومة نتنياهو، على الاعتراف بها، وهي أن إيران انتصرت بالفعل..
النصر الإيراني، لم يكن وفق المعايير العسكرية التقليدية، وإنما وفق المقاييس الاستراتيجية، التي تحدد معايير الانتصار النهائي.
هناك نقطة مهمة لابد من معرفتها، حتى نفهم ما يحدث في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وهي أن قوانين الصراع، تعطي المبادر إلى الضربة الأولى، فرصة كاملة لتحقيق أهدافه، والتي تكون عادة محاولة سحق العدو، وجعله ينهار ويستسلم، بتداعيات هذه الضربة، وهو ما حاوله الأمريكيون والإسرائيليون مع إيران، عندما قتلوا المرشد، وحوالي نصف الصف الأول، من القادة السياسيين والعسكريين، ودمروا العديد من المنشآت ومقرات القيادة، لكن هذا القانون يقول أيضاً، في حال تمكن الطرف الثاني، من استيعاب هذه الضربة، وتحملها وتلافي تأثيراتها وتداعياتها، فهذا يعني، أنه يمتلك من القوة والحيوية العسكرية والسياسية، ما يمكنه من أخذ زمام المبادرة، ويصبح لديه الخيار الأكبر والأوسع، لكيفية الرد وقيادة المعركة، وهذا ما حصل في مع إيران.
على مدى أربعة عقود، درست إيران حرب فيتنام، وأفغانستان، والعراق وغيرها، وكانت أهم نتيجة استخلصتها، هي أن الولايات المتحدة، كانت تتفوق على خصومها تكتيكيا، وتفشل استراتيجيا، فبنت عقيدتها العسكرية على هذا الأساس، وبنت قوة عسكرية وبنية تحتية مخصصة لهذه اللحظة، مكونة من أنفاق وطرق ومستودعات، وبنية تحتية للطائرات المسيرة، وصواريخ بالستية وفرط صوتية، لا تمتلكها الولايات المتحدة، وليس لديها القدرة على التصدي لها، وشبكات استخباراتية وحلفاء إقليميين.
أما الخطأ القاتل الذي وقعت فيه أمريكا وإسرائيل، فقد بقيت عقيدتها العسكرية مبنية على طريقة الجيوش التقليدية، التي تمتلك تقنيات عالية، وقدرة كبيرة على التدمير، مثل حاملات الطائرات، والطائرات الشبحية، ومنصات زخائر موجهة، ومنصات مراقبة وتحكم، وسلاسل إمداد لوجستية، لكنها لا تستطيع حسم المعركة.
بنتيجة هذه المعادلة، أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، تمتلكان القدرة على ربح معركة، فيما تمتلك إيران القدرة على ربح الحرب، خاصة إذا ما أثبتت أنها تمتلك سلاح “الجنرال الزمن” بالقدرة على الصمود لفترة طويلة.
يضاف إلى كل ذلك، موضوع العقيدة، حيث تعمل إيران بدافع البقاء، ومنع انهيار الدولة، وبشعب يقبل التضحية، بينما تعمل أمريكا بدافع الحفاظ على مكانتها، واستمرار هيمنتها، على الاقتصاديات والسياسات العالمية.
والولايات المتحدة ومعها إسرائيل تواجه اليوم معضلة حقيقية، فالانتصار على إيران يتطلب الغزو البري، وهذا غير متوفر لديها، ويتطلب خسائر لا تستطيع تحملها، وهذا يجعل من شبه المستحيل عليهما ربح الحرب، وتحقيق الأهداف التي شنوها لأجلها، مهما بلغت إمكاناتهم، على تحقيق الدمار، وإلحاق الخسائر بالإيرانيين، وكل ما تحتاجه إيران اليوم، هو البقاء متماسكة لفترة طويلة، مع قدرتها على إغلاق مضيق هرمز، وإغلاق مضيق باب المندب عند الحاجة، بحيث تجعل من الخيارات الامريكية والإسرائيلية، أكثر تكلفة، وأكثر حساسية وصعوبة، مع كل يوم يمر.
هذا الوضع انعكس بشكل مباشر، على تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يصرح في لحظة بأنه سيشن هجوما ساحقاً على إيران، ليخرج قبل الموعد الذي حدده للهجوم بقليل، ليقول بأنه قرر وقف الهجوم بناء على طلب من دول صديقة، لكن الحقيقة، أن أمريكا لا تمتلك القدرة على شن هجوم وحسمه عسكريا، وأن إيران تمتلك القدرة على توجيه ضربات مؤلمة للأمريكيين، وأن جنرالات البنتاغون، يحذرون من أن الوضع صعب.
يؤكد ذلك، نتائج اجتماع سري، عقده الرئيس ترامب على طائرته الرئاسية (إيرفورس وان) ضم كبار القادة العسكريين، وبحث خيارات توسيع الحملة العسكرية ضد إيران، وطرحت خطة لتنفيذ ضربات جوية مكثفة، تستمر من 10 إلى 14 يوما، لاستهداف منظومة الصواريخ الإيرانية، لكن داخل الاجتماع، ظهرت تحفظات عسكرية، خشية استنزاف ما تبقى من مخزون الصواريخ الاعتراضية الأمريكية.
وقال تقرير لصحيفة (وول ستريت جورنال) نقل نتائج الاجتماع، إن التقديرات الاستخباراتية الأمريكية، تفيد بأن 21 إلى 22 بالمئة من منظومة الصواريخ الإيرانية لا تزال سليمة، وهو ما يعزز حجج الداعين إلى توسيع الحملة العسكرية.
الوضع الآن يقول، بأن ترامب يهدد، والاستعدادات تتخذ لشن عملية عسكرية، ويبدو أن رأي الجنرالات، الذين يرون بقدرتهم على ضرب ما تبقى من الصواريخ الإيرانية، كان الأقرب إلى عقل ترامب، ولكن السؤال، ماذا لو أظهرت إيران أنها تمتلك أكثر من ذلك، وهو ما صرحت به عدة مرات.
وماذا لو تمكنت هي من تدمير ما تبقى من صواريخ ومنظومات دفاع جوي أمريكي، وماذا عن الصين وروسيا، الموجودتان في ساحة المعركة، وإن بشكل غير مباشر، وخاصة من خلال تزويد إيران، بالمعلومات والصور، حول المواقع والقواعد الأمريكية.. أم أننا سنرى تراجع آخر للرئيس ترامب، سيفقده هذه المرة ما تبقى من مصداقية على تهديداته، ولايغير هذا المسار الا عاملان، الاول استخدام اسلحة غير تقليدية، او حصول تطور غير محسوب في إيران.
أحمد رفعت يوسف



