
وعي الشعوب
كتب رياض الفرطوسي
تتحرك الشعوب في حراكها الحضاري بوقود لا يُرى بالعين المجردة، وقود يكمن في البنية العميقة للوعي الذي تتوارثه الأجيال وتستقر عليه الهوية. الثقافة لم تكن يوماً مجرد رفاهية ذهنية أو طقساً هامشياً يُمارس في أوقات الفراغ، بل هي “المصفوفة الإدراكية” ( كما يصفها الأنثروبولوجي كلود ليفي شتراوس ) التي تمنح الأمة شفرتها الخاصة، وتحدد بها طرائق تفكيرها ومواقفها الأخلاقية. وفي هذه المساحة الفكرية الحرجـة، لا يتحدد دور المثقف في الصراعات السياسية العابرة، بل في حراسة الوجدان الجمعي، واستشراف آفاق المستقبل، وصيانة روح الأمة من التفكك والانجرار خلف مشاريع الخراب، مبحراً بين واجب التنبيه وعمق الانتماء للأرض.
في لحظات المنعطفات الكبرى، يغدو سؤال الضمير الثقافي هو المحك؛ إذ يكشف الواقع عن تبايُنات عميقة في أداء النخبة. وكما لاحظ الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي في تحليله لمفهوم “الهيمنة الثقافية”، فإن معركة الوعي الحقيقية لا تُدار في الصالونات الفوقية ولا بالسجالات الانتقامية، بل في العمق الاجتماعي: بين أروقة المدارس، وفي البيوت، والمؤسسات، وعلى مستوى الفئات الاجتماعية الكادحة التي قد تُنساق عن جهل إلى مجاراة واقعهِم المأزوم. إن الخطاب الثقافي الأصيل هو الذي يقدم بديلاً إنسانياً راقياً، لغة بناء ومحبة تترفع عن الابتذال والتراشق، لأن الثقافة التي تستمد قدرتها من الدونية والتشفي إنما تعيد إنتاج أشكال القسوة والتهميش ذاتها بصورة أخرى.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في استهلاك الطاقة الفكرية في مخاطبة منابر السجال السياسي اليومي، أو إهداء النصائح في الفراغ، بل في “النخر الفكري الهادئ” لتأسيس وعي يمتلك مناعة ذاتية. يُذكرنا المفكر أدوارد سعيد في كتابه صور للمثقف بأن مهمة النخبة الفكرية هي التحدث بالحق في وجه المسلمات المتهافتة، وتفكيك بنية التجهيل من جذورها دون الوقوع في مصيدة الاستقطاب. فالمجتمعات لا تُبنى بتبديل المعاطف أو بالاستثمار في أوقات الأزمات، بل بتطوير رؤية إيجابية تجمع الأمة على مشتركاتها الحضارية، وتغرس في أجيالها قاطرة الوعي الذاتي المستنير.
تلك هي رسالة الثقافة حين تُكتب بروح المسؤولية وعمق الفكرة؛ أن تظل بوصلة هادية في زمن الضباب، ترتفع فوق الخلافات لتصل إلى هموم الإنسان الحقيقية، وتُعيد صياغة أسس الوعي برصانة ومحبة، ليظل هذا الوعي هو المصد المنيع، والضمان الأكيد لكبرياء الشعوب واستقرارها.



