بين الذاكرة والتاريخ… لماذا تعجز شعوبنا عن التعلم من تجاربها؟

 

 

بقلم: أمين السكافي.

 

ليس أخطر على الأمم من أن تمتلك ذاكرةً قوية وتاريخًا ضعيفًا. فالأمم التي تحفظ أسماء معاركها، وتبكي شهداءها، وتحتفل بانتصاراتها، لكنها لا تتوقف لتسأل: لماذا انتصرنا؟ ولماذا هُزمنا؟ وكيف تكررت الأخطاء نفسها؟ هي أمم تعيش داخل الذاكرة أكثر مما تعيش داخل التاريخ.

 

فالذاكرة تحفظ المشهد، أما التاريخ فيبحث عن أسبابه. الذاكرة تستدعي العاطفة، أما التاريخ فيستدعي العقل. وبينهما تكمن المعضلة الكبرى التي تعيشها شعوب كثيرة، وفي مقدمتها شعوب منطقتنا العربية، التي تبدو كأنها تسير في دائرة مغلقة؛ تتبدل فيها الوجوه، بينما تبقى الأخطاء نفسها، وتتغير الأعلام، بينما تبقى الأزمات ذاتها.

 

من يتأمل تاريخ لبنان، على سبيل المثال، يلاحظ أننا نكرر النقاشات نفسها منذ الاستقلال. الدولة القوية، الطائفية، السلاح، الإصلاح، العلاقة مع الخارج، الاقتصاد، العدالة الاجتماعية… كلها عناوين حضرت في خمسينيات القرن الماضي، ثم عادت في السبعينيات، ثم بعد اتفاق الطائف، ثم بعد الانهيار المالي، وكأن الزمن لم يتحرك إلا في التقويم، لا في العقول.

 

والأمر لا يقتصر على لبنان. ففي العالم العربي كله تتكرر المشاهد بصورة تكاد تكون متطابقة. انقلابات تتحول إلى أنظمة دائمة، وأنظمة تسقط لتعود بأسماء جديدة، وثورات ترفع شعارات الحرية ثم تتحول إلى صراعات أهلية، وحروب تبدأ تحت عناوين التحرير أو الأمن أو العدالة، لكنها تنتهي بخرائط أكثر تعقيدًا، واقتصادات أكثر هشاشة، ومجتمعات أكثر انقسامًا.

 

السؤال هنا ليس: لماذا وقعت هذه الأحداث؟ بل لماذا لا نتعلم منها؟

 

الإجابة تبدأ من الفرق بين الذاكرة والتاريخ.

 

فالذاكرة انتقائية بطبيعتها. كل جماعة تتذكر ما يعزز روايتها، وتتجاهل ما يناقضها. ولذلك يصبح الماضي مادة للصراع بدل أن يكون مدرسة للفهم. أما التاريخ، بوصفه علمًا، فيحاول أن يجمع الوقائع المتعارضة، ويقارن بين الوثائق، ويعيد قراءة الأحداث بعيدًا عن الانفعال.

 

ولهذا السبب تخاف الأنظمة الشمولية من المؤرخ أكثر مما تخاف من الخطيب. فالمؤرخ يطرح الأسئلة التي لا تريد السلطة سماعها، بينما يستطيع الخطيب أن يحول الماضي إلى وسيلة تعبئة وحشد.

 

ولعل ما يزيد المشكلة تعقيدًا هو أن مجتمعاتنا غالبًا ما تتعامل مع التاريخ بوصفه مصدرًا للفخر أو للإدانة، لا بوصفه مختبرًا للتعلم. فنحن نختلف على تفسير الماضي أكثر مما نتفق على الاستفادة منه. حتى المناهج التعليمية في كثير من الدول العربية تقدم التاريخ باعتباره سلسلة من البطولات والهزائم، لا سلسلة من القرارات والنتائج.

 

ولهذا نجد أن الطفل يتخرج وهو يحفظ أسماء المعارك، لكنه لا يعرف لماذا انتصرت أمة، ولماذا انهارت أخرى. يحفظ أسماء القادة، لكنه لا يدرس المؤسسات التي صنعت النجاح أو الفشل. وعندما يكبر، يصبح أسير رواية واحدة، لا باحثًا عن الحقيقة.

 

في المقابل، تكشف تجارب الأمم الناجحة أن سر نهضتها لم يكن في أنها لم تخطئ، بل في أنها امتلكت شجاعة الاعتراف بأخطائها. ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية لم تبنِ مستقبلها على تمجيد الماضي، بل على نقده. واليابان، بعد كارثة الحرب، لم تنشغل بالبكاء على الهزيمة، بل حولتها إلى مشروع وطني للتعليم والصناعة والانضباط. أما كوريا الجنوبية، التي خرجت من حرب مدمرة، فقد استثمرت في الإنسان قبل أن تستثمر في الحجر، فانتقلت خلال عقود قليلة من دولة فقيرة إلى قوة اقتصادية وتكنولوجية عالمية.

 

القاسم المشترك بين هذه التجارب لم يكن الثروة وحدها، بل القدرة على تحويل الذاكرة إلى درس، والتاريخ إلى خطة عمل، والهزيمة إلى دافع للتغيير، لا إلى مبرر دائم للشكوى . إن إحدى أكبر مشكلاتنا أننا كثيرًا ما نبحث عن المسؤول في الخارج قبل أن نفتش عن الخلل في الداخل. صحيح أن منطقتنا كانت ولا تزال ساحة لتدخلات دولية وإقليمية، وأن الاستعمار والاحتلال والحروب تركت آثارًا عميقة في حاضرنا، لكن تحويل كل إخفاق إلى مؤامرة خارجية يعفينا من مسؤولية المراجعة. فالتاريخ يعلمنا أن التدخل الخارجي ينجح عادة عندما يجد في الداخل انقسامًا، أو ضعفًا في الدولة، أو غيابًا للمؤسسات.

 

لقد كانت دول كثيرة عرضة للضغوط الأجنبية، لكنها امتلكت مؤسسات قوية ومجتمعات قادرة على التماسك، فخرجت من أزماتها أكثر صلابة. أما المجتمعات التي بقيت أسيرة الانقسام، فقد تحولت أزماتها إلى حالة دائمة، وأصبح الماضي فيها عبئًا على المستقبل بدل أن يكون طريقًا إليه.

 

وفي لبنان، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحًا من أي مكان آخر. فكل أزمة سياسية تعيد إحياء ذاكرة أزمة سابقة، وكل استحقاق دستوري يستحضر انقسامات قديمة، وكل خلاف داخلي يتحول سريعًا إلى صراع حول روايات التاريخ. وكأن اللبنانيين لم يتفقوا بعد على قراءة مشتركة لماضيهم، فكيف يمكنهم الاتفاق على مستقبلهم؟

 

إن الدول لا تُبنى بالذاكرة وحدها، بل ببناء ذاكرة وطنية جامعة تستند إلى الحقائق، لا إلى الانفعالات. فحين يصبح التاريخ ملكًا لفئة دون أخرى، يفقد دوره التربوي، ويتحول إلى وقود لخلافات جديدة.

 

ومن هنا تأتي مسؤولية المدرسة والجامعة والإعلام. فهذه المؤسسات لا ينبغي أن تكتفي بنقل المعلومات، بل عليها أن تربي الإنسان على التفكير النقدي، وعلى طرح الأسئلة الصعبة، وعلى قبول تعدد وجهات النظر. فالأمم التي تتقدم ليست تلك التي تمتلك أجوبة جاهزة، بل تلك التي تمتلك الشجاعة لطرح الأسئلة الصحيحة.

 

وليس المقصود بالتعلم من التاريخ أن نعيش أسرى الماضي، أو أن نحاكم الأجيال الحالية بأخطاء الأجيال السابقة، بل أن نفهم كيف تشكلت الأزمات، وكيف يمكن تجنب تكرارها. فالتاريخ ليس محكمة، بل مدرسة؛ وليس سجلًا للاتهامات، بل مختبرًا للتجارب الإنسانية.

 

لقد كتب الفيلسوف الإسباني جورج سانتايانا عبارته الشهيرة: “من لا يتذكر الماضي محكوم عليه بتكراره.” لكن هذه العبارة تحتاج في منطقتنا إلى إضافة مهمة: ومن يتذكر الماضي بطريقة خاطئة، سيكرر أخطاءه بطريقة أكثر خطورة.

 

فالذاكرة، عندما تُستخدم للتحريض، تزرع الكراهية. وعندما تُستخدم للتفاخر فقط، تزرع الوهم. أما عندما تتحول إلى معرفة، فإنها تصبح أساسًا لبناء المستقبل.

 

ولعل أخطر ما نواجهه اليوم هو أن العالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، بينما لا تزال كثير من مجتمعاتنا تناقش أسئلة الأمس. العالم يتنافس في الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا، والاقتصاد المعرفي، واستكشاف الفضاء، بينما لا نزال نحن نختلف حول أحداث مضى عليها عشرات السنين، وكأن الزمن توقف عند لحظة معينة ولم يعد يتحرك.

 

إن المستقبل لا ينتظر أحدًا. والدول التي تنشغل بإدارة خلافاتها التاريخية أكثر من انشغالها بصناعة مستقبلها، تجد نفسها خارج سباق الحضارة، مهما امتلكت من ثروات أو موقع جغرافي أو تاريخ عريق.

 

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا جميعًا: هل مشكلتنا أننا لا نعرف التاريخ، أم أننا نعرفه ولكننا نرفض أن نتعلم منه؟

 

ربما تكون الإجابة المؤلمة هي أننا نحفظ التاريخ أكثر مما نفهمه، ونستدعي الذاكرة أكثر مما نستخلص العبرة. ولذلك تتكرر الأخطاء، وتتبدل الأسماء، وتدور الأحداث في الحلقة نفسها.

 

إن الأمم العظيمة ليست تلك التي لم تسقط يومًا، بل تلك التي عرفت كيف تنهض بعد سقوطها. وليست تلك التي لم تخطئ، بل التي امتلكت شجاعة الاعتراف بالخطأ، ثم حولت التجربة إلى مشروع إصلاح. وبين الذاكرة والتاريخ، تقف شعوبنا اليوم أمام مفترق طرق حقيقي: إما أن يبقى الماضي سجنًا نعيش داخله، وإما أن يصبح جسرًا نعبر عليه نحو مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة ووعيًا.

 

ذلك هو الفارق بين أمةٍ تروي تاريخها، وأمةٍ تصنعه .

شارك