
الميزان
ليست المشكلة الحقيقية في اسم نظام الحكم، ولا في شعاراته، ولا في دستوره، ولا في الأيديولوجية التي يتبناها، بل في الميزان الذي تُقاس به شرعيته ونجاحه.
فكل نظام حكم، في أي دولة عربية أو إسلامية، يجب أن يوضع في ميزان العدالة، لا في ميزان القوة.
وفي ميزان الحقوق،
لا في ميزان الشعارات.
وفي ميزان الإنسان،
لا في ميزان الأكثرية أو الأقلية.
إن المعيار الحقيقي لنجاح أي نظام سياسي ليس عدد مؤيديه، ولا طول بقائه في السلطة، ولا حجم مؤسساته، بل مدى قدرته على حماية جميع مكونات شعبه، ومنحها الأمن والكرامة والمساواة، دون تمييز أو إقصاء أو تهميش أو تكفير.
فالأنظمة التي يشعر فيها أصحاب الديانات أو المذاهب أو القوميات المختلفة بالأمن على أنفسهم، وعلى دور عبادتهم، وعلى ثقافتهم، وعلى حقوقهم، هي أنظمة تقترب من العدالة، حتى وإن واجهت تحديات سياسية أو اقتصادية.
أما الأنظمة التي يعيش فيها أي مكوّن وطني في خوف دائم، أو يتعرض للتمييز، أو يُحرم من حقوقه، أو يُستهدف بسبب انتمائه الديني أو المذهبي أو القومي، أو يصبح التكفير والكراهية والإقصاء جزءًا من الحياة العامة، فإنها تفقد أحد أهم مقومات الدولة العادلة، مهما كانت الشعارات التي ترفعها.
فالميزان الحقيقي لأي دولة هو قدرتها على حماية أضعف مواطنيها قبل أقواهم، وعلى ضمان حقوق الأقلية قبل الأكثرية، لأن العدالة لا تُختبر عندما تكون الحقوق مكفولة للأكثرية، وإنما عندما تكون مصونة لمن يختلف معها في الدين أو المذهب أو القومية أو الرأي.
ولذلك، فإن قيمة الدولة لا تُقاس بما تمنحه للأكثرية فقط، بل بما تكفله لكل مواطن من أمن، وحرية، وعدالة، ومساواة أمام القانون، دون خوف أو تمييز.
لقد أثبت التاريخ أن الدول التي احترمت تنوعها الداخلي استطاعت أن تبني الاستقرار، وأن تحافظ على وحدتها، وأن تواجه التحديات بثقة، بينما دفعت الدول التي قامت على الإقصاء أو التمييز أو الاستعلاء ثمن ذلك انقسامات وصراعات واضطرابات امتدت لعقود.
ومن هنا، فإن حماية الأقليات ليست قضية تخص الأقليات وحدها، وليست مطلبًا لفئة بعينها، بل هي المعيار الحقيقي الذي تُقاس به عدالة الدولة، ونضج نظامها السياسي، وقوة مؤسساتها.
فالدولة التي تحمي أضعف مكوناتها، وتحفظ حقوقها كاملة، وتصون حرياتها وكرامتها، هي الدولة الأقدر على حماية جميع مواطنيها دون استثناء.
أما الدولة التي تعجز عن حماية أقلية من أبنائها، فلن تستطيع أن توفر الأمن والاستقرار الدائم للأكثرية، لأن العدالة لا تتجزأ، ولأن الظلم إذا بدأ بفئة فلن يتوقف عندها.
إن أمن الأقليات هو أمن للدولة، واستقرارها هو استقرار للوطن، ومشاركتها الكاملة في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية تعزز الوحدة الوطنية، وتغلق أبواب الفتنة والانقسام والتدخلات الخارجية.
ولهذا، فإن الدول العظيمة لا تُقاس بعدد سكانها، ولا بقوة جيوشها، ولا بحجم اقتصادها فحسب، وإنما تُقاس أيضًا بمدى احترامها لإنسانها، وبقدرتها على أن تجعل كل مواطن، مهما كان دينه أو مذهبه أو قوميته، يشعر بأنه شريك كامل في وطنه، وأن الدولة تحميه بالقدر نفسه الذي تحمي فيه جميع مواطنيها.
ولذلك، فإن أي نظام حكم، أيًا كان اسمه أو مرجعيته أو دستوره أو أيديولوجيته، يجب أن يُوزن بميزان واحد لا يتغير:
_هل يشعر جميع المواطنين بالأمن؟
_هل يتمتع الجميع بالحقوق نفسها؟
_هل يحمي القانون الجميع دون تمييز؟
_هل تُصان كرامة الإنسان بغض النظر عن دينه أو مذهبه أو قوميته؟
_هل تُرفض ثقافة الإقصاء والتهميش والتكفير والتحريض؟
إذا كانت الإجابة نعم،
فإن الدولة تسير في طريق العدالة والاستقرار.
أما إذا كانت الإجابة لا،
فإن الخلل ليس في تنوع المجتمع، بل في ميزان الحكم نفسه.
فالعدالة ليست شعارًا سياسيًا، بل هي أساس الملك، والمساواة ليست منحة من الحاكم، بل حق أصيل لكل إنسان، وأمن جميع المكونات الوطنية ليس قضية تخص الأقليات وحدها، بل هو المعيار الحقيقي الذي تُقاس به شرعية الدولة وقوة مؤسساتها ومستقبلها.
وهنا يصبح الميزان واضحًا…
فكل نظام حكم، أيًا كان اسمه أو مرجعيته أو دستوره، إذا استطاع أن يحقق العدالة والمساواة، ويحمي جميع مكونات شعبه بلا إقصاء أو تهميش أو تكفير أو تمييز، فإنه ينجح في اختبار الدولة.
أما إذا فشل في ذلك، فإن الخلل ليس في التنوع الذي خلقه الله بين البشر، وإنما في طريقة إدارة الدولة لهذا التنوع.
ذلك هو الميزان…
_الميزان الذي لا يظلم أحدًا، ولا ينحاز إلى أكثرية على حساب أقلية، ولا إلى طائفة على حساب أخرى، ولا إلى دين على حساب دين، ولا إلى قومية على حساب قومية.
فالميزان الحقيقي لأي نظام حكم هو مقدار ما يحققه من عدالة، ومساواة، وأمن، واستقرار، وسيادة قانون، لجميع المواطنين دون استثناء.
وكلما اقتربت الدولة من هذا الميزان، اقتربت من رسالتها الحقيقية، وترسخت وحدتها الوطنية، وازدادت قدرتها على صناعة السلام والتنمية، وحماية الإنسان، وصيانة كرامته.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل



